عبرة في قصة

كيف وقع ادولف هتلر ضحية خدعة بريطانية غيرت مجرى التاريخ؟!

المجد-

 يكشف الكاتب البريطاني بن ماكنتاير في كتاب الفه عن عملية تجسس كبرى لفقتها الاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية لتضليل الالمان تحت اسم "مينسميت" (اللحم المفروم) تفاصيل مثيرة عن تلك العملية التي بدأ تنفيذها في العام 1943 . ونشرت صحيفة "ذي تايمز" البريطانية مقتطفات من الكتاب تبين ان الزعيم النازي الالماني ادولف هتلر وقع شخصياً ضحية لتلك المؤامرة الاستخبارية البريطانية التي غيرت مجرى التاريخ الحديث.

وهنا ابرز ما جاء في تلك المقتطفات: "في 30 نيسان (ابريل) 1943 القيت جثة غليندوير مايكل، الذي اخفيت هويته تحت اسم الميجور وليام مارتن، في بحر هويلفا على الساحل الاسباني. كان في حقيبته رسائل زورها بعناية فائقة ضباط استخبارات بريطانيون كي يعطوا انطباعاً بان الحلفاء يعتزمون مهاجمة اليونان وليس صقلية. وما هي الا ساعات قليلة حتى عثر صياد اسماك شاب على الجثة واخذها الى الشاطىء. اخذت السلطات الاسبانية الحقيبة ودفن جثمان مايكل تحت اسمه المزور في مقبرة هويلفا. فهل سيمرر الاسبان الوثائق الى الالمان؟ واذا فعلوا، هل سيأكل الالمان الطعم؟".

كان مسؤولا الاستخبارات البريطانية اللذان دبرا الهملية هما يوين مونتغيو وتشارلز كولموندلي في حالة من القلق الشديد والترقب لانه لو لم يأخذ الالمان الوثائق المزورة على محمل الجد لفشلت عملية احتلال صقلية التي اعطيت الاسم الرمزي "هسكي".

وشعرا بالقلق خصوصاً بسبب البيروقراطية الاسبانية البطيئة الحركة التي قد تؤخر وصول الوثائق المزورة الى الاستخبارات العسكرية الالمانية. وفي النهاية تبين ان حقيبة الميجور المزور وليام مارتن وصلت الى رئيس الاركان الاسباني شخصياً. وخلال ذلك كان انجح جاسوس الماني شهير في اسبانيا، الميجور كارل اريك كوهلينثال، في حيرة من امره يحاول معرفة مع من يمكن ان تكون تلك الوثائق والى من يتعين عليه تقديم رشوة للحصول عليها.

الالمان يستفسرون

وقال عميل للاستخبارات البريطانية كان في اعماق المؤسسة العسكرية الاسبانية يدعى "اندروس" ان بحث الالمان عن الوثائق كان محموما الى درجة ان اللفتاننت كولونيل خوزيه لوبيز بارون ، الامين العام لمديرية الامن العام اهتم شخصيا بالمسألة. وكان بارون فاشياً متحمساً ولم يعد وصول الوثائق عن طريقه الى الالمان الا مسألة وقت قصير.

في تلك الاثناء وصل نبأ حقيبة الوثائق العسكرية البريطانيا الى المستويات الرسمية العليا في برلين، خصوصا الى فيلهيلم كناريس رئيس الاستخبارات العسكرية الذي طلب من كوهلينثال التدخل لدى الاسبان كي يسلموا الوثائق.

استغرق وصول الوثائق الى الالمان تسعة ايام. ولم تستطع الاستخبارات البريطانية معرفة اسم الرجل الذي سلم الوثائق الى الالمان الا بعد سنتين اخريين، اذ استطاعت وحدة كوماندوز من استخبارات البحرية البريطانية في نيسان (ابريل) 1945 خلال تقهقر الالمان الاستيلاء على ملفات قيادة البحرية الالمانية برمتها في قلعة تامباخ قرب كوبيرغ. ولدى نبش الملفات، تبين ان الضابط الاسباني الذي اوصل الوثائق البريطانية المزورة للالمان كان ضابطاً اسمه اللفتاننت كولونيل رامون باردو شواريز.

تبين الملفات الالمانية ان الاسبان فتحوا مغلفات الرسائل التي كانت في حقيبة الضابط البريطاني المزعوم قبل تسليمها لمسؤول الاستخبارات في السفارة الالمانية الذي قام بتصويرها ثم اعادتها الى الاسبان. وبعد ذلك قام ضباط استخبارات اسبان باعادة الرسائل المزورة الى داخل مغلفاتها بعناية واغلقوا الحقيبة واعادوها مع محفظة الضابط البريطاني المزعوم وبقية متعلقاته الى السفارة البريطانية في مدريد يوم 11 ايار (مايو) 1943.

وبحلول عودة الوثائق الى السفارة البريطانية كان الالمان قد قضوا 48 ساعة في دراستها والتحقق مما اذا كانت صحيحة. وقد حولت الاستخبارات العسكرية الالمانية الوثائق يوم 9 ايار (مايو) الى القيادة الالمانية العليا حيث اوكلت مهمة التحقق من صحتها الى فرع الاستخبارات في القيادة. وهناك كتب رئيس الاستخبارات الذي كان ارستقراطيا مقربا من هتلر، وهو اللفتانت كولونيل اليكسس بارون فون روين يوم 11 ايار (مايو) تحت عنوان "اكتشاف ناقل الوثائق البريطاني" ان "ظروف الاكتشاف، وكذلك شكل الرسائل ومحتواها، هي برهان مقنع بصورة مطلقة على امكان الاعتماد على الرسائل".

الاسخبارات البريطانية ترصد

كانت الاستخبارات البريطاني ترصد وتفك رموز شيفرة التصالات العسكرية الالمانية في الحرب العالمية الثانية. ويوم 12 ايار (مايو) جمعت جولييت بونسوبي، سكرتيرة القسم 17م السري للغاية، التقارير المرسلة من مقر الرصد في بليتشلي بارك الى غرفة التيليبرنتر في مقر قيادة البحرية البريطانية كما كانت تفعل كل يوم. وبدأ يوين مونتيغيو، العقل المدبر للعملية "مينسميت"، يقلب التقارير المطبوعة عن آخر الرسائل الالمانية التي تم فك رموزها. وفجأة صرخ صرخة فرح عالية وضرب مكتبه بقبضة يده فطار عنه فنجان قهوته.

لقد التقط الراصدون البريطانيون رسالة لاسلكية بعث بها الجنرال الفريد جودل رئيس اركان هيئة العمليات الالمانية المسؤول عن تخطيط وتنفيذ جميع العمليات الاسترايتجية في الحرب يقول فيها ان"من المتوقع حصول انزال للعدو على نطاق واسع في المستقبل القريب في شرق البحر المتوسط وغربه". واعطت الرسالة تفاصيل كاملة عن الهجوم المخطط، ولكن الوهمي كلياً، على اليونان حسب ما هو موصوف في الرسائل المزورة التي القي بها مع جثة الضابط البريطاني المزعوم.

ابلاغ تشيرتشل

وعلى الفور ارسلت رسالة مشفرة الى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشيرتشل الذي كان في اجتماع مع الرئيس الاميركي روزفيلت في واشنطن لابلاغه بان "مينسميت" قد وصلت "الى الناس المعنيين وتشير افضل المعلومات الى انهم سيتخذون اجراءات بناء عليها في ما يبدو".

اخذت كذبة "مينسميت" تتعاظم في المانيا وتكتسب اهمية. وفي اليوم الذي بعث فيه الجنرال جودل برقيته الى القادة الالمان في منطقة البحر المتوسط، بعث السفير الالماني في مدريد هانز هينريخ دايكوف برقية الى وزارة الخارجية في برلين يقول فيها: "وفقا لمعلومات تلقيناها للتو من مصدر يمكن الاعتماد عليه كلياً، سيشن الانكليز والاميركيون هجومهم الكبير على جنوب اوروبا في الاسبوعين المقبلين. والخطة هي، كما استطاع مخبرنا التأكد من وثائق سرية انكليزية، هي شن هجومين تضليليين على صقلية ودوديكانيز بينما سيوجه الهجوم الحقيقي على دفعتين رئيستين ضد كريت وبيلوبونيز". كان السر يشيع في المستويات الرسمية الاسبانية العليا ويغذى للالمان مرة اخرى.

بعد ثلاثة اسابيع وصلت رسائل العملية "مينسميت" في نهاية الامر الى مكتب الرجل الذي كان القصد ان تشاهدها عيناه، الا وهو الشخص الوحيد الذي يعتد برأيه.

كان رد فعل ادولف هتلر الاولي متشككاً، ولكن شكوكه تبخرت بحلول يوم 12 ايار (مايو). لقد اصدر الفوهرر في ذلك اليوم توجيها عسكريا عاما قال فيه: "من المتوقع ان الانكليز والاميركيين سيحاولون مواصلة عملياتهم في البحر المتوسط …(اتخاذ) اجراءات في ما يتعلق بسردينيا وبيلوبونيز يأخذ الاولوية على أي شيء آخر".

وقد مثلت تلك الاوامر تحولا دراماتيكيا في الاولويات بالنظر، كما يقول مونيغيو، الى ان "التقدير الالماني الاولي كان يقول ان صقلية هي الارجح ان يتم غزوها اكثر من سردينيا". وبدا الآن ان صقلية هي في التفكير الالماني الاقل تعرضا للخطر بين جزر البحر المتوسط، مع كون التركيز بحزم على اليونان وسردينيا.

هتلر يعارض موسوليني

عندما قال الزعيم الايطالي موسوليني ان صقلية هي هدف ارجح عارضه ادولف هتلر مباشرةً. وكتب الادميرال الالماني دوينيز في مفكرته يوم 14 ايار (مايو): "الفوهرر لا يتفق مع الدوتشي في ان نقطة الغزو الرئيسة هي صقلية…الامر النغلو سكسوني المكتشف يؤكد الافتراض القائل ان الهجوم المزمع سيوجه بصورة اساسية الى سردينيا وبيلوبونيز".

كان الشعور بالثقة لدى النازيين بحاجة ماسة الى تعزيز بعد هزيمة قوات المحور في الشمال الافريقي وغوصها في الدماء على الجبهة الشرقية. وقد تغير المد القتالي، فيما كانت الامواج تحمل فرصة يمكنها ان تغير مجرى التيار. ولا عجب في انهم اختاروا ان يصدقوا ما تشاهده اعينهم.

نعي رجل حي

ففي صباح يوم الجمعة الرابع من حزيران (يونيو) 1943 نشرت صحيفة "ذي تايمز" نبأ مقتل الميجر ويليام مارتن خلال عملية قتالية. وكان غوبلز شغوفا بقراءة "ذي تايمز". وبالنسبة للشخصيات المهمة التي تريد ان يظهر اسمها فيها في حال الوفاة، كانت تلك الصحيفة المكان الامثل.. اذ لا يمكن ان يكون نبأ الموت اكيدا اكثر من نشره في اكثر الصحف البريطانية وقارا. وكانت تلك هي المرة الاولى في تاريخ هذه الصحيفة التي يعلن فيها رسميا نبأ وفاة شخص وهو لا يزال حيا.

وفيما كانت قوات الحلفاء تتجمع للهجوم على صقليه في اوائل تموز (يوليو)، بدأت خدعة "اللحم المفروم" تؤتي أكلها. وكان تخوف هتلر على اليونان ودول البلقان يسيطر على كل خطواته الاستراتيجية. وفي الوقت الحرج خلال معركة الدبابات في كيرسك على الجبهة الشرقية في تموز، وضعت كتيبتان مدرعتان على أهبة الاستعداد للتوجه نحو دول البلقان. وصدرت الاوامر الى قوارب التوربيدو الالمانية لمغادرة صقليه نحو بحر ايجه. واتخذت مدفعية الشاطئ اماكنها في اليونان، وزرعت ثلاثة حقول الغام جديدة على امتداد سواحلها. فيما ارتفع عدد الكتائب الالمانية في دول البلقان ما بين اذار (مارس) وتموز (يوليو) 1943 من 8 الى 18، كما ازدادت القوات المدافعة عن اليونان من كتيبة واحدة الى 8 كتائب.

