تقارير أمنية

الزيادة السكانية لا تسير لمصلحة دولة الاحتلال

المجد_

يصطدم اليهود في دولة الاحتلال رغم إصرارهم وإجماعهم على «يهودية الدولة»، بواقع أليم بالنسبة إليهم، يتمثل في أنّ المسار الزمني للواقع الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية لا يسير وفق الرغبة الصهيونية بما يعزز المعادلة المطلوبة لتكريس الطابع اليهودي للدولة المزعومة.

إن المعطيات الديموغرافية المتوافرة، تفسح مجالاً واسعاً أمام القلق الصهيوني من مستقبل الواقع الديموغرافي في فلسطين، لأنها تشير كلها إلى أن «ساعة الرمل الديموغرافية» لا تسير وفقاً لمصلحة الدولة اليهودية ومستقبلها، على الرغم من كل الإجراءات المتخذة.

الواقع الديموغرافي الحالي

أشارت آخر إحصائية لعدد السكان في الدولة العبرية صدرت في شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2009 عن مكتب الإحصاء المركزي الصهيوني، إلى أن عدد المقيمين في الكيان يبلغ الآن 7.465 ملايين نسمة. بينما كان عدد السكان عند إعلان «قيام الدولة» 806 آلاف نسمة، بينهم نحو 150 ألف فلسطيني.

وحسب الإحصاء المذكور، فإن 75.47% من السكان اليوم هم يهود (نحو 5.634 ملايين يهودي)، و20.26 هم عرب (نحو 1.513 مليون نسمة) . و318 ألف نسمة (4.27% من السكان) هم مهاجرون، لكن أبناءهم وأحفادهم ليسوا مسجلين كيهود في وزارة الداخلية.

ويبيّن الإحصاء أن اليهود في فلسطين المحتلة يتزوجون في سنّ متأخرة أكثر من الماضي ويتطلقون بمعدل يزداد باستمرار. ومع ذلك، فإن متوسط عدد الأطفال للنساء اليهوديات ارتفع في عام 2008 مقابل السنوات السابقة، ومعدل الشيوخ يرتفع بالتدريج. فنسبة أبناء 75 عاماً فما فوق بين السكان ارتفع بشكل معتدل، ولا سيما في أوساط اليهود: إذ كان في بداية التسعينيات 3.8% من اليهود من أبناء 75 سنة فما فوق، أما اليوم فإن النسبة هي 5.6%.

المجال الأساس الذي تشير إليه المعطيات بتغيير اجتماعي، هو المعدل العالي للعزّاب والعزباوات. في أوساط اليهود (25-29 سنة)، فإن نحو 62% من الرجال ونحو 42% من النساء هم من العزّاب. بالمقابل، بين السكان المسلمين في هذه السنّ نحو 39% فقط من الرجال و15.5% من النساء هم من العزّاب. كذلك، فإن معدل النمو السكاني بين اليهود في عام 2008 كان 1.7%، أما بين فلسطينيي 48 فكان 2.6%، وتشير التوقعات إلى أن عدد السكان سوف يصل إلى 9.25 ملايين نسمة في عام 2020.

في المقابل، أكدت معطيات جهاز الإحصاء الفلسطيني التي نشرت عشية إحياء الذكرى الـ61 للنكبة أن «إجمالي عدد الفلسطينيين المقيمين في فلسطين التاريخية بلغ نهاية عام 2008 حوالى 5.1 ملايين نسمة مقابل نحو 6.5 ملايين يهودي». وتوقع الجهاز «أن يتساوى عدد الفلسطينيين واليهود ما بين النهر والبحر بحلول عام 2016».

الواقع الديموغرافي المستقبلي ومخاطره على يهودية الدولة

تنبّه عدد من المسؤولين والخبراء الصهاينة وعلى رأسهم البروفيسور الإسرائيلي أرنون سوفير؛ المُحاضر في مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا، إلى اختلال المعادلة الديموغرافية وخطرها على يهودية الدولة منذ العقد الماضي.

ففي عام 2000، نشر سوفير دراسة مستفيضة في هذا الموضوع بعنوان: «إسرائيل: ديموغرافيا 2000-2020: مخاطر وإمكانيات»، توصّل فيها إلى أن 42% فقط من اليهود، مقابل 58% من العرب، سيعيشون في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر في عام 2020، من مجموع 15.2 مليون نسمة، لذلك استنتج محذراً من أنه من دون الفصل، سيختفي الكيان الصهيوني عن الخريطة خلال سنوات.

