في العمق

إسرائيل وخيار الحرب مَخرجاً لفشل الدبلوماسية

المجد-

 بدأت منطقة شرق المتوسط، وكأنما هي عتبات الدخول في مرحلةٍ نوعيةٍ جديدة، تشبه المراحل السابقة ولا تشبهها، فقد أكدت معطيات الخبرة، أن فشل الدبلوماسية ظلّ يؤدي دائماً إلى الحرب، والتي عندما تنتهي، تؤدي نتائجها إلى الدبلوماسية، وتأسيساً على ذلك، فقد بدأت الدبلوماسية الإسرائيلية على وشك الفشل في جميع المسارات، فهل سيكون هذا الفشل يا تُرى إيذاناً بالانزلاق نحو الحرب كخيارٍ يتيح لتل أبيب الحصول على المزيد من النتائج النوعية الجديدة، والتي على أساسها تستطيع تل أبيب تحقيق التغيرات النوعية الدبلوماسية الجديدة؟

 التوجهات الإسرائيلية الجديدة: أبرز المعالم.

يقولون أن الحرب هي صراع الإرادات من أجل تحقق الأهداف والغايات بالوسائل العسكرية، بعد أن فشلت جهود تحقيقها بالوسائل الدبلوماسية. وتأسيساً على ذلك، تتضمن عملية الحرب الإسقاط النظري والعملي لوسائط استخدام القوة الفعلية في مسرح المواجهة وبكافة الأنواع والأشكال الممكنة.

على أساس اعتبارات معطيات الحرب، فقد سعت تل أبيب خلال الفترة الماضية لجهة القيام بالآتي:

• القدرات التسليحية: حصلت إسرائيل خلال الفترة الماضية على العديد من صنوف الأسلحة الهجومية والدفاعية، وعلى وجه الخصوص طائرات إف – 16 وإف – 18، إضافةً إلى طائرات إف – 35 الأمريكية الصنع، مع المزيد من طائرات الهليكوبتر الهجومية، إضافةً إلى كمية كبيرة من العتاد العسكري المتطور وذلك منذ الأشهر التي سبقت حرب صيف 2006م وحتى الآن.

• طبيعة الحرب: حدد الإسرائيليون الأطراف المستهدفة، على أساس اعتبارات أن شروط الحرب القادمة المتحمَلَة تتضمن الاستفادة بأقصى درجةٍ ممكنة للتفوق النوعي الإسرائيلي، مع مراعاة تحقيق الأهداف خلال أقصر فترةٍ زمنية ممكنة.

• الإعداد: قامت القوات الإسرائيلية بالدخول في العديد من المناورات والتدريبات العسكرية – الميدانية المكثَّفَة، والتي شملت التعرف على مسارح المواجهة المحتملة – التدريب على استخدام الأسلحة المتطورة – إضافةً إلى عملية إجلاء المدنيين وحمايتهم من خطر الأسلحة الهجومية الفتّاكة.

• إدراك الخصم: شهدت مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية، وأيضاً التابعة للوبي الإسرائيلي نشاطاً مكثفاً لجهة دراسة خصوم إسرائيل في المنطقة، وبتركيزْ أكبر على سوريا، إيران، حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية.

لم تقتصر التحركات الإسرائيلية على هذه الجوانب فحسب، بل سعت تل أبيب إلى المواءمة بين المستويات الحربية الرئيسية الثلاث وهي:

– المستوى الاستراتيجي: تحديد الثوابت الاستراتيجية الممكنة في مبدأ يهودية الدولة، ومبدأ السلام مقابل السلام.

– المستوى العملياتي: تحديد جبهات المواجَهَة وعمليات إسقاط القوة العسكرية في هذه الجبهات.

– المستوى التكتيكي: تحديد كيفية التحركات، واستغلال هامش المناورة المتاح في مسارح المواجهة المحتملة.

وعلى هذه الخلفية، فإنه يتوجب علينا أن نتوقع بأن خطة الحرب الإسرائيلية سوف تكون خطةً موحدةً عامة، وإن كانت تنقسم إلى خطط فرعية، خاصةً بسوريا وإيران ولبنان والأراضي الفلسطينية.

* ماذا تقول المعلومات: أبرز المؤشرات الدولية؟

عند القيام بعملية التدقيق وفق الاعتبارات المتعلقة بتحليل مضمون التقارير والتسريبات والبحوث الواردة بواسطة مراكز الدراسات الإسرائيلية الرئيسية مثل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، ومركز أروشليم لبحوث السياسة العامة، وأيضاً بواسطة مراكز الدراسات الأمريكية التابعة للوبي الإسرائيلي نلاحظ الآتي:

• تزايد الإدراك إزاء ضرورة البحث عن مخرج نوعي جديد في منطقة الشرق الأوسط، يتيح لإسرائيل وضعاً أفضل لجهة القيام بتطبيق بنود جدول أعمال السياسة الإسرائيلية إزار المنطقة.

• تزايد التركيز باتجاه ضرورة استخدام المزيد من «عمليات القسر والإرغام الدبلوماسي» ضد سور يا وإيران.

• تزايد التركيز باتجاه ضرورة استخدام المزيد من عمليات «القسر والإرغام العسكري ضد جنوب لبنان وحزب الله والأراضي الفلسطينية – حركة حماس وحلفاءها الفلسطينيون».

هذا ونلاحظ، أن الجهد الإعلامي الذي تقوم به أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة الإسرائيلية وأيضاً الأمريكية مثل شبكة «فوكس نيوز»، تصب جميعها في الاتجاه الذي يسعى لترسيخ فكرة أن الواقع الشرق أوسطي الموجود حالياً، لا يتيح أي إمكانية حقيقية لتحقيق السلام. وبالتالي، فعلى إسرائيل السعي بالتعاون مع أمريكا لجهة القيام بتعديل الواقع الشرق أوسطي بما يجعله قابلاً لاستيعاب مفهوم السلام الإسرائيلي.

 خارطة طريق الحرب الإسرائيلية الجديدة:

تزامنت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن وباريس، وما أعقب ذلك من فشل إسرائيل، مع قيام دوائر اللوبي الإسرائيلي بالشروع في حملة تسويق سياسي – أمني – عسكري جديدة، ويركز مضمونها على المحاور التالية:

• جنوب لبنان: تم إعداد العديد من الدراسات والتحليلات والتي تُركِّز على الآتي:

– الربط بين صعود قوة حزب الله اللبناني، وتآكل كل قوة الردع الإسرائيلي، مع التأكيد على أنه لكي تزداد قوة الردع الإسرائيلي، فإنه لا بدّ من إضعاف قوة حزب الله اللبناني.

– الربط بين صعود قوة حزب الله اللبناني واحتمالات صعود قوة الحركات المسلحة الشيعية العراقية، والشيعية الخليجية، والشيعية اليمنية، بما يشكل تهديداً حقيقياًَ للمصالح الأمريكية في السعودية والخليج والعراق، وبالتالي، فإن قيام إسرائيل بالقضاء على حزب الله اللبناني، لن يترتب عليه القضاء على نفوذ حزب الله اللبناني في الساحة اللبنانية وحسب، وإنما القضاء على نموذج «كاريزمية» حزب الله اللبناني، والذي بدأ يأخذ ضابطاً عابراً للحدود باتجاه العديد من مناطق الشرق الأوسط، إضافةً إلى مناطق الشرق الأدنى مثل تركيا وأذربيجان وربما بعض دول آسيا الوسطى.

• الأراضي الفلسطينية: تم إعداد العديد من الدراسات والتحليلات والتي تركز على الآتي:

– الربط بين صعود قوة حركة حماس الفلسطينية، وتآكل الأمن الداخلي الإسرائيلي، مع التأكيد على أن استقرار إسرائيل الداخلي سوف يزداد ويتعزز، كلما تم إضعاف قوة  حركة حماس الفلسطينية وحلفائها.

– الربط بين صعود قوة حركة حماس الفلسطينية واحتمالات صعود قوة الحركات السنية الإسلامية بما يهدد المصالح الأمريكية في مصر والأردن والعراق ودول الخليج والمغرب العربي وغيرها من البلدان ذات الأغلبية الإسلامية السنية.

وما هو جدير بالملاحظة في هذه التحليلات، يتمثل في النقاط الآتية:

– تقليل التأكيد المتزايد لجهة الربط بين حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية.

– تزايد التأكيد لجهة الربط بين حزب الله اللبناني ومنظور تقويض الأمن الإقليمي، والربط بين حركة حماس الفلسطينية ومنظور تقويض الأمن الداخلي الإسرائيلي.

– تزايد استخدام المقاربة التي تسعى إلى توحيد نموذج مفهوم الخط الخارجي، بحيث أن انتشار نموذج حزب الله اللبناني في المناطق الشيعية، وانتشار نموذج حركة حماس الفلسطينية في المناطق السنّية، سوف يؤدي كلاهما لا إلى تهديد إسرائيل، وإنما إلى تهديد المصالح الحيوية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والعديد من مناطق العالم الأخرى.

وتأسيساً على ما سبق، يمكن أن نتوقع الآتي:

• تزايد احتمالات أن تقوم إسرائيل بتنفيذ عمل عسكري لجهة القيام باستعادة قوة الردع الإسرائيلي.

• المفاضلة بين خيار استهداف جنوب لبنان، وخيار استهداف الأراضي الفلسطينية هي مفاضلةٌ تقوم على أساس اعتبار المحددات التالية:

– العملية العسكرية ضد قطّاع غزّة تتطلب من تل أبيب التغلّب على تداعيات تقرير «غولدستون».

– العملية العسكرية ضد جنوب لبنان تتطلب من تل أبيب التغلّب على تداعيات وجود قوات اليونيفيل والقرارات الدولية.

هذا، ويمكن أن يتضح شكل الخيار العسكري الإسرائيلي المتوقع من خلال تتبع الإدراك السلوكي الإسرائيلي إزاء تداعيات الملفات الآتية:

• ملف تقرير غلودستون: حتى الآن نجحت تل أبيب في تأمين عدم مساندة واشنطن للتقرير، وتتجه المساعي الإسرائيلية الآن باتجاه إعاقة قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتماد التقرير إذا تم اعتراضه بواسطة «الڤيتو» داخل مجلس الأمن الدولي.

• ملف قوات اليونيفيل والقوات الدولية: برغم الجهود الإسرائيلية الحثيثة لجهة التشكيك في مصداقية قوات اليونيفيل، وعدم كفاية القرارات الدولية، فإن مخاوف تل أبيب تتمثل في إدراك أن السعي لـ "تسخين" ملفات اليونيفيل والقرارات الدولية سوف يترتب عليه فتح جبهة مواجهة جديدة داخل مجلس الأمن الدولي وأمانة الأمم المتحدة. وبالتالي، فمن الأفضل التريث ريثما تنتهي أزمة تقرير غولدستون.

وعموما، لقد سعت تل أبيب إلى الانتقال من "خارطة طريق دبلوماسية المفاوضات" باتجاه "خارطة طريق الحرب"، فشنّت القوات الإسرائيلية عدوانها ضد جنوب لبنان في تموز 2006، ثم شنّت عدوانها في نهاية عام 2008- مطلع العام 2009 الحالي ضد قطّاع غزّة. وبعد ذلك لجأت إسرائيل مرة أخرى إلى "خارطة طريق دبلوماسية المفاوضات". ولكن، وعلى خلفية الفشل الإسرائيلي في حرب جنوب لبنان، وحرب قطّاع غزّة، فقد فشلت الدبلوماسية الإسرائيلية في تحقيق ما عجزت القوات الإسرائيلية عن تحقيقه.

والآن، هل يا تُر ى من عودةٍ إسرائيليةٍ أخرى على لعبة استبدال "خارطة طريق الدبلوماسية" بـ "خارطة طريق الحرب" ؟

موقع الجمل

مقالات ذات صلة