عين على العدو

كارتر يفسد طبخة كوندوليزا و صولات الفرسان ستدخل التاريخ العسكري؟!

 


عبر لي زميل عن دهشته لحماس الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر للقضية الفلسطينية علي نحو يفوق جميع الزعماء العرب مجتمعين. شخصيا لا أجد ذلك مدعاة للدهشة بل علي العكس فموقف الزعماء العرب سبق وأن لخصه الشاعر في قوله كانت قضية فلسطين قميص عثمان الذي به تتاجرون ، ويجب علي الفلسطينيين ان يبتهجوا لعدم حماس الزعماء العرب لقضيتهم، فما من مرة تحمس أحد هؤلاء لقضيتهم الا وكان ذلك الحماس وبالا عليهم.


كارتر الذي كتب فيه أحمد فؤاد نجم قصيدة تضم مدحا مبطنا في صيغة ذم يقول مطلعها ياكارتر يا ندل.. حبيبك وصاحبك.. وصاحب مراتك.. وتبقي انت صاحبه.. ومصاحب مراته ، ليبين كيف تخلت الولايات المتحدة عن أقوي حلفائها في الشرق الأوسط، شاه ايران رضا بهلوي، حين غدر به الزمان وتكأكأت عليه الرزايا وتخلي عنه الأصدقاء والحلفاء وبدأ زحف ملايين الايرانيين علي نظام الشاه. تقاعس ادارة كارتر عن نجدة الشاه لعب دورا اساسيا في الاسراع بانهيار نظامه وقد تبين فيما بعد أن اطلاع كارتر علي سجل الفظائع المريعة التي ارتكبها السافاك ، البوليس السياسي الايراني، وصنوف التعذيب التي اذاقها لخصوم النظام والمعارضين، لعب دورا في تقاعسه عن نجدة الشاه حين أطبقت الثورة عليه فترك لمصيره البائس وأغلقت في وجهه جميع الأبواب والبلدان بما فيها الولايات المتحدة فلم يجد من يستقبله سوي الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي جاد عليه أيضا بقبر بعد مماته.


كارتر الذي أرقت ضميره المسيحي فظائع السافاك، وعراب سلام الشرق الأوسط الأول هو الذي نشر قبل عام كتابه الشجاع الذي اثار غضب الصهاينة وأنصارهم في الولايات المتحدة وحول العالم بعنوان فلسطين: سلام لا تفرقة عنصرية ، فانطلقت حملة شعواء ضده تتهمه بمساندة الارهاب والارهابيين. ليس هناك ما يفوق مواقف كارتر الشجاعة اثارة للاحترام الا ثباته عليها، وفي أحيان كثيرة يكون الثبات علي المبدأ أهم من المبدأ نفسه. فكل هذه الحملات التي لم تتوقف لم تثنه عن مواقفه، وما يثير الاعجاب حقا هذا الهدوء الذي يتمتع به ويعكس درجة عالية من السلام والتصالح مع النفس. هل هو ايمانه الراسخ بما يدافع عنه وانتصاره لقيم متجذرة في قناعاته؟ في جولته الشرق الأوسطية الأخيرة لم يفارقه هذا الهدوء ولا تلك الابتسامة البشوش ولا صوته الخفيض. وحقيقة لا أدري كيف لا يثور غضبا في وجه كل هذه الاتهامات وأحقرها وأكثرها دناءة تلك التي تصدر عن الساسة الاسرائيليين ومنهم من رفض لقائه اصلا؟ ان رجلا مثل كارتر حري باسرائيل أن تصنع له تمثالا ان لم يكن تماثيل في أكبر ميادينها العامة. فهو الذي أبرم أول سلام بينها وبين اكبر دولة عربية، وقد ربحت من وراء هذا السلام اضعاف ما كانت تحلم يوما ان تحققه بالحروب، ويكفي ان ننظر الي العالم العربي بواقعه المزري، واقفا علي اعتاب اسرائيل يتسول السلام فيما هي تصم آذانها. كارتر يقيم الحجج علي سلامة نهجه بأبسط العبارات واسلسها كقوله المشكلة ليست في أنني التقيت بقادة حماس، وانما المشكلة في رفض اسرائيل والولايات المتحدة التحدث اليهم . جولته الشرق الأوسطية الأخيرة التي يواصل فيها مهمته التي أخذها علي عاتقه ولم يكلفه بها احد، تأتي كتذكير ان نفعت الذكري، أولا للكسالي من تنابلة السلطان في رام الله النائمين علي أبواب ايهود أولمغت عله يتعطف بحفنة سلام ولو علي سبيل الزكاة علي أرواح الفلسطينيين الذين تسفح دمائهم طائراته ودباباته كل يوم. وهو تذكير أيضا بالفشل الذريع المريع للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وسوف لن تنفع الذكري لا مع أولئك ولا هؤلاء.


وأهم من هذا وذاك، ان كارتر بمواقفه المعلنة في كتابه او تصريحاته يكشف عن الحلقة المفقودة في سلام الشرق الأوسط الذي يراوح مكانه كجثة منذ سنين، الا وهي انعدام الارادة السياسية لدي الولايات المتحدة للتصدي لاسرائيل او الضغط عليها باي درجة، سواء كان غياب هذه الارادة ناجما عن عمي يجعلها تنحاز علي طول الخط لاسرائيل، ام انه نتيجة خضوع تام لابتزاز اللوبي الصهيوني، لا فرق في المحصلة النهائية. هذا هو السبيل الوحيد الذي مكن كارترمن انجاز اول اتفاقية سلام بين الاسرائيليين والعرب. ولا سبيل سواه حتي الآن.


 


رئيس الوزراء العراقي يروج لأم المعارك الجديدة


أدلي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي باحاديث تليفزيونية أكد فيها بما لا يدع مجالا لأدني شك ان القوات العراقية انتصرت نصرا مؤزرا في معركة صولات الفرسان ودانت لها مدينة البصرة بعد ان تم تطيهرها من المخربين والارهابيين والمجرمين والميلشيات المسلحة . ومضي المالكي ليؤكد المرة تلو الأخري أن العملية كانت عراقية خالصة، وأنه هو شخصيا لم يشرف عليها فقط بل شارك مع كل من وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي العراقيين في وضع الخطة ومن ثم تنفيذها (بما لهم ثلاثتهم من خبرات عسكرية تكتيكية استراتيجية ميدانية عريضة)، وأنهم عرضوها في حينها علي القيادة الأمريكية ممثلة في الجنرال بتريوس، من باب العلم بالشيء لا أكثر ولا أقل. وقد أخبرتهم القيادة الأمريكية أن تلك خطتكم وأنتم الأدري بها وباركتها ودعت لهم التوفيق (بمشيئة الله بالطبع). ونفي المالكي نفيا قاطعا جامعا مانعا تدخل قوات التحالف في اي مرحلة من العمليات او المعارك، بل انه ذهب الي حد القول ان الطائرات العراقية كانت علي وشك المشاركة في العملية لولا أنه تبين ساعتها أنها لم تكن جاهزة ، وأن المساعدة الوحيدة التي تلقتها القوات العراقية من قوات التحالف كانت في نقل المعدات جوا؟! ولم تراود المالكي لحظة تردد أو تلعثم واحدة وهو يؤكد ان البصرة دانت عن بكرة أبيها للقوات العراقية برا وبحرا وجوا. ولم يجرؤ أحد علي تكذيب رئيس الوزراء العراقي او مجادلته في شأن هذه الأحكام القاطعة، ولم يتطوع اي من محاوريه ليفعل ذلك. المشكلة الوحيدة أن الكونغرس الأمريكي في نفس تلك الفترة التي أجريت فيها الأحاديث أجري جلسة استماع مطولة للجنرال بتريوس والسفير الأمريكي في بغداد كروكر، وأيضا وزير الدفاع روبرت غيتس عن واقع الحال في العراق، وقد كان هناك اجماع كاسح علي فشل العملية في البصرة علي جميع الأصعدة. وحين ووجه المالكي بهذه الحقائق رد ببساطة أن هذا شأن أمريكي داخلي وكلام يخضع لاعتبارات سياسية وانتخابية، ولا شأن لنا به .


كل هذا لا يقارن بالمرة بأخطر تصريحات المالكي قاطبة والتي لاشك سوف تدخل كتب التاريخ، جنبا الي جنب انجازاته العسكرية الفذة. فردا علي الاتهامات بعدم نجاح عملية صولات الفرسان قال المالكي بالفم المليان وقد انتفخ صدره ثقة وتيها وعظمة ان العملية نجحت نجاحا مبهرا حتي انها سوف تدرس في الأكاديميات والكليات العسكرية، بل ان القوات الأمريكية وقوات التحالف لو كانت اتبعت نفس التكتيكات والتخطيط العسكري الذي اتبع في عملية صولات الفرسان الأخيرة لكانت النتائج مختلفة تماما . شيء واحد فقط لم يقله المالكي وكان حريا به ان يفعل، وهو ان يطلق علي عملية البصرة الأخيرة.. …. أم المعارك الجديدة.


دعكم من كلام جنرالات أمريكا وديبلوماسييها وأعضاء الكونغرس، فلعلهم مجموعة من المأفونين الانتهازيين او الحاقدين الذين تأبي غطرستهم الاعتراف بنجاحات المالكي وانجازاته، ولعلهم ينصتون يوما ما لنصائحه العسكرية. ما لم يستطع عقلي ان يستوعبه كيف يتأتي لمسؤول مثل هذه الجرأة في التعامي عن الحقائق الدامغة ليطلق تصريحات فضائية كاسحة في عصر توجد فيه خمسمائة فضائية في الشرق الأوسط، منها أكثر من سبعة وثلاثين في العراق وحده، دون ان يفكر لحظة انها لن تصمد بضع ساعات امام حقاق الواقع الدامغة. او ليس هناك مستشار يهمس في أذنه خفف من غلوائك يافخامة رئيس الوزراء، فالمعارك الطاحنة لا تزال دائرة في البصرة .


وحتي لحظة كتابة هذه السطور، بعد أكثر من اسبوعين علي هذه الأحاديث، هذه المرة بين القوات الأمريكية والبريطانية من جانب، وميليشات المهدي من جانب آخر. مراسل بي بي سي قال انه في اعقاب الفشل الذريع لعملية صولات الفرسان لم تجد القوت الأمريكية بدا من التدخل لاكمال ما فشلت القوات العراقية في القيام به ، لأن أكثر من الف وخمسمائة من هذه القوات رفضت القتال وسلموا أسلحتهم، لا للجيش العراقي، بل لجيش المهدي، وراينا ذلك بالصوت والصورة، وقال أحدهم انه يرفض ان يرفع السلاح في وجه أخيه العراقي، أولئك الذين نعتهم المالكي بالارهابيين والمجرمين والقتلة المأجورين.


 


لقاءات عباس اولمرت الاستفزازية


تستفزني لأقصي درجات الاستفزاز صور لقاءات الرئيس الفلسطيني محمود عباس برئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت، وقد تجاوزت هذه اللقاءات ثلاثة عشرة حتي الآن، دون ان تثمر شيئا علي الاطلاق. وليس هذا بالضبط ما يستفزني فيها، فعقم هذه اللقاءات ولاجدواها تحصيل حاصل يعلمه القاصي والداني وأولهم الاسرائيليون أنفسهم. ما يستفزني حقا هو المشاهد المسرحية الرخيصة لهذه اللقاءات والتي تجري في كل مرة علي نحو روتيني ممل. وهناك مشهد بعينه لأحد تلك اللقاءات يتكرر في كل مرة يتم الاعلان فيها عن لقاء وشيك، فيصار الي استخدام هذه الصور القديمة في نشرات الأخبار. يستقبل أولمرت عباس في مقره الرسمي، يقتاده الي ركن الغرفة حيث العلم الاسرائيلي، ويقفان امام الكاميرات ليتصافحان والابتسامة الصفراء الزائفة تعلو وجه اولمرت الكالح الماسح، وهو ينظر الي ضيفه، ثم يصطحبه الي غرفة أخري حيث بقية أعضاء الوفدين، وفي وسط الغرفة ينتحي أولمرت بعباس جانبا ليتحدث اليه حديثا خافتا لا يسمعه أحد سواهما، ويضع يده اليمني علي كتف عباس امعانا في اعطاء الانطباع بالعلاقة القوية والتفاهم العميق بين الرجلين، وهما الآن بعيدان بضع بوصات فقط عن البقية من اعضاء الوفدين، ومع ذلك امعانا في التظاهر الممجوج بالحميمية، يقترب أولمرت أكثر من عباس ويده لا تزال علي كتفه، ثم يهمس في اذنه بكلام خطير بالتأكيد، ومرة ثانية حتي يضمن ألا يسمعهما أحد من الحضور. كل هذا يصطلح علي تسميته في الاعلام Playing to the camera . بالله علكيم ماذا يمكن ان يقول اولمرت لعباس في هذه الغرفة ويحرص علي ألا يسمعه الآخرون؟ ومن هم هؤلاء الآخرون؟ تسيبي ليفني وابوعلاء وصائب عريقات! ما هذه الفجاجة؟ بل ما هذه الوقاحة الممجوجة؟ تخيلوا كيف ان مثل هذه المشاهد الممسرحة علي نحو رخيص تبث وتعاد عشرات المرات بعد كل مرة تشن فيها الطائرات الاسرائيلية غارات علي غزة تقتل فيها العشرات من الفلسطينيين، وكانت آخرها الحملة الدموية التي اسفرت عن أكثر من مئة وعشرين، وسمعنا وقتها أن عباس انتصب عوده فجأة وأعلن العصيان وتعليق المفاوضات، لكن هذه الغضبة المضرية لم تستمر أكثر من اربع وعشرين ساعة ليتراجع عنها بعد فاصل من الشخط والتأنيب من وزيرة الخارجية الأمريكية. ثم عادت صور المشاهد اياها تتكرر أمامنا حول اللقاء الوشيك بين الرجلين. هل سمعتم في اي مكان في العالم عن رئيس دولة يلتقي رئيس دولة أخري بالقبلات والأحضان في غضون ايام أو ساعات


من قيام قوات هذه الدولة الثانية بشن غارات علي أبناء شعب الدولة الأولي، وقتلت منهم بضع عشرات؟ في اي مكان في العالم يحدث هذا الا مع السلطة الفلسطينية؟! هل يمكن ان يلتقي غوردون براون أنغيلا ميركل بالقبلات والأحضان بعد ساعات أو ايام من قصف الطيران الألماني لمدينة بريطانية وقتل بضع عشرات من مواطنيها ليعلن للشعب البريطاني لازلنا مصرين علي السلام . والله لو فعلها زعيم غربي لأعدم رميا بالرصاص في ميدان عام.


كيف لرئيس دولة ان يعانق رئيس دولة لا تكف عن قتل أبناء شعبه كل يوم ان لم يكن كل ساعة. اذا كان الرئيس الفلسطيني فقد البوصلة السياسية وتورط في مفاوضات عقيمة لا لايستطيع الفكاك منها رغم انها لم تثمر حتي الآن ولن تثمر شيئا، فهل فقد البوصلة الانسانية ايضا؟ أفلا يوجد في بطانته من الوجوه التي تطالعنا كل ساعة علي الفضائيات رجل واحد حصيف يهمس في أذنه (كما يهمس له أولمرت) بأن عناق وتقبيل رئيس وزراء الدولة التي تقتل ابناء شعبه عار لا يقل عن عار القتل ذاته؟ أو لم يسمع في كل مرة يعتزم الاسرائيليون الافراج عن بضع عشرات من الفلسطينين من سجونهم يعلنون علي الملأ أنهم لن يفرجوا عن أحد ممن تلطخت اياديهم بدماء الاسرائيليين. أفلا يعاملهم عباس بالمثل ويكف عن تبويس وعناق صديقه الملطخة اياديه بدماء الفلسطينيين. هل يجلس محمود عباس ليتابع نشرات الأخبار ويري صوره معانقا أولمرت ترد مباشرة بعيد صور القصف الاسرائيلي وسيارات الاسعاف الفلسطينية تحمل الضحايا غارقين في دمائهم، وذويهم يولولون ويلطمون الخدود، تليها صور تشييع الجنازات؟ تري ماذا يقول عباس لنفسه وهو يشاهد نشرة الأخبار؟ أم لعله يقاطع الفضائيات العربية تجنبا للصداع؟! اليكم عينة مما قاله الرئيس الفلسطيني في المرة الأخيرة بعد ان بلع كلماته بمقاطعة المفاوضات في أقل من أربع وعشرين ساعة: برغم كل الاعتداءات، وبرغم كل الغارات والانتهاكات.. مصرون علي السلام.. ولا طريق سوي السلام.. السلام القائم علي العدل.. الخ الخ الخ الخ الخ الخ الخ الخ الخ الخ يعني فلتقتلوا من الفلسطينيين ما شاء لكم القتل، نحن مصرون علي السلام حتي آخر فلسطيني. وسلام مربع للجدعان.


ناقد سينمائي من مصر

مقالات ذات صلة