المكتبة الأمنية

كيف وصل الموساد للقائد الفلسطيني عاطف بسيسو؟!


 المجد-

أصدر القاضي الفرنسي جان  لويس بروغيير، منذ أيام قليلة كتاباً عن دار “روبرت لافون” الباريسية، بالتعاون مع جان ماري بونتو، بعنوان “ما لم أستطع أن أقوله” “ثلاثون سنة من مكافحة الإرهاب”، والكتاب الحوار يمتد على 493 صفحة، ويتشعب وتكثر فيه التفاصيل، وهو أمر معقول،طالما أننا أمام مسألة قضائية، وبالتالي فكل التفاصيل ضرورية ويمكن أن تلعب دوراً حاسما .ولذا يحتشد الكتاب بكم هائل من المعلومات التي يمكن أن تشتت بال القارئ، إن لم يكن يعرف الشرق الأوسط وتداعيات الصراعات الدولية والطائفية والإثنية والدينية وغيرها .بروغيير قاض منذ سنة ،1973 وهو يحقق في قضايا الإرهاب منذ أكثر من خمس وعشرين سنة . ويعتبر على المستوى العالمي، من أفضل العارفين بهذا الشأن . ليس مجرد قاض، هو نجم، ويعرف كيف يحرّك الصحافة، وقد التحق مؤخراً باليمين الفرنسي وترشح على لائحته في الانتخابات التشريعية .

اغتيال عاطف بسيسو

لفلسطين وللنضال الفلسطيني حصة كبيرة في كتاب القاضي بروغيير، وكأنما القاضي أصبح متخصصاً في المعضلة الفلسطينية وتداعياتها . وبعد استعراض قصة جورج حبش ها هو الآن مع قصة اغتيال عاطف بسيسو، يوم 28 يونيو/ حزيران ،1992 وهو مسؤول كبيرٌ من حركة فتح، التابعة لياسر عرفات، في فندق ميريديان في منطقة مونبارناس الباريسية .وقد كان في زيارة خاطفة للعاصمة الفرنسية، ليلة واحدة في باريس .

من هو عاطف بسيسو؟

يكتب بروغيير: “هو عضو مهم جدا في منظمة ياسر عرفات، وحلّ محلّ أبو إياد، رقم اثنين في الاستخبارات الفلسطينية، الذي تم اغتياله في تونس سنة 1991 وهو مكلف، رسمياً، بحماية الزعماء الفلسطينيين في الخارج . وبشكل أكثر سرية، كان مكلفاً بالاتصال مع أجهزة استخبارات أجنبية، وبشكل خاص الاستخبارات الفرنسية” .

كان بالإمكان اغتيال هذا الزعيم الفلسطيني في أمكنة أخرى خصوصا في ألمانيا، ولكن الأمر كان “رسالة موجهة إلى سلطات بلدنا . فكان علينا أن نتساءل عمن يعرف حضور هذا المسؤول الفلسطيني في فرنسا” .

كان موظفو شركة العال للطيران “الإسرائيلي” يرتادون أيضا هذا الفندق الفخم . ولكن المسؤولين عن هذا الاغتيال كشفوا عن أنفسهم، بسرعة، من بيروت . فقد أعلنت فتح، المجلس الثوري، مسؤوليتها عن اغتيال ما تسميه “الخائن عاطف بسيسو”، الذي يتعاون مع استخبارات غربية ويسلمها معلومات يمكنها شلّ العمليات “البطولية” للتنظيمات الفلسطينية .

ويبدو أن القاضي الذي كان خبيراً في فتح حقائب ضحاياه، يوافق تصريح فتح أبو نضال، فهو يقول “في حقيبة عاطف بسيسو عثرنا على وثائق تبثت أطروحة تصفيته على يد مجموعة أبو نضال . وهكذا كان بسيسو يمتلك معلومات عن فلسطيني، يدعى إبراهيم بسّام، يمتلك قائمة مخازن سلاح مخبأة من قبل تنظيم أبو نضال في أوروبا، وبشكل خاص في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وحتى في بلغاريا وهكذا فعاطف بسيسو منح الاستخبارات الفرنسية معلومات استراتيجية تخص مجموعة فتح أبو نضال” .

لكن في العاشر من يونيو/ حزيران تنفي مجموعة أبو نضال مسؤوليتها عن اغتيال عاطف بسيسو . لكن هذا التكذيب لم يؤخذ في البداية على مأخذ الجد، واعتبر تمويها من أبو نضال . “لكنه كان صحيحا” . بينما البيان الأول هو الذي كان مونتاجا بالغ الذكاء . ولكن اكتشاف الحقيقة تطلّب سنة ونصف سنة من البحث . حين اكتشفت المخابرات الألمانية والفرنسية عميلاً للموساد في قلب الجهاز الفلسطيني في تونس . وهو “عميل” تسبب في “كوارث” ويمكن أن يكون، بدرجة ما، مسئولا عن اغتيال عاطف بسيسو .

كان القاضي قد طرح سؤالا ضروريا: من كان على علم بزيارة المسؤول الفلسطيني لفرنسا؟: “من بين المتهمين عدنان ياسين، أحد الأعضاء المهمين في الممثلية الفلسطينية في تونس . وهو شخص مقرب من ياسر عرفات، ويهتم بتنقلات المسؤولين الفلسطينيين، وهو الذي يقوم بحجز بطاقات الطائرات والفنادق . وهو الذي ينظم كل الاجتماعات المهمة للقيادة الفلسطينية . كما أنه يدير نقل الأموال ويحرص على سرية تنقلات عرفات . يعرف الجميع في تونس ويمكنه أن يتصل في أي لحظة بأي زعيم فلسطيني من منظمة التحرير الفلسطينية في العالم . باختصار، هو شخص ضروري جدا ولا يمكن الشك في صدقيته . وقد اهتم بصفة شخصية بسفر بسيسو الطويل، من كوبا إلى باريس، مرورا بألمانيا . هو وحده الذي يعرف كل التفاصيل . إلا أنّ الاستخبارات الألمانية اكتشفت أن ابنه، هاني، اشترى كاراجا في فرانكفورت ويعيش في بحبوحة . وأصول الأموال مشبوهةٌ” .

في أكتوبر/ تشرين الأول من سنة 1993 أخبرت الاستخبارات الألمانية نظيرتها الفرنسية أن الشاب هاني اشترى سيارة “رينو 25” ويستعد لحملها إلى تونس . والسيارة موجهة لوالده . واستجابة لنصيحة الألمان، اكتشفت الاستخبارات الفرنسية أن السيارة مليئة بآلات التنصت والإرسال عن طريق الساتالايت، وهي أجهزة بالغة التطور والتعقيد، سلَّمها ووضعها من دون شك، الموساد “الإسرائيلي”.

على الفور أبلغت المخابرات الفرنسية نظيرتيها التونسية والفلسطينية . وهنا يصر القاضي على التذكير على أن “فرنسا ترتبط بعلاقات وثيقة مع ياسر عرفات” . وكأن القاضي يكتشف أن كرامة الفرنسيين ديست خلال هذا الاغتيال، من قبل “الإسرائيليين”: “أجهزة استخباراتنا ما كان لها أن تقبل “الطريقة السيئة” التي قامت بها الاستخبارت “الإسرائيلية” من خلال اغتيال بسيسو في باريس . وهو عمل غير مقبول وتستهجنه جماعة الاستخبارات .

تأكد ياسر عرفات من خيانة “صديقه” ياسين . سحب منه حصانته الدبلوماسية قبل أن يسمح للتونسيين باستجوابه يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1993 تم توقيف ياسين، بينما هو متوجه كالمعتاد إلى موعده مع وزير الداخلية التونسي “وحسب الاستخبارات الفرنسية فإنه انهار على الفور، واعترف بتعاونه مع الموساد منذ سنوات عديدة . وحسب اعترافاته فإن الموساد استدرجه في باريس، سنة ،1989 وكانت زوجته حينها مريضة بالسرطان وتعالج في فرنسا . وخلال هذه الزيارة الفرنسية التقى برجل أعمال مصري مؤثر جداً ومقرب من الفلسطينيين وقادر على مساعدة القضية الفلسطينية اقتصاديا . وكان هذا المصري، حسب ما يبدو، يتمنى الاستثمار في الفندقة السياحية في تونس وطلب من ياسين مساعدته على تحقيق مشاريعه . أصبح الرجلان صديقين، وقدم المصري خدمات عديدة صغيرة للفلسطيني . وتكفل بعلاج الزوجة ودفع ثمن الفندق في باريس . وبما أن ابن ياسين عاطل عن العمل في ألمانيا، فقد اقترح الصديق المصري الممتلئ عطفا، أن يعهد له بإدارة كاراج اشتراه للتو في فرانكفورت . ثم إن رجل الأعمال المصري، وهو بالضرورة عميل “إسرائيلي”، قدم لياسين، في مايو/ أيار ،1992 صديقا آخر، اسمه أبو جورج؛ هذا الأخير عبر عن رغبته في التعرّف عن قرب إلى مسؤولين فلسطينيين”، وبعد اغتيال بسيسو أدرك ياسين أن الموساد استدرجه . وعلى الفور هددته الاستخبارات “الإسرائيلية” بكشف كل شيء إذا لم يشتغل معها . “وهذا ما اعترف به للشرطة التونسية” .

في هذه الأثناء كان أبو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية، في الفترة الراهنة، منخرطا في مفاوضات مع “الإسرائيليين” . وقد طلب عدنان ياسين أن تُصنَع له في باريس كنبة خاصة بمسؤول فلسطيني يعاني من آلام في الفقرات وأيضا مصباح . وقبل حملها إلى تونس قام الموساد بوضع أجهزة تجسس بالغة التعقيد ونظام تنصت عن بعد لا يمكن اكتشافه من أي “سكانر” لمنظمة التحرير الفلسطينية . “هذا النظام يسمح ل”الإسرائيليين” أن يعرفوا مواقف فتح أثناء مفاوضات أوسلو، وأيضا مفاوضات أخرى في واشنطن ومدريد . كابوس حقيقي للاستخبارات الفلسطينية وفائدة استثنائية للمفاوضين “الإسرائيليين” .

اكتشف القاضي بروغيير، بعد عمل استخباراتي بالغ التعقيد مسؤولية “إسرائيل” في تصفية القيادي الفلسطيني، على الرغم من أن “الإسرائيليين” لا يتركون وراءهم أدلة يمكنها أن تفضحهم “وتفاجأ لأن “الإسرائيليين” أخلوا باتفاق بين الطرفين، يقتضي عدم تنفيذ عمليات على التراب الفرنسي” .

 

حاول القاضي بكل وسيلة استجواب الفلسطيني ياسين ولكن التونسيين رفضوا، كما أن الاستخبارات الفلسطينية لم تتعاون، وحتى لقاءه مع عرفات وقبول عرفات لمساعدته لم يؤت أكله . “اصطدمت بحائط من الصمت” .

لماذا هذا الرفض؟

يعزوه القاضي لعدة أسباب منها “توجد عدة فرضيات لتفسير هذا السلوك, من الممكن أن عدنان ياسين تمت تصفيته . وعلى كل حال لم يظهر له أثرٌ . ثمة فرضية أخرى، وتبدو ربما مفاجِئة، وهي وجود نوع من الميثاق، أو التزام سري، بين الفلسطينيين والموساد . كلا الطرفين ربما لا فائدة له في اتهام رسمي بدور للاستخبارات “الإسرائيلية” في هذه القضية . من أجل “الإسرائيليين” الأمر مفهوم وواضحٌ لكن بالنسبة للفلسطينيين فهم ربما لم يريدوا تجاوز هذه الخطوة – كشف اعترافات عدنان ياسين – وهو ما يمكن أن تعتبره “إسرائيل” فعلا حربيا ويجرّ انتقاما” .

نوع من عدم الرضى يعبر عنه القاضي . ربما يسبب عدم تعاون الفلسطينيين . ولكن يبدو أن الأمر مريح أيضا حتى للفرنسيين فهم لم يكونوا راغبين في فضح “إسرائيل” “من دون تصريحات  عدنان ياسين، تم توقيف تحرياتي . لم يكن لديّ ما يكفي من المعلومات من أجل إطلاق مذكرة توقيف ضده” .

ترجمة وعرض/ بشير البكر

مقالات ذات صلة