الأمن المجتمعي

المرأة المسلمة صاحبة شخصية مستقلة

 


 


       هناك صنف من الناس يتميزون بين أقرانهم، ويبرزون وسط مجتمعاتهم، إذا تحدث الواحد منهم أنصت إليه الجميع، وإذا ألمت بهم مشكلة تطلعوا إليه، ينتظرون رأيه ويلتزمون وجهته، وإذا غاب عنهم افتقدوه…وهذا الصنف من الناس صاحب رأي، وله شخصية مستقلة، يفكر قبل أن يتحدث، وينظر في الأمور نظرة المتأمل الدارس، واسع الأفق، عميق الخبرة، حتى يصل إلى الصواب، ويسلك الطريق المستقيم…والإسلام- هذا الدين العظيم الذي شرفنا به- يربي أبناءه، رجالًا ونساءً على أساس استقلال الشخصية وتميّزها، ويرفض التبعية والتقليد والإمعية ويعيب على المشركين عدم نظرهم في الأمور نظرة مستقلة، وتقليدهم للآباء، وإن كان هؤلاء الآباء لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس، إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساءوا تجنبوا اساءتهم.


والشخص الإمعة هو الذي يسير دون تفكير أو اقتناع كأنه فرد في قطيع لا يملك من أمر نفسه شيئًا، إنه يساير الواقع والناس والظروف دون أن يكلف نفسه مشقة التفكير أو تحمل مسئولية قراره، هل هو يسير في الطريق الصحيح أم لا؟ ومثل هذا الشخص غير قادر على تحمل المسئولية أو المشاركة في نهضة، أو آداء دور في معركة وجود، وربما يرضى هذا بعض الذين يعيشون على هامش الحياة ويحيون بلا هدف ولا غاية، لكنه –أبدًا- لا تقبل به الشخصية التي يصنعها الإسلام رجل كان أو امرأة.


وفي مسيرة أمتنا المسلمة وتاريخها الطويل برزت المرأة العظيمة صاحبة الشخصية المستقلة كأنها نجوم زاهرة في سماء التاريخ، لأنها تربت في مدرسة التوحيد وعاشت بين أهل الإيمان بشخصيتها القائدة الرائدة، وخلقها العالي النبيل، وحرصها على أن تقوم بدورها في بناء الأمة صاحبة الرسالة…كانت المرأة المسلمة تعلن رأيها بصراحة وشجاعة إذا وجدت فيه خيرًا لمجتمعها وأمتها أو لبنات جنسها. من منا لا يذكر تلك الفتاة الشجاعة التي ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلن رفضها للزواج من ابن عمها لأن والدها هو الذي أجبرها عليه، وعندما يقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقها في رفض ابن عمها، تعود فتقبله زوجًا بعد أن تكون قد أكدت المبدأ وهو عدم إكراه الفتاة على الزواج حتى “يعلم الآباء أنه ليس لهم من أمر بناتهم شيئًا” أي أن الآباء لا يستطيعون ولا يجوز لهم أن يكرهوا فتياتهم على الزواج من أشخاص لا يرضونهم.


وهذه المرأة المشهورة بوافدة النساء التي ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب منه أن يسمح للنساء بالجهاد بعد أن فاز الرجال بالجهاد وبصلاة الجمعة وحضور الجماعة فيقول لها: حسن تبعل المرأة لزوجها يعد ذلك كله. أي حسن قيامها بأمر بيتها وزوجها يعد أجر الرجال، ثم هذه المرأة التي قابلت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الطريق وقالت له:” قد كنت فينا عميرًا ثم صرت عمر، ثم صرت أمير المؤمنين..اتق الله يا عمر”. وتلك التي قاطعته في المسجد حينما كان ينهي عن المغالاة في المهور وقالت له: ليس لك هذا يا عمر.


هذه بعض النماذج التي برزت في المجتمع الإسلامي الأول، ولا تذكر كتب السيرة أسماء أغلبهن لأن هذه الأمثلة كانت كثيرة وعادية بالنسبة لزمانها، وما زال التاريخ يحفظ المواقف العظيمة التي صنعتها المرأة المسلمة خلال تاريخها الممتد لأكثر من أربعة عشر قرنا..إن المرأة المسلمة كانت تبحث عن الحق وتتحرى الحقيقة وتلتزم الصواب..وتضحي من أجله وتموت دفاعًا عنه وستظل كذلك إن شاء الله.


إن المرأة المسلمة التي أريدها تهتم بعقلها وثقافتها الدينية والتزامها بالشرع أكثر من اهتمامها بلباس مظهرها، تدفع فيه كذا وكذا. إنها تهتم بحسن الخلق وحسن الأدب وحلاوة اللسان وحب الخير للناس، إنها تربي في نفسها معاني المروءة والعزة والترفع عن الصغائر واجتناب المعاصي والبعد عن الثرثرة فيما لا يفيد، وتجنب تجريح الآخرين وحسن الظن بالناس وآداء الواجبات الإجتماعية وإغاثة الملهوف ورعاية المحتاج ونصرة المظلوم.


يجب أن نعطيه الأهمية والأولوية وجمال المظهر في بساطته وفي احتشامه وفي استقامته ولا يليق بالمرأة المسلمة أن تجري وراء الموضة وأزياء الغرب الضائع وعليها أن تأخذ ما يناسبها ويناسب عقيدتها ومجتمعها، وتربي نفسها وأبناءها على استقلال الشخصية واستقامتها ورفضها للتبعية والانحلال، فإذا أدركت المرأة المسلمة هذه المعاني وإني لواثقة فسوف تتقدم مجتمعاتنا خطوات وخطوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى