تقارير أمنية

جريمة التجسس ومعركة المعلومات


المجد-

تعتبر جريمة التجسس من الجرائم الواقعة على امن الدولة الخارجي ، وتمثل نمطا من أنماط السلوك الإنساني رافق نشوء المجتمعات القديمة ، وتطور بتطورها ، وأصبح له في العصر الحاضر شأن كبير ، وقد أولت الدول ظاهرة الجاسوسية أهمية خاصة فرصدت لتلك الظاهرة الموارد والتكنولوجيا والخطط والأفراد ، ولقد تجلت ظاهرة الجاسوسية في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، فجحافل الجيوش المتشابكة في سوح المعارك الطاحنة ، تساندها جحافل خفية تخوض معارك المعلومات الطاحنة.

لقد اتسمت الجاسوسية قديما بالطابع العسكري المحض ، وتعلقت بتحركات الأفراد والأسلحة أثناء العمليات الحربية ، أما في الحروب الحديثة فقد اتسع نطاق الجاسوسية ، ليشتمل على التجسس العسكري والسياسي والاقتصادي والصناعي ، فميدان التجسس العسكري ينصب على كشف أسرار الدفاع ، والخطط الحربية ، ومعرفة أنواع الأسلحة ومرابضها وكمياتها وعدد الأفراد المسلحين ولقد استخدمت إسرائيل في محرقة غزة جحافلها العاملة في الخفاء لتحديد الإحداثيات للمباني والطواقم المسلحة.

أما ميدان التجسس السياسي فيشتمل على استطلاع مواقف السياسيين ، ومعرفة مبادئهم ومنسوب الروح المعنوية في المجتمع ، ودراسة عوامل الضعف والقوة في ابنائها ، ويعني التجسس الاقتصادي الوقوف على حقيقة موارد البلاد وتجارتها ، وسلامة وضعها المالي ليتسنى للعدو أمام تلك المعطيات إيقاع الحصار الاقتصادي وممارسة سياسة التجويع وشل المرافق الاقتصادية الحيوية.

أما التجسس الصناعي والعلمي فان الإنسان قد تفنن في صناعة الموت وجعل من الحرب مختبرا للتجارب تطبق فيه اشد المبتكرات الحربية فتكا وتدميرا.ولقد استخدمت إسرائيل في حقل التجارب الغزي كثبانا من الشر التكنولوجي العسكري ، والذي طال حتى الأطفال ليحرق أنسجة جلودهم الغضة.

إن أسلحة الدمار الشامل النووية والهيدروجينية والبيولوجية في الأرض وفي النجوم ، وكل أنواع القنابل الذكية والغبية ، كل ذلك يعد من الأسرار العلمية التي تحرص الدول على وضعها في طي الكتمان باستثناء إسرائيل التي لم تدخر أي سر عسكري في محرقة غزة نظرا للسادية المفرطة لقيادتها العسكرية والسياسية.ولقد تصدت كافة التشريعات الجزائية العربية والأجنبية لجريمة التجسس والخيانة وعاقبت على أفعال التجسس بكافة أنواعه وقضت بالعقوبات التي قد تصل إلى الإعدام. ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في التشريع الجزائي الأردني ، فلقد نصت المادة الرابعة عشرة من قانون حماية أسرار ووثائق الدول رقم 50 لسنة 1971 على ما يلي: «من دخل أو حاول الدخول إلى مكان محظور قصد الحصول على أسرار أو أشياء أو وثائق محمية أو معلومات يجب أن تبقى سرية حرصا على سلامة الدولة عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة ، وإذا حصلت هذه المحاولة لمنفعة دولة أجنبية عوقب بالأشغال الشاقة المؤبدة وإذا كانت الدولة الأجنبية عدوة فتكون العقوبة الإعدام. كما نصت المادة الخامسة عشرة من ذات القانون على أن من سرق أسرارا أو أشياء أو وثائق أو معلومات كالتي ذُكرت في المادة السابقة أو استحصل على عليها عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن عشر سنوات».

لا بد من الإشارة إلى أن جريمة التجسس تتكون من ركنين احدهما مادي والآخر معنوي ، فالركن المادي يتمثل بالدخول أو محاولة الدخول إلى المكان المحظور أما الركن المعنوي للجريمة فيتمثل في القصد الجنائي العام والخاص وهو الحصول على المعلومات أو الوثائق أو الأسرار التي يجب أن تبقى مكتومة حرصا على سلامة الدولة.

ولا بد من التأكيد أن جريمة الخيانة والتجسس من اشد الجرائم فتكا لأنها تمس حق الحياة لمجتمع بأكمله وان مقترف تلك الجرائم بحق وطنه وشعبه هو شخص مارق يعق وطنه ، ويخفر واجب الولاء حياله فالذي يتصل بالأعداء ويفشي لهم الأسرار ويستعديهم على الوطن الذي ترعرع فيه بدافع الجشع المادي أو الطيش فهو خائن لكل المثل العليا.

حسين توفيق غباوي

 

مقالات ذات صلة