تقارير أمنية

“تفاهم القاهرة”.. مرونة غير تفريطية .. وتهدئة لابد أن يدفع الاحتلال ثمنها

“حماس” تشترط لإقراره .. التوافق الفصائلي وفتح المعابر ووقف العدوان


“تفاهم القاهرة”.. مرونة غير تفريطية .. وتهدئة لابد أن يدفع الاحتلال ثمنها


 


القدس ـ المركز الفلسطيني للإعلام


أبدت حركة “حماس” موافقتها على تهدئة متبادلة وشاملة مع الكيان الصهيوني، لمدة ستة أشهر، تبدأ من قطاع غزة، وتمتد خلال هذه الفترة إلى الضفة الغربية، بعد التوافق الفصائلي عليها، على أن تكون مربوطة بفك الحصار وفتح المعابر.


وقد جاءت هذه الموافقة، كما يتضح من تصريحات الدكتور محمود الزهار في المؤتمر الصحفي الذي عقد بالقاهرة يوم الخميس (24/4)، سعياً من الحركة للحفاظ على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، ورغبة منها في إنجاح الجهود المصرية، حيث ينتظر أن تتوّج هذه المساعي المشتركة، في ما لو التزم الطرف الصهيوني بما جاء فيها؛ بفك الحصار الخانق وفتح المعابر، ووقف عدوان جيش الاحتلال.


 


كسر الحصار في كل الأحوال


ويرى مراقبون أنه رغم المرونة التي أبدتها حركة “حماس” بقبولها أن تسري التهدئة لمدة ستة شهور على قطاع غزة أولاً، قبل أن تشمل الضفة الغربية بعد تلك الفترة أو أثناءها؛ فإنّ الاتفاق المقترح الذي عرضته الحركة ووافقت عليه استطاع مقابل ذلك أن يسجِّل عدداً من المكاسب لصالح الشعب الفلسطيني المحاصر. كما وضع الاتفاق كثيراً من الضوابط التي يحفظ بموجبها خط الرجعة في حال عدم موافقة الاحتلال على التهدئة، أو خرقه لها في أي مرحلة من مراحل سريانها بحسب ما هو متفق عليه، سواء في مسالة فتح معبر رفح، أو العودة إلى مربع المقاومة.



ففي مسألة فتح المعابر استطاع الاتفاق المقترح أن يسجل ثلاث نقاط هامة؛ هي:


ـ فتح معابر القطاع لاسيما معبر رفح، بالتزامن مع بدء سريان التهدئة.


ـ طلب “حماس” من القيادة المصرية فتح معبر رفح في حال رفض الجانب الصهيوني التهدئة.


ـ كما طلبت الحركة الاستمرار في فتح المعبر (رفح) في حال تراجع الاحتلال عن التهدئة بعد سريانها.


وترمي هذه الخطوات إلى كسر الحصار عن الفلسطينيين في كل الأحوال، ورفع الحرج عن مصر دولياً عند فتح معبر رفح مستقبلاً باعتباره معبراً فلسطينياً ـ مصرياً فقط، في ما لو رفضت حكومة الاحتلال التهدئة لأي سبب من الأسباب.


وحتى لا تكون أي تهدئة بلا ثمن منذ الخطوة الأولى؛ فإنّ مراقبين ركزوا على ما ورد في بيان الحركة الذي أشار إلى أنّ الجانب المصري وعد بإجراء الاتصالات الفورية مع الجانب الصهيوني لتهيئة الأجواء من أجل التهدئة وتوفير الاحتياجات الأساسية لقطاع غزة، وخاصة المشتقات النفطية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية المتفاقمة بعد امتناع الاحتلال عن تزويد قطاع غزة بالوقود في الآونة الأخيرة، وشلّ حركة كثير من المرافق الحيوية الأساسية، وتوقف خدمات “الأونروا” ومساعداتها في الجوانب الغذائية والصحية والتعليمية.



رفض صهيوني جاهز


ولضمان عدم حصول أي عرقلة من جانب فريق السلطة برام الله للاتفاق المقترح، وتحديداً في مسألة إدارة معبر رفح ـ كما حصل في مرات سابقة ـ؛ أشار بيان “حماس” إلى أنّ مصر ستقوم بإجراء الاتصالات مع رئاسة السلطة الفلسطينية “حتى لا تقوم بعرقلة فتح المعابر في قطاع غزة وبدء الإجراءات الفعلية من أجل افتتاحها حال التوصل إلى التهدئة”.


وحرصاً منها على أن يصدر الاتفاق عن رؤية وطنية عامة، ويحظى بإجماع الفصائل الفلسطينية، باعتبار أنّ مسألة الأمن وقرارات التصعيد والتهدئة ضد الاحتلال أو معه مسألة تهم جميع أبناء الوطن ومكوناته الفاعلة؛ فقد رهنت “حماس” موافقتها عليه بتوافق فصائلي وطني، وتركت لمصر عملية الوصول إلى اتفاق التهدئة مع فصائل المقاومة الأخرى، بحيث يجري الإعلان عنها في ظل إجماع وطني. وتم الاتفاق مع الوزير عمر سليمان على دعوة الفصائل الفلسطيني يومي الثلاثاء والأربعاء (29 ـ 30/4) القادمين، لبحث الورقة المقدمة من جانبها.


 


ورغم المساعي المصرية الحثيثة لإيجاد اتفاق للتهدئة، وقبول “حماس” به من حيث المبدأ، ووجود فرصة كبيرة للتوافق عليه وطنياً مع الفصائل الأخرى، في الأيام القادمة؛ فإنّ التجارب الماضية مع الاحتلال الذي نقض عدداً من الاتفاقات، والتصريحات الحالية للمسؤولين الصهاينة، قد تجعل التهدئة بمثابة أمر بعيد المنال كما يؤكد على ذلك متتبعون للشأن الصهيوني. وفي هذا الصدد قال دان جيلرمان، سفير الكيان الصهيوني لدى الأمم المتحدة، للصحفيين في نيويورك “لا نعتقد أنّ حماس جديرة بالثقة، فعندما يعرضون تهدئة يكون ذلك لأننا تمكنا من … ضربهم بشدة ومن ثم فإنهم يحتاجون إلى الوقت لإعادة تنظيم صفوفهم من أجل أعادة التسلح والاستعداد للجولة القادمة”، على حد تعبيره. ويؤكد جيلرمان رفض بلاده الموافقة على هذه التهدئة بقوله “لا ننوي منحهم ذلك الوقت ولا نعتقد أنّ أي عرض للتهدئة من حماس يكون جديراً بالثقة حقاً”.


 


مبررات ترغم المحتل على الهدنة


وردّاً على سؤال حول هذه الجهود المصرية الحالية وموافقة “حماس” على هدنة مرتبطة بها؛ أكد مارك ريغيف المتحدث باسم رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، أنّ الجانب الصهيوني لا يزال متمسكاً بشروطه من أجل وقف “العنف”، في إشارة إلى عمليات المقاومة العسكرية وإطلاق صواريخ “القسام” والفصائل الأخرى ضد المغتصبات.


وشدّد ريغيف على أنّ حكومته لن تتفاوض “لا مباشرة ولا بصورة غير مباشرة” مع “حماس”، وأضاف “نأمل عودة الهدوء، ولكننا لا نريد أن يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة” في حال لم تتوفر هذه الشروط، على حد تعبيره.


لكنّ مراقبين يعتقدون أنّ المساعي المصرية ما كان لها تمضي قدماً بدون ضوء أخضر صهيوني وأمريكي مسبق، وإلاّ اعتبرت مضيعة للوقت. ويشير هؤلاء إلى أنّ التصريحات الصهيونية السابقة ليست سوى للاستهلاك الإعلامي الداخلي، حتى لا يظهر القبول بالتهدئة من منطلق ضعف، بعد أن مني جيش الاحتلال بهزيمة سابقة على يد “حزب الله” في صيف عام 2006، ويرون أنّ مما يجعل الاحتلال مرغماً على القبول بالتهدئة ما يلي:


 ـ اعترافهم على لسان وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك باستحالة القضاء على حركة “حماس” التي تمسك بزمام الأمور، وتحكم السيطرة على قطاع غزة، منذ أكثر من عشرة أشهر، رغم الحصار وإغلاق المعابر والمجازر الوحشية للاحتلال.


ـ صعوبة القضاء على صواريخ المقاومة التي تنهمر على أهداف الاحتلال المحاذية لغزة، مع تقديرات مؤكدة باحتمال وصولها لمديات أبعد، مما يزيد من حجم تهديد العمق الصهيوني بجمهوره الناقم على حالة العجز التي بلغها الكيان.


 


تحذيرات “حماس”


ـ الخوف من انفجار شعبي في غزة، وإمكانية اختراق حدود القطاع بعد أن صارت أسواراً لسجن كبير، في كل الاتجاهات، بصورة غير محسوبة العواقب، وهو ما يهدد المعابر الصهيونية، ويحرج كيان الاحتلال في التصدي للأمواج البشرية المتحركة، بسبب تفاقم الأوضاع الإنسانية التي فرضتها عليهم.


ـ رفع الحرج عن مصر عند فتحها لمعبر رفح؛ في ما لو ظهر الكيان الصهيوني بأنخ المتسبب في رفض التهدئة أو خرقها.


ـ الخشية من تطوّر “حرب المعابر” على ضوء المنحى المتصاعد للعمليات النوعية التي نفذتها المقاومة عند معبري “ناحال عوز” و”كرم أبو سالم” وغيرهما في الفترة الأخيرة، والتي ستزداد وتيرتها بكل تأكيد ـ حسب مراقبين ـ في حال فشل التهدئة، واشتداد وطأة الحصار، ومحاولة كسره من قبل الفصائل الفلسطينية بكافة الوسائل الممكنة، أو عدم ترك جنود الاحتلال ومغتصبيه ينعمون بالأمن والراحة، على أقل تقدير، كما صرحت بذلك سابقاً، وهو ما سيحرج قيادات جيش وحكومة الاحتلال بسبب النيل المستمر من هيبة هذا الجيش، والاستمرار في كسر كبريائه.


وربما لهذه الأسباب وغيرها؛ اعتبرت حركة “حماس” أنّ جولة الحوار الحالية في القاهرة حول التهدئة والحصار حاسمة، وحذّرت من إخفاقها، خاصة مع وصول الأوضاع في قطاع غزة إلى حالة الاحتقان الشديد، وقد شارفت على الانفجار.


 


وفي هذا الصدد؛ أشار الدكتور إسماعيل رضوان المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية، إلى أنه يجب انتهاز هذه الفرصة، لأنّ المنطقة مقبلة على “بركان كبير، والأمور لا تبشر بخير”، محذراً من فشل هذه الجهود التي اعتبرها حاسمة حول ملفّي التهدئة والحصار.


وأوضح رضوان أنّ الوضع في غزة أصبح لا يطاق بسبب الحصار والتضييق، والشلل أصاب كافة مناحي الحياة، مما ينذر كارثة لا بد معها من التحرك، وعلى الكيان الصهيوني القبول إما بهذه العروض لكسر الحصار وفتح المعابر؛ وإما أن يفتح المعبر من قبل مصر إذا رفض الكيان الصهيوني التعاطي مع هذا الأمر، وفق تأكيده.


ووفقاً للمراقبين؛ فإنّ “حماس” وفصائل المقاومة ليس لديها ما تخسره في حال موافقتها على اتفاق تهدئة ـ على النحو الذي تم الإعلان عنه ـ لأنه ليس مجانياً. ففي حال نجاحه؛ فإنه سيكسر الحصار الذي فُرض ظلماً على القطاع، وسيمتد ليشمل الضفة في المرحلة التالية، وسيكون “استراحة محارب” للفصائل لتقيِّم أوضاعها، وتعيد ترتيب صفوفها، وإن أخفق؛ فإنّ زمام المبادرة سيبقى بيدها للمضي في خياراتها الأخرى، وقد يكون مبرراً لفتح معبر رفح. 

مقالات ذات صلة