الأمن المجتمعي

موسى عليه السّلام : حربٌ أمنيةٌ ضاريةٌ مع الطّغاة


 



    الحرب بين الحق والباطل ضارية في طبيعتها، لأن الباطل يتوهم دائماً بما يملكه من قوةٍ ظاهريةٍ أن انتصاره من الأمور البدهية التي يصوّرها له الشيطان!.. والصراع بين أنصار الحق وأنصار الباطل هو صراع أمني في كثيرٍ من وجوهه الهامة، فإذا كان أبناء الحق وأنصاره يريدون نصر دينهم، وامتلاك أسباب هذا النصر، فعليهم أن يستوعبوا كل أسلوبٍ أمنيٍ حقيقي، ويطوّروا خبراتهم ووسائلهم، ليضمنوا تمكنهم من استيعاب الوجوه الأمنية للصراع، وهو من الأمور التي لا بدّ منها إن أرادوا حسم الصراع لصالح الحق والدعوة الإسلامية، وقصة موسى عليه السلام تُعتبر مثالاً واضحاً على ما نقول!..


 


فهناك باطل وظلم يتمثّل في الطاغية فرعون: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4) .. وبالمقابل، هناك حق وعدل وحكم بمنهج الله عز وجل يتمثّل في دعوة النبي موسى عليه السلام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص:43).


 


لقد بدأ الصراع بوجهٍ أمنيٍ واضح، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا منه دروساً أمنيةً بالغة الدقّة والدلالة: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7) .. فالله عزّ وجلّ أراد أن يكون موسى عليه السلام حامل لواء الحق، وزعيم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فَحَمَاه منذ الولادة بأسلوبٍ أمنيٍ نفّذته أم موسى، بعد أن ألهمها الله أن تفعل ما تفعل لحماية وليدها الحاليّ، وزعيم الدعوة الربانية في المستقبل!.. وكانت كيفية الحماية لا تخلو من الدقّة والمخاطرة في نفس الوقت: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طـه:39) ..


 


والله جلّ وعلا الذي ألهم أم موسى تنفيذ الشق الأول من خطة الحماية .. سخّر امرأة فرعون لتنفيذ الشق الآخر من هذه الخطة: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9).


 


وكان من تدبير الله عز وجل وعظيم حكمته، أن يُرَبّى موسى عليه السلام في حِجْر فرعون، فكان هلاكه وزوال طغيانه على يديه عليه الصلاة والسلام!.. ولعلّنا نلمس كم يحتاج تنفيذ هذه الخطة الأمنية الدقيقة إلى الصبر والحنكة والحكمة والسرّية والحسّ الأمني المرهف .. أليست هي الخطة التي بموجبها تنبت بذرة الحق في أرض الباطل وتربته؟!..


 


وتستمر الخطة الأمنية الرائعة، فترسل أم موسى ابنتها لتكون عَيناً ترصد تصرفات فرعون وأسرته، وتَتّبِع أثر أخيها موسى وتتقصّى أخباره: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ..) (القصص: من الآية 11) .. فماذا فعلت أخت موسى عليه الصلاة والسلام؟!.. هل تصرّفت بما يلفت الانتباه إليها وإلى خطّتها ومبتغاها؟!..


 


(.. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص: من الآية 11) .. نعم، فقد احتالت على الظرف المحيط، فاستطاعت رؤية أخيها بمخاتلةٍ ذكيةٍ من غير أن يشعر بها أحد من الأعداء أو أن يشعر أحد من الظالمين أنها أخت موسى، وأنها تقوم بالاستطلاع ورصد أخباره بكل دقة!..


 


وعندما منع الله موسى أن يرضع من المرضعات: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع ..) (القصص: من الآية 12) .. عندئذٍ تدخلت الأخت في الظرف المناسب والوقت المناسب: (.. فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)؟!.. (القصص: من الآية 12) .. يقول ابن عباس: (لما قالت أخته: وهم له ناصحون، أي: مشفِقون، شكّوا في أمرها وقالوا: وما يدريكِ بنصحهم وشفقتهم عليه؟!.. فقالت: لرغبتهم في سرور الملك!.. فأطلقوها)!..


 


وهكذا فابن الدعوة الإسلامية حصيف ذكي، يعرف كيف يتصرف في كل المواقف، ويعرف كيف يخرج من المآزق بكل دهاءٍ وحنكةٍ .. كما فعلت أخت موسى عليه السلام!..


 


وكان تأييد الله عز وجل حاضراً بأبهى صوره وأبلغ آثاره: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:13) .. فلما قَبِلَ موسى ثديها، أحسنت إليها امرأة فرعون وأَجْرَتْ عليها النفقة والكساوي -كما قال ابن عباس- .. فكانت تُرضع ولدها وتأخذ عليه الأجر من عدوّه!..


 


إنه تدبير الحكيم العليم الذي ينصر عباده الصالحين، ويؤيّد المجاهدين العاملين في سبيله إلى يوم الدين بعد اتخاذهم أسباب القوّة والمنعة المعنوية والمادية!..


 


ويستمر السير في طريق الدعوة، ويستمر -نتيجة ذلك- تأييد الله عزّ وجلّ للمؤمنين الصادقين، فيكبر موسى عليه السلام، ويترعرع، ويشتدّ عوده، ويقوى .. أين كل ذلك؟!.. في ظل عدوّه الطاغية: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:14).


 


ولما عرف موسى الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون من عبادة غير الله عزّ وجلّ، ففشى أمره بين القوم، فأخافوه، فخاف منهم .. وهذا ما أدى إلى اتّباعه أسلوباً أمنياً صرفاً في التعامل مع الباطل وأهله ليحمي نفسه ويحمي دعوته: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ..) (القصص: من الآية 15) .. أي أنه عليه السلام كان يدخل مدينة مصر الكبرى مستخفياً: (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ) -كما قال المفسّرون- .. فانظر إلى هذا التعبير القرآني العميق!.. وانظر إلى ذلك الأسلوب الأمنيّ الدقيق، الذي اتّبعه نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه! ..


 


ويُمتَحن عليه السلام امتحاناً آخر، فيقتل رجلاً من قوم فرعون بلا قصدٍ، وتشتدّ المحنة .. ويلجأ موسى إلى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص:16) .. ثم يتخذ ما يجب عليه من أسباب الحماية والحذر، ويخبره أحد المتعاونين معه من المخلصين له، بسرٍّ خطير، هو تآمر القوم لقتله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20) .. وما كان منه عليه السلام إلا أن امتثل لما يقتضيه الظرف من حوله، بهدف حماية نفسه، وحماية دعوته إلى الله عزّ وجلّ : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:21).


 


لعلّنا نلاحظ روعة التعبير القرآني، عن حالة الهارب المهاجر في سبيل الله، الذي يَحْذَرُ العدوَّ ويتيقّظ له: (.. خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ..)، ومن ثم الاتكال على الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الحامي، والملاذ الآمن: قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ..)!..


 


وتستمر الدعوة إلى الله عز وجل، بحمايته سبحانه وتأييده، ويعود موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه بعد سنين طويلة، يحمل الدعوة في قلبه ويبشّر بها بلسانه، ويفديها بروحه، ويرفع لواءها بشجاعةٍ لا مثيل لها .. ويعود الصراع مع الباطل إلى ذروته، وينوي الطاغية فرعون قتل موسى عليه السلام، وهو شأن كل الطواغيت الذين يفلسون من كل حجّةٍ وبرهان، ولا يجدون إلا البطش وسيلةً لإسكات صوت الحق: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26).


 


ويُظهِر لنا القرآن الكريم الوجه الأمني للصراع بكل وضوح: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ..) (غافر: من الآية 28) .. ثم يقول الرجل المؤمن عن موسى عليه السلام: (.. وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: من الآية 28) .. ولعلّنا نلاحظ التعبير القرآني الدقيق في الدلالة على الحالة الأمنية في الصراع : (.. يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ..)، فالرجل المؤمن بالله عز وجل وبدعوة نبيّه موسى عليه السلام .. في الحقيقة، هو من مؤيدي فرعون في الظاهر وحسب: (.. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ..)!.. هذا الرجل الذي يخفي إيمانه، يخترق القوم ويعلم بكل ما يدور بينهم، ثم يعمل على تخذيلهم عن موسى عليه السلام، وعن أنصار الحق، وبأسلوبٍ أمنيٍ بارعٍ لا يتقنه إلا أصحاب القضية المنافحون عنها، الذين يبذلون ما يستطيعون من طاقاتهم في سبيل حماية دعوتهم، هذه الحماية التي تكفل الاستمرار في السير على الطريق الشاقة، لبلوغ الهدف الكبير!..


 


فالسرّية، والكتمان، والاختراق، والرصد، والتنسيق مع القيادة وأولي الأمر لحماية الدعوة وتأمين سيرها الحثيث نحو أهدافها،.. كل ذلك من أهم الأساليب الأمنية التي ينبغي أن يتسلّح بها أبناء العمل الاسلامي.


 


وبفضل هذا الإتقان في استيعاب استحقاقات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل بموجبها بأقصى طاقةٍ ممكنة .. ينصر الله عزّ وجلّ المؤمنين به، العاملين في سبيله .. وهكذا نصر الله سبحانه جل وعلا موسى عليه السلام على الطغيان والظلم والجبروت: (فَأَخَذْنَاهُ [ أي فرعون] وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:40) ..


 وانتهت بذلك قصة صراعٍ مريرٍ طاحنةٍ ضاريةٍ .. بين الحق والباطل، كان ركنه الأساس صراعاً أمنياً ..

مقالات ذات صلة