في العمق

ما هو لغز سفينة الأسلحة التي صارت سلاحاً ضد إيران؟

 

سعت إسرائيل أمس إلى التغطية على النقاش الدولي حول تقرير غولدستون عن جرائم الحرب التي اقترفتها في قطاع غزة، بتنفيذ عملية قرصنة علنية في المياه الدولية للبحر المتوسط تحت سمع وبصر، وربما مشاركة، البحرية الأميركية وأساطيل حلف شمال الأطلسي، وتباهت بتحويل استيلاء قراصنتها قبالة قبرص على ما قالت إنه سفينة أسلحة إيرانية موجهة الى حزب الله، الى نصر عسكري وسياسي على إيران وسوريا، وأطلقت حملة دبلوماسية وإعلامية واسعة على طهران ودمشق عكست الى حد بعيد المخاوف الاسرائيلية من التوافق الغربي مع إيران ، لا سيما حول ملفها النووي.

وخلفت عملية القرصنة الانطباع بأن مياه المتوسط اصبحت شديدة الخطورة على الملاحة البحرية، التي تخضع فقط لأحكام القوة الإسرائيلية، ولا تنتظم وفق القوانين الدولية، التي لا تمنع إيران من تصدير السلاح ولا تمنع سوريا من استيراده، هذا إذا صدقت الروايات والصور الاسرائيلية عن حمولة السفينة التي خطفت إلى ميناء أسدود الاسرائيلي، بعدما كانت تجوب شرقي المتوسط الذي يشهد هذه الايام واحدة من أضخم المناورات البحرية والصاروخية الأميركية الإسرائيلية التي تشارك فيها عشرات القطع الحربية من الأسطول السادس الاميركي فضلا عن سلاح البحرية الاسرائيلي.

ووسط الاحتفالات بنجاح عملية القرصنة، لم تخف إسرائيل رغبتها الشديدة في استخدام السيطرة على السفينة الايرانية كرافعة في الضغط على الأسرة الدولية في موضوعي تقرير غولدستون والمشروع النووي الإيراني. وقد سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى الاتصال بزعماء الدول الأوروبية والعديد من الدول المؤثرة في العالم لإبلاغهم بالسيطرة على السفينة ومحتوياتها. وقال نتنياهو إن «من لا يزال بحاجة لإثبات قاطع بأن إيران تواصل إرسال الأسلحة إلى المنظمات الإرهابية، حصل على هذا الاثبات اليوم بشكل واضح وقاطع». وشدد نتنياهو على أن «إيران ترسل هذا السلاح إلى منظمات الإرهاب من أجل ضرب إسرائيل وقتل مواطنيها. وقد حان الوقت لأن تمارس الأسرة الدولية ضغطا جوهريا على إيران للكف عن هذه النشاطات الإجرامية، وأن توفر الدعم لإسرائيل حينما تدافع عن نفسها في وجه الإرهابيين ورعاتهم».

وأعلن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز أن «الجيش الإسرائيلي ضبط بنجاح سفينة خرجت على ما يبدو من إيران متجهة إلى سوريا وحزب الله. صحيح أن كل الجهات الضالعة بالأمر تنفي، لكن العالم بأسره يعرف الفجوة الكبيرة بين ما تقوله سوريا وإيران وما تفعلانه». واتهم إيران وسوريا بأنهما تعملان ضد القانون الدولي «ومن أجل تقويض السلام في الشرق الأوسط».

وتنوي وزارة الخارجية الإسرائيلية استخدام السفينة «فرانكوب» وسيلة لتجسيد طريقة وصول الأسلحة من إيران إلى كل من حزب الله وحماس ونيل المشروعية في محاربة أعدائها في الجنوب والشمال. وتستخدم إسرائيل في حملتها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1737 الذي يحظر على إيران تصدير أنواع معينة من الأسلحة والمقذوفات وتصر على أن إيران محظور عليها تماما تصدير الأسلحة وبالتالي هي تنتهك قرار مجلس الأمن. كما تشدد على أن الأسلحة موجهة لحزب الله في لبنان لا لأي جهة أخرى مما يعني أنها أيضا تشكل انتهاكا للقرار 1701.

وكان المتحدثون باسم الجيش الإسرائيلي قد أعلنوا أن السفينة المسماة «فرانكوب»، والتي تحمل علم أنتيغوا حملت على ظهرها مئات الأطنان من الأسلحة وبينها أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ وقذيفة. وفي وقت لاحق جرى تدقيق هذه المعطيات، حيث قيل إنه تم ضبط 300 حاوية على ظهر السفينة وإن تفتيش حوالى نصفها أظهر وجود 36 حاوية فقط تحوي أسلحة.

وأشارت الأنباء الإسرائيلية إلى أن الأسلحة التي ضبطت في الحاويات هي من أنواع مختلفة بعضها صواريخ ومقذوفات وقذائف وكذلك أسلحة خفيفة. ورغم ذلك، تجنب المتحدثون الإسرائيليون القول بأن هذه الشحنة تحوي أسلحة «مخلة بالتوازن»، ويقصدون بها أنواع جديدة من الصواريخ المضادة للدبابات أو الطائرات. وقال معلقون إن كل الأنواع التي ضبطت موجود مثلها في ترسانة «حزب الله» كما تبدت في حرب تموز 2006.

