عين على العدو

اليهود الأصوليون يستنزفون الميزانية ولا يعملون

المجد_

شهد الكيان الصهيوني في الآونة الأخيرة سلسلة من الأحداث التي تعكس التطرف الديني لفريق، والتطرف السياسي لفريق آخر من جمهور اليهود الأصوليين، أو كما تتم تسميتهم «الحريديم»، ولكن لكلا الحالتين انعكاس على حاضر "إسرائيل" ومستقبلها سياسياً واجتماعياً.

يختلف اليهود الأصوليون المتشددون «الحريديم» عن باقي المجموعات الدينية الأصولية في الأديان الأخرى من حيث نمط الحياة، فهم يعيشون في مجتمعات منغلقة ويتبعون نظاماً اجتماعياً وحتى اقتصادياً خاصاً، ويتمسكون بتعاليم دينية متشددة جداً في أدق تفاصيل الحياة اليومية. وهم يؤمنون بأن «مملكة إسرائيل الكبرى» سيقيمها المسيح عندما يأتي إلى العالم للمرّة الأولى، وعلى هذا الأساس فهم ناصبوا العداء للحركة الصهيونية منذ نشأتها وهاجموها وكفّروها، وهذا المبدأ ما زال قائماً حتى اليوم، بمعنى عداء على خلفية دينية وهذا لا يشمل جمهوراً دينياً آخر، يظهر أكثر ليبرالية من ناحية دينية ولكنه متطرف سياسياً، ويُطلق عليه اسم «الحركة الدينية الصهيونية».

وبعد العام 1948 انقسم جمهور «الحريديم» في فلسطين وخارجها إلى فئتين في الموقف من الكيان الناشئ (إسرائيل)، وبات هناك الجمهور الرافض للاعتراف بالكيان غير الشرعي دينياً، وتتغلغل فيه طائفة «ناطوري كارتا» الأكثر تشدداً، التي نرى بعض أعضائها في وسائل إعلام عربية مناصرين للقضية الفلسطينية، وطائفة «ساتمر»، والغالبية الساحقة من جمهور هاتين الطائفتين موجود خارج "إسرائيل"، ويشكل الغالبية الساحقة من جمهور الحريديم في الخارج والعالم بما في ذلك "إسرائيل".

أما الجمهور الثاني، الذي يشكل غالبية الحريديم في "إسرائيل"، ولكنه أقلية في الخارج، وبين الحريديم ككل في العالم، فقد قرر التعامل مع الكيان الناشئ ككيان إداري لتسيير شؤونهم اليومية والمؤسساتية، إذ استوعبوا إمكانية أن يشكل هذا الكيان مصدر تمويل لهم، وبرروا لأنفسهم الاعتراف ب"إسرائيل" بأن هذا كيان مؤقت إلى حين «يأتي المسيح» ويقيم مملكتهم.

ورغم أن هذه الفئة شكلت أحزاباً سياسية ودخلت المعترك البرلماني، فإنها في نفس الوقت واصلت رفضها للصهيونية وإيديولوجيتها ورموزها ونشيدها.

في الأسابيع الأخيرة شهدنا عدة صدامات عنيفة بين جمهور «الحريديم» من جماعة «ناطوري كارتا» الرافضة للكيان الإسرائيلي، مع شرطة الاحتلال في القدس المحتلة، على خلفية فتح بعض المرافق العامة قرب أحيائهم أيام السبت المقدس أسبوعياً، وأعاد هؤلاء مشاهد كانت شهدتها "إسرائيل" في سنوات سابقة. ولكن جديد هذه الصدامات أن جمهور الأصوليين الذي يشارك في مؤسسات الدولة، وعلى غير عادة حاول التنصل من هذه الصدامات وإبعادها عنه، رغم أنه كان رأس حربة في مثل هذه المواقف حتى سنوات قليلة، وكما يبدو فإن هذا ناجم عن صراعات داخلية في جمهور «الحريديم»، الذي يشكل أكثر من 14% من مجمل اليهود في "إسرائيل". وفي المقابل فإن هذا الجمهور، الذي اختار الاعتراف بالكيان الصهيوني مرحلياً، يشهد هو أيضاً تطرفاً سياسياً، بشكل غير مألوف مقارنة مع السنوات السابقة.

فهذا الجمهور الذي اختار طيلة عشرات السنوات عدم إغراق نفسه في صلب الجدل السياسي الداخلي في "إسرائيل" من مسألة الصراع الإقليمي وانعكاسه على الحلبة السياسية، كي يكون مستفيداً من أي تشكيلة حكومية قد تنشأ، ومسايرتها والحصول على الميزانيات المطلوبة له، نراه اليوم يتبنى مواقف سياسية يمينية متطرفة، منها مواقف عنصرية متصاعدة ضد فلسطينيي 48، ومواقف معارضة لكل آفاق حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حتى إنها باتت رأس حربة في الاستيطان المتزايد في الضفة الغربية المحتلة، من خلال تحويل جمهورها للاستيطان في مستوطنات مخصصة له، تتلاءم مع نمط حياته ويطبق فيها الشرائع غير المطبقة في البلدات والمدن الأخرى، وهو الأمر الذي تجنبته حتى قبل سنوات.

وهذا التطرف السياسي الذي لم يغير الموقف الجوهري من الكيان الصهيوني دينياً، جاء كنتيجة تحولات ديمغرافية واقتصادية اجتماعية، وسعياً لمسايرة المؤسسة الصهيونية والأجواء السياسية العامة. فالحريديم الذين نسبة تكاثرهم هي من الأعلى في العالم، وتصل إلى 3.4% سنوياً، مقابل 1.6% لدى اليهود العلمانيين، مقابل 2.8% لدى فلسطينيي 48، باتوا يسعون أكثر لإقامة تجمعات سكانية مغلقة لهم، يبتعدون فيها عن الاختلاط بالجمهور العلماني، ووجدوا حلاً بقبول إغراءات المؤسسة السياسية والعسكرية بتخصيص مستوطنات لهم في الضفة الغربية المحتلة، وباتت لديهم اليوم 4 مستوطنات، ويشكلون اليوم حوالي 20% من مستوطني الضفة والقدس المحتلة، وهي نسبة في تزايد.

 والأمر الثاني، أن هذه المجموعة وأحزابها السياسية تسعى في السنوات القليلة الأخيرة لمسايرة الأجواء السياسية العامة التي يتزايد تطرفها، بهدف الانسجام السياسي الذي يؤمن لها مسايرة مماثلة من المؤسسة، وهذه «المسايرة» المؤسساتية، تنعكس بالمزيد من الميزانيات والأموال التي تنفقها على أتباعها.

ولكن في ظل المؤشرات القائمة حالياً من جهة، واعتماداً على المعتقدات الدينية الراسخة عند هذا الجمهور، فإن هذه التحولات لن تمنع مستقبلاً الصدام الداخلي بينهم وبين جمهور العلمانيين، والدولة ككل. فالحريديم الذين يشكلون اليوم 14% من بين اليهود، من المتوقع أن ترتفع نسبتهم بعد 20 عاماً إلى أكثر من 25%، وهذا جمهور يمتنع عن الانخراط الكامل في سوق العمل، إذ إن نسبة المشاركين فيه لا تتعدى 40%، فهم أساساً يعتمدون على المخصصات الاجتماعية من الخزينة العامة، كما أنهم لا يخدمون في الجيش في إطار الخدمة الإلزامية، إذ يحصلون على إعفاء لغالبيتهم الساحقة جداً.

وترى الأوساط المختلفة في "إسرائيل" أن هذا الجمهور يشكل عبئاً اقتصادياً وعسكرياً على المؤسسة الإسرائيلية وكلما زادت نسبتهم زاد عبؤهم، هذا من ناحية، ولكن من ناحية أخرى، فإن هذا الجمهور وإن ظهر في هذه المرحلة كمن يريد أن يتساهل بعض الشيء في فرض قوانين تعتمد الشرائع اليهودية المتشددة جداً، فإنه حين ترتفع نسبته أكثر بين الجمهور، فمن المتوقع أن يستأنف ضغوطه، التي كان مارسها حتى قبل سنوات، مما يفسح المجال أمام عودة انفجارات أشد بين جمهوره وبين جمهور العلمانيين.

المؤسسة الصهيونية تدرك فعلاً ما ستواجهه مستقبلاً أمام هذا الجمهور، وكل ما يجري اليوم هو دحرجة الأزمة وتأجيلها، ولكنها ستكون من أبرز الأزمات الداخلية في "إسرائيل" التي ستتفجر خلال السنوات الـ 20 المقبلة.

مقالات ذات صلة