في العمق

تقسيم المسجد الأقصى.. تمهيدا لتهويده

المجد-

في الوقت الذي يدفع الانقسام الداخلي الفلسطينيين إلى مربع آخر من مربعات العبث والضياع، يخطو الصهاينة خطوةً أخرى نحو تهويد المسجد الأقصى المبارك تحت سمع وبصر العرب والمسلمين، وبخلاف ما كانت عليه الأمور في السابق فإن مخططات تهويد المسجد الأقصى أصبحت واضحةَ المعالم، ولم يعد العمل على تطبيقها يقتصر على جماعات يهودية هامشية، بل إن جهاتٍ رسميةً حكومية إسرائيلية أصبحت تنادي علنًا وبشكل صريح بتقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين، على غرار ما هو عليه الحال في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي سيلفان شالوم ووزير التهديدات الاستراتيجية موشيه يعلون كانا واضحين تمامًا عندما اعتبرا أنه لا يوجد أي مانع من استنساخ تجربة المسجد الإبراهيمي في المسجد الأقصى.

وعلى الرغم من التكتم الشديد على المخطط الصهيوني الرسمي الهادف إلى تهويد المسجد الأقصى ومنع المسلمين من الصلاة فيه، فإن الممارسات الصهيونية على الأرض تدلل على أن هذا المخطط يشتمل على عدة مراحل، تتم على النحو التالي:

1- جعل تواجد اليهود ولا سيما المتطرفين في المسجد الأقصى مسألةً اعتيادية من خلال السماح لأكبر عدد منهم باقتحام المسجد والتجوال فيه تحت حماية رجال الشرطة الإسرائيلية، ومواجهة أي محاولة للتصدي لهم بيدٍ من حديد.

وقد كشف وزير الأمن الداخلي إسحاق أهارونفيتش النقاب عن حملة أمنية سرية وعلنية تستهدف النشطاء الفلسطينيين الذين يتصدون لليهود عند اقتحامهم للمسجد الأقصى، وقد أخذت هذه الحملة أشكالًا مختلفة، فعلى الصعيد السري يقوم جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي "الشاباك" بحملة اعتقالات واسعة النطاق ضد الفلسطينيين في القدس وتحديدًا في البلدة القديمة الذين يشاركون في التصدي لقطعان المستوطنين عندما يقومون "بتدنيس" الأقصى.

وتهدف حملات المداهمة الليلية شبه اليومية التي تتم في القدس إلى ممارسة ضغوط كبيرة على ذوي الشبان الفلسطينيين لمنعهم من المشاركة في التصدي للمستوطنين، علاوة على أن أجهزة الأمن الإسرائيلي تسعى إلى ردع بقية الشباب الفلسطيني- وتحديدًا المقدسيين- من الانضمام إلى مقاومة المغتصبين الصهاينة، وفي نفس الوقت يتم التصدي لفلسطينيي 48 الذين يفدون للدفاع عن المسجد الأقصى من خلال قمع قادة الحركة الإسلامية داخل فلسطين المحتلة، والذين يقودون مواجهات التصدي ضد قطعان المستوطنين وعناصر الأمن الصهيوني الذين يتولون حمايتهم، من هنا فقد سارعت المؤسسة الإسرائيلية إلى إصدار قرارين يحظر بموجبهما على كل من الشيخ رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية ونائبه الشيخ جمال الخطيب دخول القدس، وفي ذات الوقت تستخدم إسرائيل قدرًا هائلًا من القمع ضد الشبان الذين ينجحون في التسلل للمسجد الأقصى، مع العلم أن السلطات الصهيونية تحظر على كل من هو دون الخمسين من العمر دخول "الأقصى".

2- محاولة جلب أكبر عدد من اليهود للمشاركة في اقتحام "الأقصى"، وجعل عمليات الاقتحام تتم في أوقات متقاربة، وقد كان من اللافت مؤخرًا كثرة المؤتمرات التي تعقدها الجماعات اليهودية المتطرفة لبحث سبل تهويد "الأقصى"، وعرض الجدل الذي يتم داخل هذه المؤتمرات على وسائل الإعلام من أجل تجنيد أكبر قدر من الدعم الشعبي لتهويد "الأقصى".

وكما أوضحت وسائل الإعلام الإسرائيلية فإن منظمات يهودية أمريكية تدفع مبالغ طائلة في إدارة حملات إعلامية تهدف إلى إقناع أكبر عدد من اليهود للمشاركة في عمليات الاقتحام المتكررة للأقصى.

3- هناك سعي واضح لتغيير الوضع القائم في "الأقصى" والذي كان سائدًا منذ العام 1967 من خلال ممارسة الضغوط على الحاخامية الكبرى في إسرائيل لتغيير الفتوى التي أصدرتها بُعيد احتلال القدس خلال حرب الأيام الستة والتي حظرت بموجبها على اليهود الصلاة في المسجد الأقصى، وقد جاء هذا الحظر لدواعٍ "فقهية"، حيث جاء في الفتوى: "نظرًا لأن المسجد "الأقصى" مقامٌ فوق الهيكل فإنه من المؤكد أن هناك الكثير من أشلاء الأنبياء والصديقين أسفله، من هنا يحظر الصلاة في المكان إلا بعد إعادة بناء الهيكل الثالث والتعرف على أماكن دفن الأنبياء الصديقين".

بكلمات أخرى فإن الحاخامية الكبرى في إسرائيل لم تحظر صلاة اليهود في "الأقصى" لأنها تشكّ في حق اليهود في السيطرة على المكان، بل لأنها ترى أنه لا يجوز الصلاة في المكان من ناحية فقهية وأن السماح بصلاة اليهود في "الأقصى" يجب أن تتبع سيطرتهم عليه، لكن خلال الأعوام الماضية حدث تطور لافت؛ إذ إن عددًا من كبار الحاخامات أخذوا يصدرون فتاوى تنسف الفتوى التي أصدرتها الحاخامية العسكرية، وتجيز الصلاة لليهود في المسجد؛ وكانت نقطة التحول الفارقة في هذا المجال انضمام الحاخام مردخاي إيلياهو-الحاخام الأكبر الأسبق لإسرائيل- للحاخامات الذين يفتون بجواز الصلاة في "الأقصى".

4- يطرح الساسة والنخب الفكرية اليهودية اقتراحاتٍ علنيةً لطرد الفلسطينيين من المسجد الأقصى تمهيدًا لبناء الهيكل وتهويد المكان بشكل نهائي؛ فقد سبق لوزير الخارجية الصهيوني الحالي أفيغدور ليبرمان أن طرح فكرة فرض السيادة اليهودية على المسجد خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، في حين دعا زعيم منظمة "أمناء جبل الهيكل" إلى تفكيك "قبة الصخرة" المشرفة ونقلها إلى مكة، على اعتبار أن اليهود يعتقدون أن الهيكل يقع تحديدًا أسفل الصخرة.

مما لا شك فيه أن التحركات الصهيونية بشأن المسجد الأقصى تهدف في المرحلة الأولى إلى تقسيمه بين المسلمين واليهود، تمهيدًا لتهويدِه بالكامل، وللأسف فإن هذا التغول الصهيوني يأتي في ظلِّ حالة التشرذم والتشظي غير المسبوقة التي تشهدها الساحة الفلسطينية، وكذا في ظل اللامبالاة العربية والإسلامية.

صالح النعامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى