عين على العدو

الردع عبر إدخال المدنيين في دائرة الاستهداف

بقلم: أهارون زئيفي ــ فركش

سأختبر في هذه العجالة حالتين ملائمتين لقياس حالة الردع: الحالة الفلسطينية، وحالة "حزب الله"، ومن خلالهما سنستطيع التعرض لطبيعة "محاربة الإرهاب"، وكيفية مواجهة الدولة أو أي كيان سياسي لصيغة حروب الاستنزاف، وحرب العصابات.

وبإمكاننا الآن استعراض أربعة نماذج في الشرق الأوسط أبدى الغرب في التعامل معها فشلا واضحا، وإدارة غير سليمة للتكيف معها: أفغانستان، العراق، لبنان، السلطة الفلسطينية.

بداية أريد التطرق إلى طبيعة التعامل مع ظاهرة الردع بالنظر إلى قدرة الطرف الثاني، سواء في الحالة الفلسطينية، أو الساحة اللبنانية، خاصة عند الحديث عن بناء قوة الردع لدولة ديموقراطية. علما أن الجهة التي تقوم بعملياتها "الإرهابية" تعلم جيدا أن عملها من وسط السكان المدنيين هو ما يقيد حرية عمل الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي فهي تمارس ضغوطا هائلة عليها، وبالتالي تضع على هذه الدولة الديموقراطية مزيدا من المعايير والاعتبارات للتعامل مع مثل هذه الظواهر.

وإذا ما كانت المنظمات "الإرهابية" تفتقر إلى حيازة طائرات الـF16 فإنها ستلجأ لاستخدام سلاح "الانتحاريين". وحتى لا نخطئ مرتين، يجب علينا أن نعلم أن هذه المنظمات إذا ما امتلكت منظومة تسليحية متقدمة فإنها لن تتردد إطلاقا في استخدامها. وبالتالي علينا أن نتوقع أن هذه المنظمات ستكون جاهزة لاستخدام صواريخ "القسام والزلزال"، وتهديد السكان المدنيين في إسرائيل، للتأثير على قرارات الحكومة الإسرائيلية.

لذلك نلحظ، خلال جولات المواجهة السابقة، أنه في الوقت الذي تشن فيه تلك المنظمات حربها ضد دول نظامية بعينها، فإنها تلجأ تلقائياً لاستهداف السكان المدنيين، علماً أن المس بهم ليس أمراً عفوياً أو اعتباطياً، بل إستراتيجية دائمة وثابتة لهذه المنظمات.

وحين تطالب إسرائيل بأن تنطلق لمحاربة تلك المنظمات، وتبذل جهودا حثيثة وفاعلة لعدم المس بالمدنيين والأبرياء، فإنها تبدو للناظر كما لو كانت مقيدة من الخلف، على الأقل هذا في ضوء السياسة الحالية، إذا ما افترضنا أن هناك سياسة أصلا!

ومن خلال اللجوء إلى وسائل محددة، وملاحقة فعالة، وعلى المدى الطويل، لإحباط قدرات الخصم، يمكن عبر ذلك كله التأسيس لردع قوي ومكثف.

وربما يكمن هنا الفرق بين الجهد الناجح، وما سبقه من جهود بذلتها السلطة الفلسطينية ولم تكن مجدية في وقف ظاهرة العمليات "الانتحارية"، كما نجحت تلك السياسة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة "حزب الله"، على الأقل إلى حين انطلاق حرب لبنان الثانية.

وهنا بالإمكان ملاحظة حجم التعاون والشراكة الفعالة بين مختلف الوسائل الأمنية، والتقنيات الالكترونية، سواء كان "السيغينت" وهي المخابرات التقنية، أو "الفيزينت" وهي المخابرات المطورة، أو "اليومينت" وهي المخابرات البشرية التقليدية، إلى جانب ذلك كله المخابرات البحثية التحقيقية.

كل ما تقدم، وبجانبه بالتأكيد حجم الجهد الأمني والعسكري الميداني المكثف، وما رافقه من تغيير في النظرة الأمنية، أدى إلى تحقيق نتائج إيجابية هي الأكثر نجاحا على صعيد محاربة المنظمات "الإرهابية" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وضد السلطة الفلسطينية بين عامي 2002 ــ 2005.

إجراء التغيير في صياغة المعادلة الأمنية الإسرائيلية ضد المنظمات المعادية جاء في أعقاب اندلاع موجة من العمليات المسلحة المؤلمة، وأبرزها النجاحات الميدانية البارزة التي حققتها ظاهرة العمليات "الانتحارية" أواخر العام 2001، وبدايات العام 2002.

ولذلك سنرى في مراجعة تاريخية أن معظم الجهود الإحباطية التي قام بها جهازا "الشاباك" و"أمان"، تركز أساسا في مكافحة ظاهرة "الانتحاريين".

وتحديدا في هذه النقطة بالذات، لم نفكر كثيرا وبما فيه الكفاية في وضع الحدود بين تلك الخطوات الميدانية الفعالة، النابعة أساسا من الجهود الإحباطية المكثفة لمنع "الإرهاب"، وبين الخطوات السياسية التي بدت غائبة، أو مغيبة.

وبالتالي، فحين لا يستطيع ذلك المسلح التابع إلى هذه المنظمة المعادية أو تلك، أن ينام عدة ليال متواصلة، وحين تمس عائلته بأذى، سيؤثر ذلك حتما على قدرته على مواصلة العمليات ضد إسرائيل، وإطلاق المزيد من القذائف الصاروخية، وكما لا يستطيع سكان سديروت أن يناموا لياليهم يجب ألا ينام أهل غزة كذلك.

المهم هنا في النظرية الردعية الجديدة أن يتم استهداف صناع القرار في تلك المنظمات المعادية، والجهات التنفيذية العملياتية وعائلاتهم، والجهات التي توفر لها الدعم الاقتصادي، وحماية عائلية وقبلية، كل ذلك سيؤدي حتما إلى حصول نتائج إيجابية بالتأكيد.

إن أي نجاح لدولة ديمقراطية في مكافحتها "للإرهاب"، وبناء قدرة ردعية مكثفة، يحتم عليها أن تعمل على إدخال عنصر السكان المدنيين إلى دائرة الفعل والفعل المضاد، انطلاقا من اعتبارات عقلانية بالدرجة الأولى، وربما معايير أخلاقية أيضا.

هذه فرضية ردعية ميدانية ترسل رسالة إلى الجهة التي يراد ردعها، مفادها أنه في اللحظة الأولى لإطلاق القذيفة الصاروخية الأولى سيكون هناك رد حتمي وسريع عليها.

الرد هنا يجب أن يكون مرتبطا بسرعة التحرك الميداني، وليس بناء على حجم الضرر المترتب فقط على هذه القذيفة أو تلك.

التفسيرات الميدانية لهذا التصور تعني: يجب علينا الرد على كل إطلاق للنار باتجاهنا، حتى لو لم يقع في صفوفنا مصابون، وكل ذلك من أجل بناء ردع إسرائيلي فعال.

 

رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان".

 

مقالات ذات صلة