تقارير أمنية

ظاهرة العملاء بستة أسئلة مطروحة

المجد-

جندت دولة الكيان شبكة من العملاء (الطابور الخامس) منذ احتلالها للقطاع والضفة الغربية عام 1967 بهدف رفد أجهزتها الأمنية بالمعلومات الاستخبارية اللازمة لها, ولم تتوقف عن تجنيد المزيد بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة اتفاقية أوسلو للسلام.

وقد نشطت أجهزة المخابرات الصهيونية في انتفاضة الأقصى الحالية وجددت اتصالاتها مع عملائها, وكانت الاغتيالات الصهيونية لعدد كبير من نشطاء الانتفاضة .

ونتيجة ذلك كان إجماع عام من قيادات أمنية وسياسية ومن كافة مؤسسات المجتمع المدني والقوى الوطنية الإسلامية الفلسطينية بضرورة التصدي بحزم لظاهرة العملاء ورفع مستوى الاهتمام بها إلى مستوى ودرجة الخطورة الناتجة عنها ولتشخيص هذه الظاهرة الهامة في المجتمع الفلسطيني يجدر بنا الإجابة عن عدد من التساؤلات أهمها: من هو العميل؟ ما هي دوافعه نحو العمالة؟ هل يشعر العميل بالأمن والراحة النفسية؟ من المسئول عن تلك الظاهرة؟ وما الأخطار التي تنعكس على مجتمعنا؟ ثم ما السبيل للمواجهة؟

تعريف العميل

إن العميل في التعريف الصهيوني هو الفلسطيني المسجل رسمياً بأن له ارتباطاً استخبارياً مع أحد أفرع الأمن الصهيوني وهي جهاز الأمن العام, الشرطة الصهيونية, جيش الدفاع الصهيوني أو الإدارة المدنية.

 إن تعريف العميل هو "الفلسطيني الذي لديه اتصال مع أحد أفرع الأمن الصهيوني سواء مباشراً أو غير مباشر ويعمل بشكل سري بنقل إفادات عن شخصيات أو مواقع أو أحداث أو أي معلومات أخرى أو يؤدي خدمات أو أية أنشطة أو أفعال من خلالهم ويشمل ذلك جميع الأفراد الذين كان لهم هذا الاتصال سواء قبل قدوم السلطة أو بعده ولم يسلموا أنفسهم للسلطة بعد دعوتها لهم بتسليم أنفسهم لها وإعلان توبتهم حتى ولو أنهم توقفوا عن ذلك الاتصال".

عوامل الإسقاط

وإذا سألنا عن سيكولوجية العميل, وعن العوامل التي تجعل من المواطن العادي عميلاً وقاتلاً ومشيعاً للفساد في مجتمعه, يمكن القول بموضوعية وإنصاف بأن العلماء لم يكونوا متطوعين لإيذاء أبناء شعبهم ليقعوا ضحايا في أيدي الاحتلال وتبدأ رحلة العذاب. فلا يدع المخططون الصهاينة – في مختلف التخصصات – جانباً من جوانب الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية إلا وسلكوه للنيل من الهدف (العميل) واصطياده في شباكهم.

ولكن.. لا نفهم من ذلك وضع المبررات لهذه الفئة لوقوعها في وحل هذه الرذيلة, فقد تبين أن أغلب العملاء هم من الشخصيات ضعاف النفوس غير المحصنة بالقيم والأخلاق, وهم من الأفراد ذوي السوابق في الانحراف والمنحلة أخلاقياً وسلوكياً (شخصية سيكوباتية), وتمتاز بالاضطراب وضعف الثقة بالنفس والآخرين, بمعنى وجود خلل في البناء النفسي أفقدهم القدرة على التحدي والصمود والانهزام أمام الابتزازات والإغراءات, وهي جوانب تتعلق ببناء الشخصية وخصوصاً في جانبها المعرفي القيمي كأحد أهم عوامل المقاومة والصلابة النفسية الذاتية.

تطور المهمة

وهذا يقودنا إلى الحديث عن العمل تجاه تلك الظاهرة والجهات المسئولة عن ذلك, فقد تبين بما لا يدع مجالاً للشك خطورتها على الأفراد وعلى المجتمع بأسره فقد جرت الويلات والنكبات على مجتمعنا والنيل من كوادره وقياداته ولا سيما أن مهمة العملاء تطورت من غرف العملاء (غرف العصافير) في السجون ومهمتها في سحب الاعتراف من الأسرى إلى إحباط العمليات التي تخطط لها حركات المقاومة الفلسطينية وصولاً إلى المشاركة في تصفية النشطاء والقادة, وقد ثبت إسهام العملاء في إنجاح تلك العمليات والنيل من النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتماسكه.

عملاء مزدوجين

يمكننا استغلال العملاء الذين تابوا بعد  إعادة تأهيلهم ولمن أبدى استعداداً لذلك, بل ويمكن الاستفادة منهم كعملاء مزدوجين, وقد حدث ذلك مع بعض العملاء حيث قاموا بعمليات ناجحة ضد الاحتلال فقد نصبوا كمائن للمسئولين عنهم في جهاز الشاباك من منطلق الشعور بالذنب ومحاولة التكفير عن الذنوب في حق أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم وهذا ما دعا المؤسسة العسكرية الصهيونية من الخوف من ظاهرة صحو الضمير وظاهرة انقلاب العملاء ضدها.

