عين على العدو

هل انزلقت حماس؟

 


ابراهيم الحمامي 


اعترف أنني وما أن استمعت للمؤتمر الصحفي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يوم الاثنين 21/04/2008 ، حتى شعرت بالامتعاض لسبب ولاحتمال، أما السبب فهو يقيني أن ما نقله كارتر بعد لقاءاته أُخرج من سياقه وبالشكل الذي تسعى وكالات الانباء لتلقفه كسبق صحفي، خاصة اشارته لاستعداد حركة حماس “الاعتراف بحق “اسرائيل” للعيش بسلام جنباً إلى جنب كجارة”، وأما الاحتمال فهو أن تكون مواقف حركة حماس قد جاءت بصيغة “لعم” – أي لا ونعم – الشهيرة التي أطلقها ياسر عرفات في ثمانينات القرن الماضي تحت مسميات المرحلية والتكتيك فأوصلتنا لكارثة الاعتراف وأوسلو وما تبعها.


منعاً لأي التباس أوتأويل، وحسماً للسبب والاحتمال السابقين، بدأت بكتابة موضوع في شكل رسالة موجهة لقيادة حركة حماس لتأكيد وتوضيح موقفها بشكل محدد غير قابل للتأويل والقراءات المزدوجة، ومنعاً للاصطياد في الماء العكر، وبصراحة أكبر لأتأكد من أنه لم يطرأ تغير حقيقي في المواقف أو أنها بداية انحدار تدريجي نحو هاوية مشابهة لهاوية أوسلو، لكن وقبل أن اتم كتابة ما بدأت جاء المؤتمر الصحفي لرئيس المكتب السياسي، وقبله عبر تصريح لرئيس الوزراء في غزة، وبعده على لسان الناطقين الرسميين، ليؤكدوا جميعاً أنه لا تحول ولا تغيير عن المواقف السابقة المعلنة.


رغم هذه التأكيدات خاض ويخوض البعض في الأمر وكأنه تحول فكري مفصلي، أو اختراق استراتيجي، بل زاد البعض الآخر وقارن هذه المواقف القديمة بموقف حركة فتح وفريق أوسلو وتساءلوا: أليست حماس تبدأ من حث انتهت فتح؟ ويضيفوا: لم كل هذه التضحيات والدماء ما دام القبول قادم؟ وتباكى طرف ثالث على الفرص الضائعة قبل عقود من الزمان وترحموا على السادات وعروضه، وخرجت الأصوات المعروفة لتزاود وتناكف في محاولة لاثبات أن ما فعلوه من سقوط وتنازل هو النهاية الطبيعية لكل معاند.


نايف اشتيوي الناطق الاعلامي لما يسمى منظمة الشبيبة الفتحاوية هاجم رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وادعى انه يكتشف صوابية منهج فتح بعد 34 عام عندما اقرت برنامج النقاط العشر وهو في ملاعب الصبا!، أما فهمي الزعارير أحد الناطقين باسم فتح فقد أعلن أنه ليس من حق حماس التفاوض لأن هذا حق حصري وملك شخصي لسيده محمود عبّاس، ناهيك عن التصريحات الأخرى والمقالات التي تغنت بحكمة نهج أوسلو، وبشرت بسقوط مواقف حركة حماس.


توقف أكثر من شككوا بالموقف “الجديد” كما ظنوه عند موضوع الاستفتاء، وهو الأمر الذي زاد غموضه بعد المؤتمر الصحفي لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، لأنه وبصراحة أيضاً لم يوضح ماهية الاستفتاء أوعلى ماذا يكون، خاصة أننا نتحدث اما عن متخوفين أو مشككين لا يكتفون بالتأكيد على المواقف، فيقفون عند النقطة والفاصلة، فكان التصريح بالاستفتاء على اي اتفاقية من خلال التفاوض أمراً جلل، اعتبره هؤلاء تجاوزاً للخطوط الحمر، وتمترساً خلف الشعب لتمرير وتبرير التنازلات التي وعدت بها حماس (..)، وأن حماس بحجة قبول الشعب  لأي اتفاقية عبر الاستفتاء مستعدة للتنازل عن الحقوق والثوابت.


بعد قراءة مستفيضة ومراجعة وتدقيق للمواقف والتصريحات الرسمية يمكن تلخيص موقف حركة حماس السياسي كالتالي:


القبول بمبدأ دولة على أراضي عام 1967 – وهذا ليس موقف جديد بل طرحه قبل سنوات طوال الشيخ أحمد ياسين رحمه الله قبل استشهاده


هذا القبول مشروط بازالة الاستيطان وعودة القدس وسيادة كاملة وتطبيق حق العودة كاملاً


مقابل هذا القبول يتم التوافق على هدنة طويلة الأمد تحدد مدتها الزمنية


لا اعتراف للمحتل بحق في أرضنا تحت أي ظرف


بناء على هذه المباديء وفي حال قبولها من الأطراف المعنية والوصول الى اتفاق بشأنها تحديداً تتم الموافقة عليها عبر مجلس وطني جديد ومنتخب أو استفتاء شعبي يشمل كل فلسطيني أينما وجد، حول ما سبق فقط.


 


هذه هي المواقف القديمة الجديدة، والأصل هنا أن الشعب الفلسطيني هو الذي يقبل هكذا حل لا يسقط حقوقه، دون تفرد من طرف أو اطراف، ولا يكون الا بآليات حددتها وثيقة الوفاق الوطني التي وقعها الجميع في شهر يونيو/حزيران من العام 2006، بما فيهم حركة الجهاد الاسلامي التي تحفظت على فقرة المفاوضات فقط، ووثيقة الوفاق الوطني حددت المواقف بشكل لا لبس فيه سواء في المقدمة التي نصت “وعلى قاعدة عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال “، أو في البنود التي أوضحت “وضمان حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها وتعويضهم ” بل أن الوثيقة كبلت وقيدت عباس بمدة زمنية تنتهي بعد شهرين وآليات محددة للموافقة عليها لتقول ” أن إدارة المفاوضات هي من صلاحية ( م – ت – ف ) ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية على قاعدة التمسك بالأهداف الوطنية الفلسطينية كما وردت في هذه الوثيقة على أن يتم عرض أي اتفاق بهذا الشأن على المجلس الوطني الفلسطيني الجديد لإقراره والتصديق عليه أو إجراء استفتاء عام في الوطن والمنافي بقانون ينظمه”.


لماذا كل هذه الضجة إذن؟ ومن الذي قال أن الاستفتاء سيكون حول الثوابت أو الحقوق؟ ومن الذي يخشى أن يفرط الشعب بحقوقه وثوابته؟ عبّاس لو وقّع ألف اتفاق واتفاق لن يمر لا باستفتاء ولا بغيره أن تنازل فيه عن ذرة من حقوقنا، ولا يملك كائناً من كان تفويضاً مطلقاً أو من أي نوع حتى لمناقشة تلك الحقوق.


المشككون بأي موقف يكشف حجم تنازلهم وتفريطهم وفشلهم، هم أنفسهم من لوّح بالاستفتاء قبل عامين لسحب البساط من تحت الحكومة العاشرة، ثم رفضوا وثيقة الوفاق الوطني باعتبارها لا تصلح أرضية لحكومة وحدة وطنية، واليوم يدعون زوراً أن الموقف الجديد برأيهم هو ذاته موقفهم منذ عقود من الزمان، لكننا لا نرى في الموقف السياسي لحركة حماس تنازلاً عن 78% من فلسطين كما جاء في اتفاقية أوسلو، ولا اعترافاً بحق “اسرائيل في الوجود كما في رسائل الاعتراف المتبادل في 09/09/1993، ولا القبول بتقسيم القدس كما جاء في اتفاقيات قريع- بيريز وعبّاس- بيلين، ولا التفريط بحق العودة كما في وثيقة جنيف التي وقعها عبد ربه، ولا القبول بيهودية الدولة كما يسمونها بحسب تصريحات عبّاس لصحيفة المصور المصرية في 02/12/2004 ودير شبيغل الألمانية في شهر 05/2005، كل ذلك دون الحصول على أي شيء مطلقاً ولا حتى ازالة حاجز واحد في الضفة الغربية المحتلة.


الفرق بين أوسلو والموقف السياسي لحركة حماس وباختصار، هو أن أوسلو وفريقها اعترفت للاحتلال بحق غير شرعي على أرضنا دون الحصول على 1967 أو أي من الحقوق، وموقف حماس السياسي هو الحصول على 1967 مع القدس وازالة الاستيطان والعودة الكاملة دون اعتراف للاحتلال بحق في أرضنا، والفرق على ما نعتقد أكثر من واضح.


القبول بدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 لا يعني مطلقاً الاعتراف بدولة أخرى على باقي أراضي فلسطين التاريخية، ولا يفرض أو يرسم حدوداً ملزمة، ولا يمنع التواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني بين أراضي عام 67 وعام 48، وهذه ليست نظريات، بل هناك سوابق دولية في هذا الشأن تؤسس لمثل هذا الاتفاق، ومنها:


1.    ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية لم تعترف احداهما بالأخرى قبل توحيد الشطرين، ولم ترسّم حدود، وحافظ كل شطر على “دولته”، ومع ذلك كانت بينهما قطارات وتجارة بل تقابلوا رياضياً في أكثر من مناسبة.


2.    كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية لا تعترف احداهما بالأخرى، ويحشد كل شطر مئات الالاف في مواجهة الشطر الآخر، ومع ذلك سمحوا بزيارات الأقارب وحركة محدودة عبر الخط الفاصل بينهما والذي لا يعتبر حدوداً رسمية.


3.    الصين تعتبر تايوان اقليماً متمرداً يجب أن يعود للسيادة الصينية ولو بالقوة، ومع ذلك هناك حركة تجارة وطيران دون أي اعتراف من أي نوع، بل مقاطعة لكل من يعترف يتايوان أو يفتح سفارة لها.


4.    حتى في منطقتنا ولسنوات طوال سرت هدنة وقعت بين الاحتلال والدول المحيطة بفلسطين كانت خلالها المعابر تعمل وتسمح بالتنقل للأفراد والبضائع عبر بوابات واجراءات محددة، دون أي اعتراف بكيان الاحتلال (قبل معاهدات السلام المزعوم).


في كل تلك الأمثلة سرت أو تسري هدنة طويلة الأمد دون أي اقرار من طرف لطرف آخر بحق فيما يملكه بقوة أو غيرها، ودون اعتراف بسيادة لمغتصب، وهي رد على من يقول أن أي اتفاق ضمن الموقف المطروح هو اعتراف ضمني أو حتمي بحق الاحتلال في أرض فلسطين.


الموقف أو المبادرة المطروحة لها ضمانات – أو مستحيلات – ثلاث  هي:


أهداف محددة ليس من ضمنها التنازل عن الحقوق أو مصادرة حق الأجيال في وطننا وحقوقنا – أي تكبيل واضح لمن يفكر بالتفاوض


  آليات واضحة لاقرارها في حال تم التوصل إلى ما سبق من الصعوبة بمكان توفرها (مجلس وطني منخب أو استفتاء يشمل الجميع) – وشعبنا لا يمكن أن يقبل أي تفريط في حقوقه غير المعروضة أصلاً للاستفتاء لأن هذا مرفوض جملة وتفصيلا.


– توافق وطني يسبق كل ذلك، وهو ما لن يحدث إلى أن يستقل فريق أوسلو بقراره – وان حدث فسيكون ضمانة حقيقية وسط اجماع وطني فلسطيني.


 


أما الضمانة الأهم فهي الرفض الحتمي للاحتلال لهذه المبادرة، الاحتلال الذي حصل على كل شيء في أوسلو ومن فريق أوسلو، ولم يقدم أي مقابل، بل يزداد همجية وعنجهية واذلال لفريق أوسلو، فهل لنا أن نتصور أن يقبل بازالة المستوطنات غير الشرعية واعادة القدس المحتلة وعودة ملايين اللاجئين لمدنهم وقراهم وبلداتهم الأصلية، سيادة فلسطينية كاملة على أراضي عام 1967، دون اعتراف يحصل عليه في المقابل.


الرد على المبادرة وتجديد الموقف القديم جاء سريعاً من خلال تشديد الحصار والاجراءات الاجرامية على قطاع غزة، ورفض صريح من قبل الاحتلال لهذا الموقف، ومحاولات بائسة من قبل صحيفتي معاريف وهآرتس بالأمس، للايحاء بوجود خلافات بين حماس الداخل والخارج وبين الجناح السياسي والعسكري في غزة، وغيرها من التسميات التي تعتمدها الصحف العبرية.


موقف حركة حماس لم يتغير والضجة المفتعلة مقصودة، ولكن نقولها بوضوح إن أي طرف مهما كان يحاول التنازل أو التلاعب بحقوق وثوابت شعبنا، سيواجه بكل قوة من أبناء شعبنا، وأنا أولهم، بل ستكون المواجهة أكثر شراسة إن أسقطت حماس الراية لا سمح الله، لأنه لا مهادنة مع من يتنازل أو يفرط، وحقوقنا ليست للبيع أو العرض في مزادات أو استفتاءات أو غيرها، وهذا لافصال فيه ولا تراجع عنه، لأن الوطن والأرض والحقوق أكبر منا جميعاً.

مقالات ذات صلة