الأمن المجتمعي

درس في كتمان السر

المجد-

لقد جرى على ألسنة الناس قول ( فلان لا تبتل في فمه فوله) ، أي أن هذا الرجل لا يستطيع عند سماعه للكلام أن ينام أو يرقد حتى يبلغ هذا القول للناس حتى لو كان مريضًا لأن ذلك أصبح ملازمًا له وجبل هو على ذلك وقال الناس فيه ( هو الإنسان الخباس) الذي يوقع الناس في بعضهم فهو يهتك الأسرار ويكشف المستور من خفايا الناس وهو مع ذلك يظن في نفسه ظنًّا حسنًا ويظن أنه يخدم الناس بذلك أي بنقل الكلام.

 

– وقال العلماء هذا الصنف من الناس لا تقبل توبته شرعًا ما دام مصرًا على ذلك (الخبس) وشبهة العلماء بمدمن الخمر أو المصر على الزنا.

– وقال أيضًا العلماء إن هذا الذنب من الذنوب الملازمة للعبد التي لا تنفك عنه .

– ولقد نجحت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كتمان السر سببًا مباشرًا في نجاح دعوتهم وانتشارها. ومما يدل على ذلك عندما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة فكان من أوائل ما بلغهم النبي بالدعوة بلغ على بن أبى طالب.

وكان على بن أبى طالب من أدبه كان لا يقطع أمرًا حتى يرجع إلى أبيه ولما عرض عليه النبي الدعوة قال أرجع إلى أبى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا على إما أن تسلم وإما أن تكتم أي تكتم سر هذا الخبر حتى لا يعلم به أحد فيكون سببًا في عدم نجاح الدعوة وتبليغها فاختار على الإسلام وأسلم مع النبي وبين يديه ففاز بالاثنين الإسلام وكتمان سر الدعوة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ الدعوة ويعقد الاجتماعات في دار الأرقم بن أبى الأرقم وكان ذلك سرًا دون علم قريش فكون النبي رجالاً يكتمون الأسرار ويحفظون الأخبار أي التي تنزل من السماء فنجحت الدعوة وأصبح لها شأن عظيم أي بدأت الدعوة بكتمان السر في التبليغ من النبي إلى أصحابه رضي الله عنهم جميعًا.

وكذلك هجرة النبي نجحت بكتمان سر الهجرة فهاجر أصحاب النبي سرًا وكذلك النبي هاجر سرًا حتى لا يعوقوا تبليغ دعوته بعد الهجرة.

حيث نام على بن أبى طالب في فراش النبي سرًا حتى يهاجر النبي إلى المدينة يتضح لنا من ذلك كله أن إفشاء السر يدمر كل شيء في حياة الإنسان وإليكم الأدلة العملية على ذلك.

من القرآن الكريم قال تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليك ورحمته لا تبعتم الشيطان إلا قليلاً)

هذه الآية توضح لنا أن المنافقين كانوا لا يكتمون سرًا بل يذيعون الأسرار فأصبح من يذيع الأسرار يتصف بالنفاق وإن شئت فقل أو هو يعلم أنه منافق فعليه أن يرجع عن ذلك.

السنة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آية المنافق ثلاث منها إذا ائتمن خان)

وهكذا كما وضح لنا القرآن وضح لنا رسول الله أن من ذاع سرًا كانت فيه خصلة من خصال النفاق فليبادر بالتوبة منها.

السر ضربان

أحدهما ما يكفى الإنسان من حديث يستكتم وذلك إما لفظًا كقولك لغيرك وإما حالاً : وهو أن يتحرى القائل حال إنفراده فيما يورده أو خفض صوته (مثل التجسس).

قال المناوى (لا يحل لأحد من أهل المجلس أن يفشى على صاحبه ما يكره إفشاؤه) .

وقال أيضًا إنه تضييع أمانة استودعتها – وتضييعها أن تحدث بها غير صاحبها فتكون ممن خالف قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).

فتكون بذلك من الظالمين وتحشر في زمرة الخائنين.

وقال أبو حامد الغزالي – إفشاء السر خيانة وهو حرام إذا كان فيه إضرار .

عن جابر رضي الله عنها قال (إذا حدث رجل رجلاً بحديث ثم التفت إليه فهو أمانة) .

القول المأثور – إنما المجالس بالأمانات – من أفشى سرًا فقد خان – لأن السر أمانة

الأحداث

لما عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة لأبى بكر الصديق فلم يجبه (أي لم يرد عليه) بشيء قال له بعد أن دخل بها (رسول الله صلى الله عليه وسلم): لعلك وجدت علىَّ حين عرضت علىَّ حفصة فلم أرجع إليك بشيء فقال نعم فقال إنه لم يمنع أن أرجع إليك فيما عرضت علىَّ إلا أنى كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم أكن لأفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أنس رضي الله عنه :

أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعث في حاجة ، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت ما حبسك أي أخرك؟ قلت بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة . قالت أمي ما حاجته – قلت إنها سر.

قالت لا تخبرنَّ بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا.

قال أنس والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت.

– قال العباس لأبنه عبد الله : – يا بني إني أرى أمير المؤمنين يدنيك يعنى بن الخطاب وفى رواية (يقدمك على الأشياخ) يا بني فاحفظ عنى خمسًا .

لا تفشين له سرًا ، ولا تغتاب عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا ، ولا تعصين له أمرًا ولا يطلعن منك على خيانة.

روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تجهزه ولا يعلم أحد عنه شيء فدخل عليها أبو بكر الصديق فقال يا بنيه ما هذا الجهاز قالت والله ما أدرى .

– دخل أبو سفيان على ابنته زوج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أم حبيبة ليعلم منها شيء فطوت عنه الفراش ولم تخبره بشيء عن رسول الله ولم تجبه إلى طلبه فخرج من عندها.

ولم تفشى سر رسول الله لأبيها – وهذا هو الفرق بين زوجات الأمس واليوم .

– النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو على فراش الموت يدنى فاطمة ابنته منه يسر لها بسر فبكت ثم أسر إليها بسر فضحكت فقالت لها عائشة رضي الله عنها يا أم أبيك ما الذي أضحكك وما الذي أبكاك قالت ما كنت لأفشى سر رسول الله وبعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم وقرب أجلها قالت الآن أحدثكم أسر إلىَّ رسول الله بسر فبكيت ثم أسر إلىَّ بسر فضحكت.

بكيت لأنه أخبرني أنه سيلحق بربه وضحكت حين قال لي أنت أول من يلحق بى من أهلي .

ما حدث أثناء هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) يأمر أبو يكر بإخراج ابنته ثم يخطط للهجرة سرًا .

– النبي (صلى الله عليه) كان يُعمى عن جميع غزواته ولم يخبر أحدًا بما نوى إلا عند الحرب .

أي يجعل الاستعداد للغزوة دون العلم بالمكان حتى لا يتسرب الخبر إلى الأعداء.

– المثل الرائع الذي يضربه حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين علم بأسماء المنافقين من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وبعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم) . عمر بن الخطاب يستحلف حذيفة هل عمر من المنافقين فأجابه لا .

ثم أقسم على عمر لن أخبر أحدًا بعد اليوم ولو كان أمير المؤمنين عمر والله لا أزيد.

– حادثة حاطب بن أبى بلتعة فى فتح مكة جعلت النبي (صلى الله عليه وسلم) يهتم بكتمان السر .

– النبي (صلى الله عليه وسلم) قال فليغسل موتاكم المأسنون (حتى لا يذيعوا سر الميت)

الأقوال:

عمرو بن العاص – يقول ما استودعت رجلاً سرًا فأفشاه فلمته لأني كنت به أضيق صدرًا حين استودعته إياه.

قال الشاعر:

إذا المرء أفشى سره بلسانه                        ولام عليه غيره فهو أحمق

وقال الشاعر** إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه                فصدر الذي يستودع السر أضيق

قال الحكماء : ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يقدم إليها.

1- شرب ** للتجربة.       2- إفشاء السر إلى القرابة.            3- الحاسد وإن كان ثقة.

– وقيل – صدور الأخيار قبور الأسرار.

– وقيل إن سرك من دمك فانظر أين تريقه.

حال السلف في كتمان السر – إن قلب الأحمق في فيه – ولسان العاقل في قلبه .

قال بعضهم ما حفظ للسر قال أنا قبره.

قال آخر : استره واستر أنى استره.

تابع حال السلف:

أفشى بعضهم سرًا له إلى أخيه ثم قال له حفظت فقال بل نسيت .

– وقيل لأبى يزيد البسطامي:

من تصحب من الناس

قال من يعلم منك ما يعلمه الله ثم يستر عليك كما يستر الله .

واحذروا صحبة من لا يحفظ سركم عند غضبه.

قال بعضهم : لا تصحب من يتغير عليك عند أربع :

عند غضبه ورضاه وعند طمعه وهواه.

يقول أبو حامد الغزالي:

من أفشى السر عند الغضب فهو اللئيم لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها.

قال الشاعر:

وترى الكريم إذا تصرم وصله                     يخفى القبيح ويظهر الإحسانا

وترى اللئيم إذا تقضى وصله                      يخفى الجميل ويظهر البهتانا

عن أبى سعيد قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه.

لفظ آخر – ( إن من أعظم الأمانة عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) .

– ألا يستحى أحدكم أن يخلو بأهله يغلق بابًا ثم يرخى سترًا ثم يقضى حاجته ثم إذا خرج حدّث أصحابه بذلك، ألا عسى إحداكن أن تغلق بابها وترخى سترها فإذا قضت حاجتها حدّثت صواحبها فقالت امرأة سنعاء الخدين: والله يا رسول الله إنهن ليفعلن وإنهم ليفعلون قال فلا تفعلوا فإنما مثل ذلك كمثل شيطان لقى شيطانة على قارعة الطريق فقضى حاجته منها ثم انصرف وتركها .

– لفظ آخر – مثل شيطان وشيطانه لقى أحدهما صاحبه بالسكة فقضى حاجته منها والناس ينظرون.

حكم إفشاء السر حرام

وقال ابن القيم هو من الكبائر

والله تعالى أعلم ونسأله أن يحفظ أسرارنا وعوراتنا وأن يستر ما ظهر منها وما بطن.

 

 

مقالات ذات صلة