المال والجنس

وقد تبين على لسان عدد من العملاء بأن الجنس والمال من أخطر الأسلحة التي تستخدمها المخابرات الصهيونية لإسقاط الشباب وهم من الفئة العمرية ما بين (15 – 30) سنة, كما تستغل المخابرات الصهيونية حاجة المواطن الفلسطيني إلى تصاريح العمل أو تصاريح السفر إما للعلاج أو الدراسة أو حتى التجارة, وقد ساعدها على ذلك سيطرتها على المعابر والحدود وكذلك طلبات جمع الشمل.

ويشير "مناحيم لانداو" الذي شغل منصب مدير القسم العربي في المخابرات الصهيونية – الشاباك – إلى أهمية العملاء في إمداد الأجهزة الأمنية بالمعلومات الاستخبارية والتي تعتبر مطلباً أساسياً يسبق القيام بأي عملية عسكرية, إذ أن المعلومات الاستخبارية, من العملاء على الأرض لا تمكن فقط الجيش الصهيوني من تحديد الجهات التي تستحق العمل العسكري ضدها بل تساهم أيضاً في تحديد الظروف الأفضل لإنجاح هذه العمليات, ويؤكد "لانداو" إلى أن العملاء يظلون المصدر الأهم والأوثق في جمع المعلومات التي يسهل تحليلها وتفسيرها بأقل درجة من الخطأ على الرغم من التطور الكبير في مجال التقنيات الإلكترونية, كما يشير إلى أن تجنيد العملاء يساهم أيضاً في المس بمعنويات القوى الفلسطينية والشارع الفلسطيني بشكل عام.

كما ويصرح مسئولون في المخابرات الصهيونية إلى أنه بدون العملاء لا يمكنهم إنجاز شيء في حربهم ضد ما أسموه الإرهاب وأن مساهمة هؤلاء وخدماتهم لا يمكن الاستغناء عنها, ولا تتم عملية اغتيال إلا من خلال خدمات لوجستية على الأرض.

عوامل الظاهرة

لا بد من الإشارة إلى عدة عوامل لها دور كبير في هذه الظاهرة أهمها:

1. الوعي الأمني بأساليب المخابرات الصهيونية في الإيقاع بالهدف وكيفية التعامل معها, وهذا الوعي هو من مسؤولية كل فلسطيني مخلص غيور على وطنه بدءاً بالآباء ودورهم تجاه أبنائهم ومتابعتهم وتربيتهم التربية الإسلامية القويمة, وكذلك مؤسسات التعليم وغرس الوعي في نفوس طلابنا وتحصينهم بالقيم الأصيلة المستمدة من ديننا وثقافتنا وتراثنا العريق, ولا نغفل دور مفوضية التوجيه السياسي والوطني وضرورة تفعيل دورها في هذا المجال من خلال ندوات ولقاءات عبر مناهج التربية الوطنية وحملات التوعية العامة.

ويجب الاستشهاد بوقائع حية لعملاء لم يعيشوا حالة الأمن والاستقرار بل تعرضوا للإهانة والتحقير ممن قدموا لهم العون كما جاء على لسان "جفعاتي" مستشار وزير الأمن الداخلي الصهيوني لشؤون الاستيطان بعدم إحساس دولة الكيان بالذنب لدى قتل عملاء, وأنه لو كان فلسطينياً لكرههم حتى الموت وطرد أحد الضباط لعميل كان يعمل معه بقوله "الى الجحيم العربي القذر". كما يجب عدم إهمال دور الإعلام المرئي والمسموع ودوره الكبير في التوعية لكشف أساليب المخابرات في الإسقاط وكيفية التعامل مع هذه الأمور قبل حدوثها والجهة التي يجب أن يلجأ لها. ويتحمل العلماء والخطباء مسؤولية حمل أمانة التوعية بالرهيب والترغيب. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء..".

2. الابتعاد عن الشبهات وما يقرب من الوقوع في براثن العمالة ووحل الخيانة كالانحرافات السلوكية والإدمان على المسكرات والمخدرات, ويلعب رفاق السوء دوراً خطيراً في ذلك.

3. استخدام مؤسسات التربية والقائمين على بناء الإنسان أساليب التربية الصحيحة لبناء الشخصية المسلمة المحصنة والقادرة على ردع ومواجهة جميع الابتزازات والإغراءات وسبل الانحراف.

 

التنظيمات

ولا بد من الإشارة إلى التنظيمات ودورها في هذا المجال, فجهاز الأمن الخاص بكل فصيل يجب أن يكون أكثر قوة وتماسكاً في مواجهة أي اختراقات وخصوصاً أن أجهزة الأمن الصهيونية تسعى جاهداً أن تجعل لها عملاء داخل التنظيمات المختلفة والناشطة على ساحة المقاومة وكذلك داخل أجهزة السلطة ومؤسساتها. كما وندعو الفصائل المقاومة لإتباع التنظيم الأفقي لعناصر المقاومة التابعة لها, وليس التنظيم الرأسي فهو الأنسب في حربنا "حرب العصابات" وأخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة لتلافي المخاطر قدر الإمكان.

مقالات ذات صلة