وتباينت المعطيات الإسرائيلية في العديد من الجوانب بحيث بدا ما أعلنه نائب قائد سلاح البحرية في مؤتمر صحافي وكأنه الرواية التي تغطي بها إسرائيل كل اتهام لها بالقرصنة. فقد أشار إلى أن القوات الإسرائيلية لم تستخدم القوة ولم تقتحم السفينة بل صعدت إليها بعد موافقة ربانها البولندي الأصل. واقتيدت السفينة إلى ميناء أسدود بعد التفتيش الأولي الذي قال إنه نجم عن شكوك راودت سلاح البحرية الإسرائيلية تجاهها عندما كانت في المياه الدولية بعمق 160 كيلومترا غربي السواحل الإسرائيلية في طريقها إلى ميناء ليماسول القبرصي. وأوضح أن السفينة حملت شحنتها هذه من ميناء دمياط المصري.

ولكن المعلقين الإسرائيليين يشددون على أن إسرائيل تراقب الشحنة قبل وصولها ميناء دمياط المصري. وأن الهدف من الكشف عن السفينة هو إطلاق رسالة للعالم في اتجاه سياسي وإعلامي من جهة وتوجيه رسالة للإيرانيين بأن هذا المسار البحري لتهريب الأسلحة قد بات مكشوفا. وعرض العديد من المعلقين الإسرائيليين للطريقة التي قالوا إن إيران تستخدمها لخديعة سلاح البحرية الإسرائيلية وهي إيصال السلاح إلى سوريا عبر سفن تنزل شحنتها في موانئ وسيطة قبل أن تصل إلى غايتها الرئيسية.

وفي كل الأحوال عرضت إسرائيل السيطرة على السفينة وكأنها من ناحية عمل بطولي لمحاربيها في عرض البحر، ومن ناحية ثانية عرضت الأمر كأنه مجرد «تطبيق للقانون» في عرض البحر. وكتب المعلق الأمني في «هآرتس» يوسي ميلمان أن «أهمية ضبط سفينة السلاح لا تتمثل في كمية أو نوعية السلاح عليها بل في حقيقة أن سلاح البحرية الإسرائيلي، الذي يرى منذ سنوات في البحر المتوسط «بحرنا» زاد نشاطاته ضد السفن الإيرانية أو الشحنات التي تخرج من هناك». واعتبر أن هذه العملية ترتبط بعمليات سابقة تجعل منها جميعا نوعا من الحرب المستترة التي تتحول أحيانا إلى حرب علنية ضد إيران التي لا توقف مساعيها لدعم حزب الله وحماس.

وأضاف أن الضغوط الدولية على إيران دفعت طهران إلى أسلوب التمويه في إرسال السلاح في شحنة مدنية أولا إلى ميناء مصري وبعد ذلك محاولة نقل هذه الشحنة في سفينة أخرى إلى ميناء سوري. وتساءل ميلمان عن السبب الذي يدفع الإيرانيين إلى إرسال شحنة سلاح من هذا النوع في حين أن لدى حزب الله مخزونا كبيرا منها. وقال إن هذا يثير الحيرة. ومع ذلك قال إن الإيرانيين ربما يجربون كل السبل لتهريب الأسلحة وليس فقط الاعتماد على سبيل النقل الجوي.

وأشار المراسل العسكري لموقع «يديعوت» الألكتروني إلى أن السفينة «فرانكوب» لم تخرج من ميناء دمياط المصري سوى ظهر يوم الثلاثاء مما يعني اعتراضها بعد ساعات قليلة من إبحارها. وقال كان من المقرر أن تصل السفينة إلى ميناء ليماسول لتتجه بعد ذلك إلى ميناء اللاذقية.

وتطرح سيطرة القوات الإسرائيلية على سفينة «فرانكوب» أسئلة كثيرة تتعلق بسكوت الدول الأوروبية التي تدعي تشغيل الأساطيل لحماية المسارات البحرية. ويبدو أن إسرائيل تمنح نفسها حقوق تفتيش في المياه الدولية لا تجرؤ حتى الولايات المتحدة عليها. ومعلوم مثلا أن سفنا حربية أميركية كانت قد أمرت سفينة تحمل العلم القبرصي بالتوجه إلى ميناء قبرصي للخضوع للتفتيش وفق القرار 1701. ومن المؤكد أن إسرائيل تسجل هنا سابقة تكمن أهميتها في صمت «حراس القانون الدولي» في البحر المتوسط, وربما في مشاركتهم.

وفي طهران، قال وزير الخارجية السورية وليد المعلم في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني منوشهر متكي، إن «هذا الخبر عار عن الصحة، وإن بعض القراصنة يتدخلون بذريعة التفتيش ويحولون دون عبور السفن التجارية». وأضاف إن «هذه السفينة كانت تحمل بضائع من سوريا إلى إيران ولم تحمل السلاح أو معدات لإنتاج الأسلحة»، وهو ما أكد عليه متكي.

حلمي موسى

المصدر: السفير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى