في العمق

ما هي خلفية التهويل الصهيوني بالحرب ؟


المجد-

تصاعدت نبرة مسؤولي الكيان الصهيوني بالتهديد بالحرب في الاسابيع الاخيرة ، حتى ظن البعض بان اندلاعها  اصبح قاب قوسين او ادنى ،فاين الجدية و الواقعية في الامر و هل ان اسرائيل فعلاً اصبحت جاهزة للدخول بالحرب التي تريدها و تهدد بها ؟ في الاصل لا يمكن ان نسقط من الحساب قاعدة رئيسية ارستها اسرائيل منذ اغتصابها لفلسطين و هي ان "في القوة و القتل حياة لاسرائيل" و  لذا فان هذا الكيان قائم  في حالة حرب دائمة اما اعداداً او تنفيذا ، بمعنى انه يبدأ بالاعداد للحرب القادمة في اللحظة التي تتوقف فيها النار في الحرب القائمة ، و بهذا تكون اسرائيل و منذ توقف الاعمال الحربية في  اب 2006 ، قد بدأت تعد للحرب اللاحقة ضد لبنان لتعويض هزيمتها في تلك الحرب و لتحقيق ما فاتها تحقيقه فيها ، و هي تعد لهذه الحرب المستقبلية بشكل غير مسبوق في كل ما قامت به انفاً ، اعداداً وصل بها الى تنفيذ المناورات المشتركة مع اميركا بما يتجاوز عملية التآلف العسكري و التدريب المنسق بين الطرفين ليصل الى مستوى بناء المنظومة القتالية المتكاملة و التي تقدم لاسرائيل منافع عسكرية بالغة الاهمية (كما يعول عليه المعنيون ) في مجال الانذار المبكر و الدفاع الصاروخي .

و كانت قد استبقت هذه المناورات بمناورة الكيان التي تمحورت على حماية الجبهة الداخلية التي انكشفت في حرب 2006 ، و أظهرت الخاصرة البالغة الوهن في البنية  الصهيونية ، و لكن و كما استنتجنا من الاصداء و التقارير التي كتبت بعدتلك المناورة  ،فانها لم تحقق اسرائيل طموحها منها و خرج من يقول من المسؤولين الصهاينة بان "الجبهة الداخلية بحاجة لاعداد قد يصل الى 3 سنوات حتى تستطيع ان توجه حرباً كحرب لبنان الثانية ". اما المناورة الاميركية –الصهونية فقد تميزت بالضخامةو التعقيد و التقنية العالية ، و كانت الغاية الرئيسية منها  اقامة المظلة الفولاذية الناجعة في منع صواريخ العدو (من ايران الى سوريا و لبنان و فلسطين ) من اصابة اهدافها في الكيان المحتل ، فاذا كان نجاح في الامر فان ثغرة الجبهة الداخلية و وهنها تغلق ، و يد اسرائيل و اميركا في القرار بالحرب تنطلق بحرية .

 و قد استبقت المناورة و تزامنت مع حوادث ذات دلالة بالغة بدأت بصواريخ اطلقت من لبنان فردت عليها اسرائيل بقذائف مدفعية على موقع اطلاق النار ، ثم كان تكرار للعملية من منطقة ضبطت فيها اجهزة تجسس اسرائيلية في وادي حولة ، و كان مؤخراً الفيلم الاسرائيلي بموضوع باخرة "فرانكوب".

 

و تفسيرا لهذه الاحداث نرى ، ان عمليتي الاطلاق الصاروخي من لبنان كانت خدمة لمصلحة عسكرية اسرائيلية متمثلة في حاجة العدو لاختبار اجهزة الرصد الالكتروني و المعالجة النارية الاتوماتيكية لمصادر النيران ، هذه الاجهزة التي جهزت بها اسرائيل جبهتها الشمالية حتى تعالج عبرها و بشكل آلي فوري اي مصدر للنار ينطلق من لبنان و بمهلة لا تتجاوز ال 5 دقائق (و هي المهلة اللازمة لرصد الاطلاق و تحديد المصدر ثم اطلاق النار عليه من غير تدخل الانسان ). اما اجهزة التجسس التي ضبط بعضها و نعتقد بوجود غيرها في اودية الجنوب فهي لرصد حركة المقاتلين و تنقلاتهم و التنصت على اتصالاتهم ، و هذا امر هام جداً لمن يحضر لحرب ، و يبقى امر باخرة السلاح و في تفسيره اتجاهين :