الهدف الحقيقي

وعندما تبين بوضوح ان صقليه كانت الهدف الحقيقي ، كان قطار الزمن قد فات. وقد اوقظ موسوليني في 10 تموز لابلاغه بان عملية غزو صقليه قد بدأت.. فصرخ الدوتشي قائلا "اقذفوا بهم في البحر، او على الاقل اوقفوهم عند الشاطئ. فرجالنا سيقاومون ثم ان الالمان سيرسلون تعزيزات. وعلينا ان نثق بانفسنا". غير ان كل هذه الثقة لم توضع في اي وقت مضى في غير مكانها. ففي نهاية اليوم، وصل اكثر 100 ألف من قوت الحلفاء الى الشاطئ ومعهم 10 آلاف عربة. واستسلم المدافعون الايطاليون باعداد كبيرة، وفي معظم الاحيان كانوا ينزعون ستراتهم العسكرية ويبتعدون او يركضون بعيدا عن الموقع. وهلل اهالي صقليه من دون طلقات نارية وهم يستقبلون الغزاة في مواقع كثيرة. وكان الجيش الثامن البريطاني يخشى من وقوع عشرة الاف اصابة في الاسبوع الاول. الا ان سـُبع ذلك العدد فقط قتل او اصيب. بينما قدرت البحرية البريطانية انها ستفقد حوالي 300 سفينة في اليومين الاولين، فيما لم يغرق الا اكثر قليلا من عشر سفن. وكان في حساب الحلفاء ان يستغرق الاستيلاء على صقليه 90 يوما على الاقل.. الا انه اكتمل في 38 يوما.

وانطلقت اصوات الفرح من الغرفة رقم 13 مع وصول انباء النصر. ويستعيد مونتاغو الارتياح العارم الذي طغى لدى اندفاع الحلفاء نحو الشواطئ ليواجهوا بمقاومة محدودة. وقال "يصعب حقا وصف مشاعر الفرح والرضى لدى معرفة ان الفريق تمكن من انقاذ حياة المئات من جنود الحلفاء – وهو شعور ممزوج بالفرح لاننا تمكننا ان نفعل ما وصفه كثيرون من كبار المسؤولين لدينا بانه مستحيل وما كنت دوما اعتقد انه حتى (رئيس الوزراء البريطاني) تشرتشل كان يرى انه يستحق المجازفة كاجراء يائس".

وبلنسبة الى مونتيغيو فان شعورا خاصا بالسعادة كان يملأ نفسه بعد ان اكتشف ان هتلر نفسه صدق المستندات الكاذبة. "قمة السعادة لاي فرد ان يعرف انه امكنهم بصورة مباشرة وعلى وجه التحديد ان يخدعوا ذلك الوحش".

اما على جانب المحور فقد بدأ تبادل الاتهامات من دون تأخير. ولم يقر هتلر قط انه تعرض لعملية خداع، الا ان اخرين في التسلسل الالماني ادركوا انهم هضموا كذبة مثيرة وضارة. وأمر وزير الخارجية النازي جواشيم فون ريبينتروب بالقيام حملة تقص للحقائق على نطاق كامل. "المطلوب القيام بعناية فائقة في تقويم المسألة برمتها، والتحقق اثناء ذلك فيما اذا ان الاشخاص الذين نشأت عنهم المعلومات متورطون مباشرة مع العدو لقاء أجر، او ما اذا كانوا يعادوننا لاسباب اخرى".

وتردد صدى غزو صقلية على بعد 1500 ميل حيث الجبهة الشرقية التي تغوص في بركة من الدماء، وعلى وجه الخصوص من الاهمية حول مدينة كيرسك الروسية. ففي 4 تموز (يوليو) بدأ هتلر عملية "القلعة"، التي تعتبر اكبر هجوم ضد الجيش الاحمر بعد هزيمة الالمان في ستالينغراد. وسيسجل التاريخ ان معركة كيرسك كانت اكبر معارك الدبابات واكثر المعارك الجوية تكلفة، واخر هجوم استراتيجي رئيسي الماني في الشرق. وفي 12 تموز تمكنت القوات الالمانية من اختراق اثنين من خطوط الدفاع السوفياتية واعتقدت ان الاختراق النهائي قاب قوسين او ادنى. الاان الاحداث في البحر المتوسط كانت في ذلك الحين قد غيرت الصورة الاستراتيجية. اذ انه بعد مرور ثلاثة ايام على غزو صقليه، اعلن الفوهرر انه سيوقف عملية "القلعة" وامر بنقل قوات "البانزر" الى ايطاليا. وكان قرار هتلر العلامة الفارقة في تغير خط المد. فمنذ هذه اللحظة وحتى نهاية الحرب ستقف الجيوش الالمانية في الشرق في موقع دفاعي بينما بدأ الجيش الاحمر يندفع من دون مقاومة نحو برلين.

نقلاً عن صحيفة القدس الفلسطينية

مقالات ذات صلة