في العمق

هل دخلت المنطقة عصر الهيمنة البحرية الصهيونية؟!

المجد-

قَامَت القوات الصهيونية فجر الرابع من نوفمبر 2009 بالانقضاض على الباخرة Frankop المسجلة في أنتيجوا على بعد 100 ميل بحري من شاطئ (إسرائيل)، قرب جزيرة قبرص، وقد توفرت للصهاينة معلومات عن هذه السفينة من مصادر متعددة، أهمها المخابرات الأمريكية، واشترك في الانقضاض الطيران الحربي والبحرية العسكرية الصاروخية الصهيونية.

وقد استسلم قائد الباخرة البولندي دون مقاومة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، وقد تسربت المعلومات الخاصة بالسفينة والشحنة عن مصادر "إسرائيلية"، وسارعت سوريا وحزب الله بنفي أي علاقة لهما بالسفينة وشحنتها، كما أعلن الصهاينة أن السفينة أبحرت من ميناء بندر عباس الإيراني، وأطلعت "إسرائيل" الدبلوماسيين المعتمدين لديها على محتويات الحمولة على السفينة بعد أن قطرتها إلى ميدان حيفا .

هذه الحادثة تحتاج إلى تأمل عميق في عدد كبير من الجوانب:

الجانب الأول:

هو أن هذه السفينة مسجَّلة في "أنتيجوا" وترفع علمها، وأنها تحمل أسلحة، وانطلقت من ميناء إيراني، وتشير أوراق السفينة إلى أن وجهتها هو ميناء اللاذقية السوري، كما أن السفينة مرَّت من الخليج العربي إلى بحر العرب إلى خليج عدن، ثم سارت في البحر الأحمر وعبرت قناة السويس إلى بورسعيد، وكان يجب أن تواصل رحلتها من بورسعيد إلى ميناء اللاذقية وفق الخطوط البحرية في البحر المتوسط، ولكن السفينة -لأمر ما- اتجهت صوب قبرص، وقد يبرَّر ذلك بأن السفن التي تحمل أسلحة لها خطُّ سير يختلف عن السفن التجارية، أو أن السفينة تحسَّبت لأي عمل صهيوني فابتعدت تمامًا عن الشواطئ حتى تدخل مباشرة من المياه الدولية إلى الميناء السوري، كل هذه المعلومات تدلُّ على أن السفينة وحمولتها وخط سيرها يتطابق مع الأصول المرعية في القانون الدولي، فمن المألوف أن يتمَّ التعامل بين الدول في جميع السلع، بما في ذلك الأسلحة.

الجانب الثاني:

هو أن السعي لجمع معلومات عن كل السفن التي تحمل أسلحة بين إيران وسوريا أو لبنان تمهيدًا لاعتراضها يمكن فهمه في سياق واحد؛ وهو أن هناك صراعًا يتخذ أحيانًا الشكل العسكري بين "إسرائيل" والمقاومة اللبنانية، وأن هذا الصراع سببه الأساسي العدوان "الإسرائيلي" المستمرّ والاحتلال الدائم للأراضي العربية، ولذلك فإن تسلح "إسرائيل" يجب أن يراقَب هو الآخر من جانب المنطقة العربية بأسرها، ورغم أن التسلح "الإسرائيلي" لا يخالف القانون الدولي بذاته إلا أنه ينتهي بعدوان وجرائم في نظر القانون الدولي، فالصراع بين العرب و"إسرائيل" في الحصول على السلاح هو صراع سياسي وليس صراعًا قانونيًّا.

الجانب الثالث:

هو أن "إسرائيل" والولايات المتحدة قد وقَّعتا على اتفاق للتحالف الاستراتيجي لمنع السلاح، خاصة الوارد من إيران عبر كل البحار إلى المقاومة في غزة أو في لبنان، وسمح هذا الاتفاق لإسرائيل والولايات المتحدة بصلاحيات في الشواطئ والبحار وعلى السفن الأجنبية بما يتناقض تمامًا مع أحكام القانون الدولي، ولذلك فإن أي عمل إسرائيلي أو أمريكي لمنع تسليح المقاومة يتصادم مع الحقّ في المقاومة وحق المقاومة في الحصول على الأسلحة ما دام سبب المقاومة مستمرًّا، وهو الاحتلال والغصب وإعلان إسرائيل صراحةً أنها لن تنسحب، بل ستكمل تهويد الأراضي العربية، وهذا الإعلان في ذاته يتناقض مع القانون الدولي.

الجانب الرابع:

أن "إسرائيل" قامت بالاستيلاء على السفينة الأجنبية في البحار العالية؛ مما يعد عملًا واضحًا من أعمال القرصنة تطبيقًا للمادة 15 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

يترتب من الناحية القانونية على هذه المخالفة البحث فيمن له الحق في رفع الدعوى استنادًا إلى هذه المادة وإلى قرارات مجلس الأمن الخاصة بالقرصنة في البحر الأحمر، وذلك أمام محكمة قانون البحار، كما يمكن عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن لهذا الغرض، ولكن يبدو أن الأطراف صاحبة المصلحة في هذه القضية مسكونة بالخوف من القوى "الإسرائيلية"، والتي بدأت تفرض هيمنتها على البحر الأحمر والبحر المتوسط ولا تعترف بأحكام القانون الدولي.

الجانب الخامس:

 من الواضح أن حمولة الأسلحة مرسلةٌ من الحكومة الإيرانية إلى سوريا، وهذا أمر لا يخالف أي قاعدة قانونية، ولكن يبدو أن المناخ السياسي العام ضد إيران في العالم العربي وفي مجلس الأمن -وبسبب الملف النووي- هو الذي دفع إيران وسوريا إلى عدم مواجهة هذا الموقف بشكل واضح، خاصة أنه تردَّد أن سفنًا إيرانية كانت تحمل أسلحة في بور سودان وقامت "إسرائيل" بإغراقها.

الجانب السادس:

أن مقولة "إسرائيل" التي فرضتها على المنطقة وعلى لبنان وسوريا وإيران بأن القرار 1701 بشأن لبنان يحظر حصول حزب الله على السلاح؛ ولذلك فإن تبرير "إسرائيل" لعمل القرصنة يقوم على أساس سياسي، وهو التدليل على فساد "تقرير جولدستون" وتصديق تصدي إسرائيل للإرهاب وعدم إدانتها، كما يقوم على أساس قانوني، وهو افتراض أن هذه الحمولة ستسلِّم إلى حزب الله بالمخالفة إلى القرار المذكور، وهو مجرد افتراض حتى لو صحَّ فإنه لا يعطي إسرائيل الحق في تنفيذ قرارات مجلس الأمن بنفسها.

وخارج إطار الجوانب القانونية فإن هذا العمل يعلن هيمنة الصهاينة رسميًّا على المنطقة بحريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، فهل تسلّم المنطقة بهذه الهيمنة؟!

د. عبد الله الأشعل

مقالات ذات صلة