عبرة في قصة

“مائـــير بينيت “الجاسوس الذي مات مرتيـــن

المجد-

بالنسبة للصهاينة في داخل فلسطين المحتلة وخارجها، يعد ماكس بينيت واحدا من الأبطال، حيث يحظى اسمه بالتمجيد والتبجيل إذ يظنون أنه فضل الانتحار على أن يدلي بمعلومات للمصريين قد تضر بأمن "بلاده"، غير أن الحقيقة التي تم الكشف عنها مؤخرا أن خبر انتحار رجل المخابرات الصهيوني لم يكن إلا خطة مصرية مدهشة، وان الرجل ظل في قبضة المصريين سنوات أدلى خلالها بكل ما يعرفه قبل أن يموت بشكل طبيعي تماما!

ولد مائير جوزيف بينيت في المانيا الغربية لأب يهودي وأم مسيحية، وفي عام 1935 وبينما كان مائير في الثامنة عشر من عمره ، فر وعائلته من النازيين إلى الأراضي الفلسطينية حيث عمل بعدة مهن فيما انضم في الوقت ذاته لمنظمة "الهجانا" الصهيونية في كفار هساديم.

وعلى الرغم من عمله كمهندس كهرباء ودراسته لموجات الراديو إلا أن الحماس سرعان ما جرفه فتحول إلى طيار مقاتل بعد حرب عام 1948 وحتى حصل على رتبة رائد، ثم لم يلبث أن انضم للمخابرات الإسرائيلية في العام التالي حيث ظهرت مواهبه التي جعلته واحدا من ابرع رجال المخابرات الصهيونية ليس في عصره فحسب ولكن إلى الآن.

وبسبب تفوقه إذ كان يتقن 6 لغات، وملامحه التي تجمع بين الشرق والغرب تم إرساله عام 1951 إلى ألمانيا ومنها إلى العراق في مهمة سرية.

وفي عام 1952 أرسل إلى القاهرة تحت غطاء كونه رجل أعمال ألماني للإشراف على (الوحدة 136) وهي شبكة تخريبية مكونة من فريقين من اليهود المصريين في القاهرة والإسكندرية كانت مهمتها وضع عبوات متفجرة في عدد من المؤسسات الأمريكية فضلا عن منشآت القاعدة البريطانية العسكرية في قناة السويس بغرض تدمير العلاقات الأمريكية والبريطانية مع الثورة الناشئة في مصر.

ويبدو أن بينيت كان محترفاً بحق إذ لعب دور رجل الأعمال ببراعة تامة جعلته يصل لمقابلة اللواء محمد نجيب الذي أصبح رئيسا للبلاد فيما بعد!، في الوقت ذاته بدأت الوحدة بالفعل في تنفيذ بعض العمليات التخريبية بقنابل بدائية الصنع في القاهرة والإسكندرية إلا أنها سرعان ما سقطت بسبب انفجار إحدى القنابل الحارقة في جيب أحد أفرادها قبل دخوله إلى دار عرض (ريو) في الإسكندرية مما جعل جنود الشرطة يهرعون إليه لإنقاذه لكنه ظن أن أمره قد انكشف فاعترف بكل شئ!

 

حدثت هذه الواقعة في عام 1954 بما يعني أن جهاز المخابرات المصري كان في طور الإنشاء إذ انه قد تكون رسميا في يونيو 1955!، لكن برغم ذلك فقد تمكن هذا الجهاز الوليد من التصرف بسرعة بالغة ففي خلال ساعتين فقط من سقوط عضو الشبكة بالإسكندرية كان 60 من رجال المخابرات يهاجمون كل أعضاء الشبكة في وقت واحد تقريبا في القاهرة والإسكندرية.

وخلال التحقيقات اعترفت عضوة الشبكة (فيكتورين نينيو) بكل شئ وأكدت أن ماكس بينيت هو الرئيس الفعلي المراقب للشبكة فضلا عن أنه واحد من كبار الضباط في المخابرات العسكرية الصهيونية.

ومع هذه المعلومة البالغة الخطورة تحرك الرجال للعمل بكل سرعة ودقة لضبط رجل المخابرات الصهيوني الذي سقط – لدهشته البالغة – خلال ساعة واحدة فقط!!

وتقول الرواية الصهيونية أن بينيت قضى خمسة أشهر في السجن قبل أن يحسم أمره بالانتحار قبل محاكمته بيوم واحد مفضلا الموت على ان يعطي المصريين أي معلومات أو أن يمنحهم متعة شنقه في ميدان عام.

غير أن الحقيقة أن بينيت كان يعرف بكل تأكيد أن سقوط رجل مخابرات معادي في أيدي أي جهاز مخابرات آخر ليس حدثا عاديا أبدا، فأي عميل لدولة أجنبية لن يملك من المعلومات سوى ما يُنقل اليه فقط ، بينما يمثل رجل المخابرات أهمية مضاعفة آلاف المرات لأنه يملك معلومات عن تنظيم جهاز المخابرات الذي ينتمي إليه وشبكاته وأسماء عملائه في الخارج .. الخ

وفي الوقت ذاته كان بينيت يعرف على ما يبدو انه لن يستطيع الإنكار وان الخناق سيضيق عليه مهما حاول وانه سيدلي بالمعلومات التي يعرفها اليوم او غدا، لهذا كله فضل أن يبقي الأمر في طور السهولة دون أن يلعب دور البطل!

لكن المشكلة المؤرقة كانت تتمثل في أن كل المعلومات التي سيدلي بها بينيت ستغدو عديمة القيمة اذا علمت المخابرات الصهيونية انه ادلى بها وستلجأ لتغيير كل النظم والأساليب وحتى المناصب التي يعرفها رجلها في القاهرة، هنا كان لابد لرجال المخابرات المصرية من إيجاد حل وبمنتهى السرعة.

وكانت الخطة بسيطة وواضحة بإعلان انتحار الرجل في محبسه عشية محاكمته ونشر هذا الخبر بشكل طبيعي في صحف القاهرة حتى تتلقفه وكالات الأنباء ليطير من فوره إلى تل أبيب.

 

وبالفعل، وفي 22 ديسمبر 1954 نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الصهيونية  خبرا مصحوبا بصورة العثور على بينيت (37 عاما) المتهم بالتجسس ميتا في زنزانته بالقاهرة، ونقل الخبر عن وزارة الداخلية المصرية إعلانها ان بينيت انتحر بأن قطع شرايين يده مستخدما موسى حلاقة، وقالت الصحيفة أن حارس الزنزانه سمع بينيت بصعوبة وهو يطلب ماءا ليشرب وانه لدى حضور الطبيب كان بينيت قد فارق الحياة بالفعل.

وتابعت الصحيفة انه بجوار جثة بينيت تم العثور على خطاب مكتوب بالإنجليزية بالقلم الرصاص من بينيت إلى زوجته، التي كانت وقتذاك في لندن، يقول فيه انه لم يعد لديه أمل في شئ وانه وصل إلى قرار الانتحار بعد تفكير هادئ، وأوصى بينيت زوجته بأن تتزوج من بعده لأن ابنته تحتاج لأب وأن تزرع شجرة لذكراه في حديقة منزلهما!

ومع هذه الحبكة البارعة، لم يشك أحد داخل الكيان الصهيوني أو خارجها أن بينيت ما يزال حيا يرزق في القاهرة وأن الصورة التي نُشرت له لم تكن لجثته ولكنها كانت له وهو تحت تأثير مخدر قوي!

وخلال السنوات التالية عاش بينيت في سرية تامة وتحت رقابة صارمة من المخابرات المصرية في فيلا صغيرة من طابقين بمصر الجديدة تحت اسم انجليزي هو (ريتشارد كليفورد) حيث كان يدلي بكل نشاط بمعلومات بالغة الأهمية عن الهيكل التنظيمي لجهاز المخابرات الصهيوني ووحداته واداراته ونوعيتها وأساليب العمل المتبعة فيها وطرق الحصول على المعلومات والأسرار ، إضافة إلى كمية هائلة من الرسوم اليدوية للمنشأت المموهة وأسراب الطائرات الصهيونية والبيانات البالغة السرية حول تنظيم إدارات المخابرات الصهيونية ونظم العمل ونقل الأوامر في أفرعها وأقسامها ومراتب وشخصيات رؤسائها بل ووسائل تدريب العاملين الجدد وعناوين المراسلات السرية في أوروبا وأمريكا الجنوبية واسيا، فضلا عن قائمة بأسماء العملاء والضباط وصفاتهم بل وأدلى بالكثير من المعلومات عن سلاح الجو الصهيوني!!

وفي أحد أيام صيف عام 1962 فارق بينيت الحياة حقيقة هذه المرة اثر نوبة قلبية هاجمته خلال نومه، بعد أن قدم خدمات تفوق الوصف للمخابرات المصرية.

وإذا كانت الرواية الصهيونية تقول أن جثمان بينيت قد أعيد للعدو الصهيوني حيث دُفن في كلية هرتزل العسكرية، لكن من غير المعروف اذا كان هذا هو جثمانه حقيقة لأن الجنازة المهيبة التي أقيمت له وحضرها كبار رجالات الكيان الصهيوني  وقتها ومن بينهم موشى ديان نفسه، كانت قبل وفاته الحقيقية بثلاث أعوام!!

مقالات ذات صلة