الأمن عبر التاريخ

حول أمن المعلومات التنظيمية

المجد_

قال تعالى : { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم .. } الكهف 20.{ ..هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا } الكهف 66. { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } الأنبياء 61 .{ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً…… وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون } الأنبياء 79 – 80 . {  فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين } النمل آية رقم 17 . { يا بنيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح اللَّه إنَّه لا ييأس من روح اللَّه إلا القوم الكافرون } يوسف آية 87 .

ـ   وفي الحديث الشريف …             

ففي الحديث الصحيح الذي يرويه صهيب في قصة الساحر والراهب والغلام، في معرض قصة المواجهة وقصة الدابة التي قتلها الغلام, حيث أخبر الراهب الغلام فقال 🙁 …… أي بني أنت اليوم أفضل مني – يعني الغلام – قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل علي….) . ثم يخبر الحديث أن الغلام داوى رجلاً  فرد اللَّه إليه بصره. فلما أتى الرجل الملك وأخبر أن اللَّه رد عليه بصره وأنكر ربوبية الملك, فعُذِّبَ ولم يزل يُعَذَّبْ حتى دلَّ على الغلام . (…..فأخذه الملك ولم يزل يُعَذِّبْهُ -الغلام- حتى دلَّ على الراهب ) .

           

ـ  الانتقاء من العوامل الهامة لحفظ التنظيم ومعلوماته .

 وكما قال الخبراء ورواد العمل الإسلامي أنَّ الانتقاء يقي المصارع . والمثل المشهور يقول : التخلية قبل التحلية. لهذا يجب أخذ الجدية والأمانة في حمل الدعوة وأخبارها ومعلوماتها من أسماء لأعضائها وأجهزتها وخططها من قبل عناصر التنظيم وخاصةً في الأجهزة ذات المهام الخطرة والعسكرية أو ما شابه ذلك .

            لهذا يجب الأخذ بهذه القواعد بجدية والالتزام البديهي والتعبدي بمجموعها .

            1- يجب أن توكل المهام لرجالها, واستيداع الأسرار عند أصحابها. يقول سليمان بن الأعمش : ( أعظم الخيانة أداء الأمانة إلى الخائنين ) فمن نقض عهداً أو أطلق لساناً أو كشف سراً يكافأ بأن نطيع اللَّه فيه ونصنفه في الخائنين .

            2- تربية المجاهد على كتم السر ومحاربة إفشاء الأسرار والتحذير من حرمة ذلك . إن عقوبة الناكث تلغيه في العرف العملي ، ووجب على الدعوة أن لا تؤمن ناكثاً نقض عهداً أو هتك سراً بل يجرد مما هو فيه من العمل حتى يحدث في نفسه توبة صادقة . والمشاركة في العمل أمانة لا تنبغي لغير الملتزم فضلاً على أن يكون رأساً ووجهاً. من كتاب العوائق للراشد .

            يقول الطرطوشي : ( واعلم أن كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال ، كما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها كذلك لا خير في الإنسان إذا لم يملك سره .

            3- تحريم ومحاربة الغيبة والنجوى التنظيمية غير المشروعة وتحريم نقل أسرار المجالس والمعاقبة على ذلك واستبعاد العناصر الثرثارة والمهذارة التي لا تحفظ سراً . وكذلك محاربة مدح الذات الذي يؤدي لتسريب المعلومات .

          4- التدرج التربوي والتدريج العملي على كتم وحمل الأسرار . وكما يقال : أرى أخلاق الشريف كتمان السر ، وأعلاه كتمان من أسر إليه . قال أبن الأزرق : حفظك لسرك أولى من حفظ غيرك له . ومن حصن سره ظفر عاقبته وسلم من السطوات . وكما قال الإمام علي – كرَّم اللَّه وجهه – : سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره . وكما قالوا : صدور الأحرار قبور الأسرار. إن المدافعة في ساحات القتال لا تكون بالالتحام دائما إنما بالاختفاء والسكوت أيضا وفي حادثة ( أحد ) عندما صرخ أبو سفيان قائلا يوما بيوم أمر النبي – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – أن لا يجيبه أحد وعندما صرخ ابن قميئة : قتلت محمدا ، لم يجبه أحد . وعندما انتهت المعركة وجمع المسلمون صفوفهم وهتف أبو سفيان : أعل هبل يوما بيوم ، أمر النبي – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – عمر – رضي اللَّه عنه – أن يجبه : "اللَّه أعلا وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ". وهذا يدل على فن المناورة وأن الإعلان والإسرار مرهونان بمقتضيات الموقف .

            5 – الانطلاق من القاعدة الأمنية في التربية، المعرفة بقدر الحاجة فقط. وكل معلومة تنظيمية لا تفيد، تضر . وحصر المعلومات في أقل عدد يقلل من مخاطر تسريب المعلومات ويسهل متابعة أي تسرب وتحفظ التنظيم من هوس الشكوك ونزع الثقة .

            6 – التربية على أن كتم السر واجب ديني ولو أدى ذلك للكذب إن لم يستطع التورية على الأخ ، والكذب على العدو والقسم لإخفاء المعلومات والأسرار واجب، وعندما سئل النبي – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – يوم بدر من قبل رجل عن قومه فأجابه النبي – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – : "نحن من ماء , فتابع الرجل أي ماء ؟ فلم يجبه ".

ودعاء النبي – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – : "اللَّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها  "_ فتح مكة_ . سيرة إبن هشام .

            يقول الإمام الغزالي : ( لمستودع السر أن ينكره وإن كان كاذباً، وليس الصدق واجباً في كل مقام, وكما يجب للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره ، فكذلك يجب أن يخفي عيوب أخيه المسلم وأسراره وإن احتاج للكذب ، فله أن يفعل ذلك في حق أخيه، فأنه بمنزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا في البدن ) . وسئل أبن الأزرق  كيف نخفي السر ؟ فقال: إجحد المخبر واحلف للمستخبر . وزاد الحلف للضرورة . وكان يقال : " سرك من دمك ومن ارتاد لسره موضعا فقد أذاعه ، ولسان العاقل في قلبه وقلب الجاهل في فيه ) .ويقول الإمام النووي في هذا المجال: ( اعلم أن الكذب ، وإن كان أصله محرَّما ، فيجوز في بعض الأحوال بشروطٍ قد أوضحتها في كتاب " الأذكار " ، ومختصر ذلك : أنَّ الكلام وسيلة الى المقاصد ، فكل    مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه ، وإن لم يكن تحصيله إلَّا بالكذب ، جاز الكذب . ثمَّ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحاً ، وإن كان واجبا ، كان الكذب واجباً . فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله ، أو أخذ ماله ، وأخفى ماله ، وسُئل إنسان عنه ، وجب الكذب بإخفائه ، وكذا لو كان عنده وديعة ، وأراد ظالم أخذها ، وجب الكذب بإخفائها . والأحوط في هذا كلِّه أن يُورِّي ، ومعنى التَّورية : أن يقصد بعبارته مقصوداً صحيحا ليس هو كاذبا بالنِّسبة إليه ، وإن كان كاذبا في ظاهر اللفظ ، وبالنسبة الى ما يفهمه المخاطب ، ولو ترك التَّورية وأطلق عبارة الكذب ، فليس بحرام في هذه الحال .

     واستدل العلماء لجواز الكذب في هذا الحال بحديث أُمِّ كلثوم رضي الله عنها أنَّها سمعت رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – يقول : " ليس الكذَّاب الَّذي يصلح بين النَّاس ، فَيَنمي خيراً أو يقول خيراً " متفق عليه .

     زاد مسلم في رواية : " قالت أُمُّ كلثوم : ولم أسمعه يُرَخِّص في شيءٍ ممَّا يقوله النَّاس إلَّا في ثلاث " تعني : الحرب ، والإصلاح بين النَّاس ، وحديث الرَّجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها . رياض الصالحين باب بيان ما يجوز من الكذب ص. 586 .

 

            7 – وعند الحديث بالأمور التنظيمية الخطرة يفتح المذياع ( الراديو ) للتشويش على أي عملية تجسس وخاصة عند وجود لاقط للتجسس .

            8 – وجب على المجاهد أن يسر في نفسه الخير والشر ولا يستفز لأن الاستفزاز فيه تسريب للمعلومات ويتحلى دائما بخلق إمام المبتلين ( يوسف – عليه السلام – ) عندما خاطبه إخوته قائلين : { قالوا إن يسرق فقد سرق له أخ من قبل فأسرَّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شرٌ مكاناً واللَّه أعلم بما تصفون } يوسف آية 77 .

            9 – يجب أن يحول المجاهد بين أي معلومة – ولو كانت تافهة – وبين أهله لأنهم نقاط ضعف قد يصل العدو من خلالهم الى معلومات هامة ويجب أن لا يكون للمصادفة أي احتمال وخاصة في مخازن ومستودعات المستندات والعتاد فكم من معلومات هامة كشفها أطفال المجاهد وكانت سببا لكشف تنظيم عسكري أو غيره .

            10 – يجب إخبار التنظيم بأي ملاحظات حول تسرب أسرار التنظيم لغير المعنيين بذلك حتى ولو كانوا من نفس التنظيم ليتسنى الإسراع بمعالجة الخلل منذ البداية ، لأن كشف الخلل ومعالجته في بداية الأمر أيسر منه إذا ما استفحل وانتشر .

            وأورد الهرثمي في مخطوطه ما نصُّه : ( قالوا ما استطعت أن تحترس في كتمان ســرك في حربك من ثقاتك فافعل ، فإن في ذلك بإذن اللَّه إمضاء تدبيرك ، وقطع مكيدة من يكيدك ، واكفف لسانك عن فلتة كل منطق ، ينكشف به ما تضمر من أمرك أو تخفيه من سرك ، واعلم أنه قد يستدل بلحن المنطق على مصون السر ومكنون الضمير ، ولا تستهن في إظهار سرك بصغير لصغره ، ولا بأعجمي لعجمته ، فرب سر مصون قد أذاعوه واطلعوا عليه ) .

مقالات ذات صلة