في العمق

إسرائيل .. واقتراب موعد الحرب الجديدة

المجد-

الجميعُ يدرك بما لا يدع مجالًا للشك أن حربًا جديدة قادمة في المنطقة، وهذا ليس من فأل الشر، إنما هي استنتاجات وخلاصات يمكن للمتابع أن يخرج بها لو ركَّز قليلًا بالأجواء والتحضيرات الجارية، لا سيما على جبهتي جنوب لبنان وقطاع غزة مع الاحتلال الإسرائيلي.

فالقيادة الصهيونية السياسية والعسكرية ما انفكت توجّه التحذير والتهديد تلو التهديد للبنان ولقطاع غزة، وذلك منذ اللحظة الأولى لوقف العمليات الحربية في 14 أغسطس 2006 بموجب القرار 1701، في لبنان، ومنذ وقف العمليات الحربية بدون قرار أمميّ في يناير من مطلع العام الجاري في غزة، وما انفكت تحرض المجتمع الدولي والعربي وحتى المحلي عبر بعض التصاريح والتهديدات على لبنان وغزة والمقاومة، متهمةً لبنان ومقاومته بخرق القرار 1701 عبر استكمال عملية التسلح التي اعترف بها حزب الله صراحةً، ومتهمةً حماس بتهريب السلاح وتطوير منظومات الصواريخ بما يهدد العمق الإسرائيلي، في حين أن هذه القيادة تجاهلت عن قصد وعن غير قصد الخروقات شبه اليومية للسيادة اللبنانية عبر طائراتها وزوارقها وحتى عبر آلياتها وشبكات تجسسها التي ضُبِط العديد منها.

كما تجاهلت المجازر المتكررة في القطاع والحصار اللاأخلاقي واللاإنساني لمليون ونصف إنسان في قطاع غزة، ولطالما هدَّدت هذه القيادة من أنها قد تلجأ إلى عمل عدواني تضع فيه حدًّا لما تعتبره خرقًا للقرار 1701، وتقاعصًا للقوات الدولية في القيام بمهامها ووظيفتها، وهي قد اتهمت هذه القوات أكثر من مرة بعدم القيام بدورها وواجبها، خاصة في أعقاب حوادث الانفجارات التي جرت في بلدات "طيرفلسية" و"خربة سلم" في جنوب لبنان، ولطالما هددت بإعادة كرة الإبادة في غزة.

إلا أن أخطر هذه التهديدات وأكثرها جدية –ربما- وطولًا في الشرح، كانت تلك التي صدرت مؤخرًا عن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، والتي اتهم فيها حزب الله بأنه جيش لبنان الحقيقي، والتي زعم فيها أيضًا أن القرار 1701 قد انهار تمامًا ولم يعدْ قائمًا، وقد وافقه في هذه الادعاءات والمزاعم رئيس وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العميد يوسي بايدتس الذي أضاف إلى ذلك، الحديث عن عشرات مقاتلي حزب الله المنتشرين شمال وجنوب نهر الليطاني، وعشرات الصواريخ التي تطال حسب قوله جنوب فلسطين المحتلة بكاملها، وقد شكَّل هذان التصريحان مؤشرًا خطيرًا يُضاف إلى المؤشرات السابقة التي أوحت أن الكيان الصهيوني يحضّر لعمل عدواني محتمل في المرحلة المقبلة، كما كشف أن هذا العدوان ربما بات قريبًا.

لقد سبق هذين التصريحين وتزامن معهما جملة مواقف أخرى صبت في ذات المنحى، وتحدث فيها بعض القادة الصهاينة عن نوايا عند حزب الله لخطف جنود آخرين انتقامًا لاغتيال عماد مغنية، كما كانت هناك تصريحات أخرى تحدثت عن امتلاك الحزب لصواريخ تطال مفاعل ديمونا في جنوب فلسطين المحتلة، فضلًا عن مجموعة التصاريح الدائمة التي كانت تتحدث دومًا عن التسلح وخرق القرار 1701 وموضوع المخدرات وإدخالها إلى الداخل "الإسرائيلي"، وما سوى ذلك من أمور كان الهدف منها إيجاد الأجواء الملائمة لشنّ العدوان وتحضير الأرضية الدولية والعربية والمحلية له، فهل بات العدوان قريبًا؟ وهل اكتملت الاستعدادات الصهيونية لذلك؟

فيما يتعلق بالجانب المتصل بالاستعدادات، فإن القوات الصهيونية لم تنفكّ منذ العام 2006 ومنذ صدور تقرير لجنة فينوجراد تقوم باستعدادات ميدانية ومناورات كثيفة من أجل التحضير لهذا اليوم الذي تجد نفسها فيه قادرةً على الثأر لهزيمة العام 2006، وهي قد أجرت عدة مناورات في الجولان والجليل وفي الضفة الغربية، كان آخرها ما كشفته صحيفة هآرتس قبل أيام، وكلها مناطق تحاكي طبيعة الأراضي اللبنانية جغرافيًّا، كما قامت بإجراء مناورات شملت كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلًا عن أنها تزودت بكمياتٍ من الأسلحة والطائرات الحربية الأمريكية الصنع، ومن الصواريخ المضادة للصواريخ من نوع "باتريوت" التي نصبت فوق الأراضي الفلسطينية بمساعدة خبراء أمريكيين لأول مرة منذ العام 1990، ناهيك عن بناء أكثر من 1600 ملجأ في شمال فلسطين المحتلة، وتوزيع العديد من الأقنعة الواقية من الغازات السامة، وكل ذلك يأتي في إطار التحضير لعدوانٍ جديد، وهي مؤشرات على الاستعدادات المتواصلة.

وأما فيما يتعلق بالتوقيت لهذا العدوان فإن الحلّ السياسي في المنطقة وصل إلى مرحلة الاختناق، وبات الأفق شبه مسدود، وهذا ما قد يحتاج إلى حراكٍ من نوعٍ آخر يغير الواقع الراكد ويتيح إمكانية إيجاد الأرضيات المناسبة لفرض الشروط الجديدة، وهو الحرب العسكرية، والمعروف أن الحكومات الإسرائيلية حكومات متعطشةٌ للدماء التي بها يمكن للمشروع الصهيوني أن يستمرّ.

فعلى الجانب الفلسطيني يعيش "الإسرائيلي" أزمة المطالبة الدولية بوقف وتجميد الاستيطان، والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وهذا ما هو غير مقبول عند الصهاينة، وبالتالي فإن النظرية الصهيونية تتبنَّى وجهة نظر أخرى تدعو إلى حرب تغيّر معالم المنطقة وتفرض واقعًا جديدًا، وترى أن بإمكانها كسب هذه المعركة وفقًا لاختلال التوازن حسب وجهة نظرها، وهي تجهد في إقناع الولايات المتحدة وأوروبا بهذه النظرية.

في شأن آخر ترى القيادة الصهيونية أن الخطر الأبرز الذي يتهدد الأمن الصهيوني حاليًّا هو في الملف النووي الإيراني، وبالتالي فالمطلوب حسب وجهة نظرِهم التخلص من هذا الملف عبر حرب تضع حدًّا للطموحات النووية الإيرانية، ومن هنا فإنهم يروِّجون لهذه النظرية ويعدُّون لها، ويعتبرون أن الخطوة في كل ذلك يجب أن تبدأ من لبنان، ولا ينسون في هذا السياق ضرورة الترويج للثأر من حماس التي هزمت عنجهية الجيش الإسرائيلي بالصمود الأسطوري مطلعَ العام أثناء العدوان على غزة.

كما أنه يأتي في هذا السياق الاستعدادات التي يقوم بها حزب الله ميدانيًّا في الجنوب وكل لبنان، سواءٌ كان على المستوى العسكري أو حتى السياسي، والتي كان آخرها تأمين الغطاء السياسي لسلاحه من خلال البيان الوزاري لحكومة الائتلاف الوطني التي أجازت الدفاع عن لبنان عبر سلاحه، أم من خلال التحضيرات العسكرية التي بلغت مستوًى رفيعًا مع الانتشار الذي بات معروفًا لدى الإسرائيلي لحزب الله في كل المناطق اللبنانية لا سيما في التلال العالية التي تتيح له إمكانية ضرب الطائرات الحربية من مستوياتٍ عالية، فضلًا عن التحضيرات التي بلغت مستوًى متقدمًا؛ حيث قيل: إن الحزب وزّع على مقاتليه في الفترة الأخيرة أقنعة واقية للغازات السامة، لا سيما في المناطق المتوقع أن تشهد جبهات قتال، ولم ينفِ مسئولوه إمكانية قيام الحكومة الإسرائيلية بحرب جديدة، إلا أنهم أكدوا أنهم حاضرون لها.

إذًا الاستعدادات من الطرفين تجري على قدمٍ وساق، وفي هذا السياق جاء كلام وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي عندما زار دمشق حيث تحدّث عن ردّ إيراني قد يطال مصانع التسليح الإسرائيلي، وأما الحديث الإسرائيلي عن الانسحاب من القسم الشمالي اللبناني لبلدة الغجر، والجدية في ذلك، فهو يأتي في سياق التراجع خطوةً إلى الوراء من أجل التقدم خطوتين إلى الأمام، ومن باب سحب كل الذرائع من يد حزب الله، وإعطاء صورة ناصعة عن الكيان قبل الشروع في العدوان، وهو ما يعني التحضير لعدوان جديد قد يكون قريبًا لكنه لا يعني أنه سيكون غدًا أو بعد غدٍ، بل قد تمتد فترة التحضير له حتى بداية الربيع المقبل، إذا ما استمرَّت حالة الاختناق على حالها، من هنا يمكن القول: إن قرار العدوان قد اتخذ، ولكن تحرك الآليات ينتظر اكتمال الظروف الميدانية.

وائل نجم

مقالات ذات صلة