  الاتجاه السياسي : و يرتبط بالبيئة العامة التي تعيشها اسرائيل بعد تقرير غولدستون و التظاهر بالضغط الغربي عليها من باب تعنتها في عدم تقييد الاستيطان ، اضافة الى التراجع الحاد في وضعها الإقليمي مع الدول التي نسجت معها علاقات لطالما عملت او حلمت بها .و يكون اخراج فيلم الباخرة و بهذا الشكل امر من شأنه تغيير وجهة الاهتمام و تسليط الضوء على تحضيرات "العدو" ضد اسرائيل و حاجة اسرائيل "الدفاعية" التي على الاخرين تفهمها . و بالتالي تكون قصة الباخرة حاجة لتحويل الانتباه عن المأزق السياسي التي تعيشه اسرائيل .

 

   الاتجاه العسكري : و فيه امور عدة : منها تقديم اسرائيل نفسها لجمهورها بانها ذات عين ساهرة تراقب تسلح حزب الله و جاهزة للتدخل لمنعه ، و منها اصطناع ذريعة تقدم للعالم بان القرار 1701 لم يمنع عملية تسليح الحزب و أنها مضطرة للعمل المنفرد من اجل ذلك ، سواء بالقرصنة و قطع الطرق او الذهاب الى حرب جديدة ، و هنا بيت القصيد اي اختلاق  ذريعة الحرب الاتية . و تعزيزاً لهذا الاتجاه علا الصوت الإسرائيلي بالحرب و التهديد بها ليشعر المعنيين بان إسرائيل عالجت نقاط ضعفها في حرب 2006 ، و باتت على استعداد لتصحيح النتائج .

 و اما التعليل الاخر الذي نراه لكل ما ذكر ، فاننا لا نستطيع في ارسائه تجاوز الظروف التي نفذت فيها تلك الأحداث او صدرت فيها تلك المواقف ، و نرى ان قضية الباخرة نفذت في الايام الثلاثة الاخيرة من المناورات البحرية الجوية الاسرائيلية الاميركية التي احكم الكتمان حولها ، كتمان غير معتاد في مناورات مماثلة ، و اذا تذكرنا بان ترميم قوة الردع هو هدف رئيسي للمناورة ، فاننا نرى ان تحقيق ذلك يجب ان يترافق مع الاعلان عن نتائجها حتى يخاف الخصم ، اما الكتمان فانه يفسر في هذه الحالة فشلاً ، و يكون السلوك الذي فيه ايحاء بالجهوز للحرب تعويض عن هذا الفشل. و في هذا السياق يأتي موقف اشكينازي الاخير الذي ركز فيه على قدرات حزب الله الصاروخية ، و ما تشكله من خطر على اسرائيل لا يستثنى منه منطقة فيها، تصريح يريد صاحبه ان يقول ، لسنا قادرين على حرب جديدة الآن لان العدو قادر على الوصول بناره الى كل نقطة لدينا ، و هو مطمئن الى ان احداً لن يرد عليه بفاعلية المظلة الواقية التي عول عليها في المناورات ، خاصة و انه استبق التصريح بموقف من قبل بعض معاونيه يقول فيه ان المظلة الواقية ستكون جاهزة في غضون سنة او سنتين  .

و بالخلاصة نرى  ، ان مناورات اميركا مع اسرائيل و رغم الرادار العملاق في النقب ، و القطع البحرية الــ 17 على شواطئ فلسطين المحتلة ، لم تقدم لاسرائيل ما تطلبه من طمأنينة في مسألة جبهتها الداخلية ، ما يبقي قرارها بالحرب المتخذ سابقاً مجمداً مع وقف التنفيذ حتى حل هذه المعضلة ، اما اختلاق الذرائع للحرب او  التهديد بها ، و التسريب الاعلامي حول زمانها القريب جداً فانه برأينا لا يعدو كونها تهويلاً لإخفاء عجزٍ لا زالت اسرائيل تتخبط به منذ تموز 2006 ، انه "عجز القوة "، و يضاف إلى التهويل قصد اسرائيلي لتحويل الانتباه عن هذا العجز و عن المآزق التي تتخبط فيها إسرائيل داخليا و مع الخارج .

بقلم /العميد أمين حطيط

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى