تقارير أمنية

كيف تعمل استخبارات العدو ضد المقاومة في لبنان؟

المجد-

توقّف العمليات العسكرية على الجبهة الطويلة بين العدو الصهيوني والمقاومة في الجنوب، يبدو لكثيرين عنواناً لجمود أحاط بهذه الجبهة بعد توقّف العدوان الصهيوني في تموز 2006. لكن ما لا تراه العين ولا تسمعه الأذن هو الجبهة الأمنية المشتعلة من دون توقّف بين الجانبين، قاعدتها إدراك دولة الكيان، كما حزب الله، أن البعد الاستخباري صار العنصر الحاسم في أيّ معركة مقبلة. وهو اقتناع موجود منذ وقت طويل لدى المقاومة في لبنان، لكنه تحوّل إلى حقيقة ثابتة لدى العدو بعدما اكتشف خلال ثلاث حروب قاسية أنه يفتقد من يدلّه على العدو ليصيبه.

بعد عام 2006، صار حزب الله عدواً رئيسياً للعدو الصهيوني. وجنّدت إمكانات هائلة في مواجهته، واتخذت قرارات عاجلة لتوفير موارد مادية وبشرية هائلة للوحدات الأمنية المعنية بمهمة التجسّس على حزب الله. وهي الوحدات التي باشرت العمل فوراً ومن دون تأخير، وتتبع عملياً لـ:

1ـــــ جهاز الـ504، وهو وحدة تشغيل المصادر البشرية في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) وتشمل مسؤولياتها دول الطوق بما فيها لبنان وفلسطين.

2ـــــ الموساد، أو جهاز الاستخبارات الخارجية والمهمات الخاصة، ويعمل أيضاً في دول الطوق إلى جانب دول أخرى من بينها إيران.

3ـــــ الوحدة 8200، وهي تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، وتعنى بعمليات التنصّت والتجسّس التقني على أنواعه المختلفة، وساحة عملها دول الطوق التي تشمل لبنان، وقد أضيف إليها أخيراً إيران والعراق.

لم يأت العدو بمفاهيم جديدة للعمل الاستخباري ضد المقاومة في لبنان. ظلّ الصهاينة يعملون على قاعدة أن من في وجههم هو شرّ يجب التخلّص منه، وبالتالي فإن الوسائل للوصول إليه لا تتطلّب أيّ نوع من المداراة ذات الطابع السياسي أو الإنساني بقدر ما تقف الاعتبارات عند حدود متطلّبات العمل. ولذلك هناك حالات كثيرة تخلّى فيها العدو عن عملاء له، لأنه فشل في توفير عناصر الحماية لهم، وصار مهتماً فقط بحصر الأضرار في انكشافهم.

عدا عن التحقيقات مع عشرات العملاء الذين اكتشفوا في لبنان وفلسطين وسوريا ودول أخرى، دلّت على أن العدوّ يعتمد سياسة الإغراء والإغراق، سواء من خلال الدفعات المالية الكبيرة التي ترد مرة واحدة، وتنحصر عادة في الاتصال الأول، وفي بعض الأمكنة وبعض الحالات تتراجع تقديمات العدو المادية إلى حدود دنيا بعد أن يكون العدو قد ورّط العميل وصار يبتزّه بأنه سيعمل هو على كشفه إن توقّف عن التعاون. وهو أمر حصل في فلسطين أكثر منه في أمكنة أخرى.

وربما من المفيد هنا الالتفات إلى نوعية الخدمات والحافزية التي تتوافر عند غالبية العملاء والتي تقتصر على الجوانب المادية، بخلاف غالبية الحالات المعاكسة، حيث يستفيد حزب الله أو المقاومة في فلسطين من تعاون العشرات الذين بادروا إلى تقديم خدمات في إطار «مساهمة نضالية وطنية» دون إهمال الحالات التي استخدمت فيها المقاومة «عملاء» من الذين تقاضوا مقابل ما قدّموه من معلومات أو خدمات.

وإذا كان العدو يلجأ إلى وضع لائحة أهداف للتجنيد تشتمل عادة على عناصر في القوى المعادية، أو أقرباء لهم، أو مصادر بشرية على علاقة عملانية (تجارية، وظيفية.. أو غير ذلك) أو على تواصل اجتماعي مع قيادات في المقاومة، فإن أساليب الوصول إلى هؤلاء تتراوح بين الاتصال المباشر والتعريف المباشر عن المطلوب، أو التواصل من خلال شركات أعمال وهمية مسجّلة في دول غربية أو آسيوية، أو من خلال عروض ملتوية تأتي عادة بواسطة عملاء آخرين، لتُورّط الأهداف في العلاقة قبل تحويلها إلى مهمة مكشوفة المعالم والأهداف.

أما المعطيات التي يحتاج العدو إلى جمعها من هذه المصادر فهي تشتمل على الوصول إلى تعريف لهوية قادة فاعلين في المقاومة، وخصوصاً في جهازها العسكري، وكل ما أمكن من معلومات عن تحركاتهم وأماكن إقامتهم وطريقة تواصلهم مع عائلاتهم أو مع الآخرين ووسائل التحرك والاتصال التي يستخدمونها، كذلك على المنازل والمقارّ التي تستخدمها المقاومة، أو الأمكنة التي يجري التردّد إليها بصورة غير واضحة، إضافة إلى معلومات محددة عن عمليات التدريب والتسليح الموجودة للمقاومة، من أماكن التدريب ومصادر التسلّح وكيفية التوصيل وأماكن التخزين إلى ما يتعلق بمواقع القيادة المركزية وطريقة التواصل في ما بينها.

وتشتمل عملية التجنيد على مراحل عدة، إذ عندما يطمئن العدو إلى المصادر البشرية، ينتقل بهم إلى مرحلة جديدة تقوم على عملية تأهيل يشرف عليها ضباط متخصصون، ويجري بعضها داخل الكيان، وتتركز على تدريبات أمنية على كيفية مواجهة الرصد المضاد أو التعقّب والتفلّت من المراقبة وكيفية التقرّب من مصادر المعلومات، إضافة إلى التعلّم على أجهزة تقنية تستخدم لجمع المعلومات عن بعد (آليات التصوير والمسح للمناطق) أو لإرسالها إلى المشغّل في دولة العدو الصهيوني، بما في ذلك عمليات التواصل من خلال الشيفرة.

المكتوم في هذه الحرب أكبر بكثير من المعلوم، والأمر متصل أكثر بعملية أمنية مبرمجة، تعكس من ناحية القلق الصهيوني، لا من تعاظم قدرات المقاومة العسكرية فقط، بل من أن حزب الله شهد عملية تطوّر استثنائية في عمله الأمني، سواء الوقائي الذي يحول دون اختراقه، أو الهجومي المتّصل بجمع المعلومات عن الجيش الصهيوني بصورة متواصلة.

إبراهيم الأمين

 

مقالات ذات صلة