وشملت الدراسة مقترحات عنصرية، منها مصادرة حق فلسطينيي 48 بالمشاركة في انتخابات الكنيست، تمهيداً لنقلهم إلى السلطة الفلسطينية، ومنها جلب نصف مليون يهودي إلى الجليل، بالإضافة إلى إجراءات صارمة تجاه ما وصفته الدراسة بالتكاثر الطبيعي المبالغ فيه للعرب في الجليل والنقب.

ويؤكد سوفير أنه إذا أرادت «إسرائيل» أن تبقى دولة يهودية، فعليها أن تبدأ بنقل أجزاء من منطقة المثلث والقدس الشرقية إلى السلطة الفلسطينية في خطوة انفصالية من طرف واحد أو في إطار مفاوضات، ومعنى هذا التخلص من 400 ألف «مواطن عربي؛ منهم 210 آلاف من القدس الشرقية و190 ألفاً من المثلث».

وفي شباط 2001 بادر «المركز المتعدد المجالات» في هرتسليا إلى عقد مؤتمر دراسي تحت عنوان «ميزان المناعة والأمن القومي»، بمشاركة مجموعة كبيرة من الشخصيات السياسية والأمنية والأكاديمية، وأمام عدد كبير من قادة «إسرائيل» السياسيين والعسكريين، أطلق سوفير تحذيراته السافرة من أنّ «الساعة الديموغرافية حول إسرائيل تتسارع بوتيرة الفهد، بينما يتسارع اتخاذ القرارات القومية بوتيرة السلحفاة، في أحسن الأحوال».

إشكالية تراجع الهجرة

ما يزيد من خطورة الواقع الديموغرافي بالنسبة إلى المسؤولين الصهاينة، حقيقة نضوب «حقول الهجرة اليهودية» في الخارج، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى مزيد من الاختلال في التوازن الديموغرافي لغير مصلحة اليهود.

في هذا المجال، أفاد تقرير للوكالة اليهودية بأنّ عام 2008 شهد أدنى مستوى هجرة يهودية منذ عام 1948. وأشارت إلى استجلاب 13681 يهودياً، معظمهم من يهود روسيا.

ومقارنة بعام 1990، فإن نسبة الهجرة اليهودية انخفضت 94%، عمّا كانت عليه، مع أنه في بداية قيام الكيان بلغ معدل المهاجرين 6 مهاجرين لكل ألف مقيم. وفي التسعينيات، إبّان الهجرة الكبرى من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ارتفعت إلى 43 مهاجراً لكل ألف، وفي ثمانينيات القرن الماضي، التي تُعَدّ سنوات الحضيض، انخفضت النسبة إلى 3.8 في الألف. لكنها في عام 2008، بلغت 1.9 في الألف، وهذه أدنى نسبة خلال ستين سنة ماضية، حيث تجري الوكالة اليهودية حساباتها وفقاً لنسبة المهاجرين إلى عدد السكان.

ويتبين من الأرقام التي أوردتها الوكالة اليهودية أنه في ثمانينيات القرن الماضي، تراوح عدد المهاجرين اليهود بين 9 آلاف و24 ألفاً في السنة، وأنه في التسعينيات وصل نحو مليون مهاجر يهودي جديد من روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة. والجدول الآتي يوضح الصورة:

وقدرت الجهات الصهيونية أن سبب تراجع الهجرة يكمن في تراجع أعداد اليهود في الدول الفقيرة، وأن 90% من اليهود في دول العالم، يعيشون في دول مستوى المعيشة فيها أعلى من المستوى في الكيان الصهيوني.

ويتضح من المعطيات أيضاً أن معدل أعمار المهاجرين الجدد يرتفع باستمرار، ما يعني أن نسبة الشباب اليهود من المهاجرين تنخفض. وأشارت الوكالة اليهودية إلى أن ارتفاع سنّ المهاجرين يشكّل عبئاً على كيان تعوقه قوى غير منتجة تحظى بمخصصات تأمين ذات ميزانيات كبيرة.

تجدر الإشارة إلى أنه مقابل الانخفاض في عدد القادمين، هناك مشكلة الهجرة المعاكسة إلى الخارج، فهناك فارق تراجعي منذ مطلع القرن الحالي، والخارجون أكثر من الداخلين.

العــام

عدد المهاجرين

1990

200 ألفاً

1991

176 ألفاً

1992

77 ألفاً

1995

76361 مهاجراً

1998

56730 مهاجراً

1999

76766 مهاجراً

2001

43580 مهاجراً

2005

21180 مهاجراً

2008

13681 مهاجراً

خلاصة

الخلاصة التي يمكن المراقب الخروج بها من الأرقام والمعطيات التي تُنشر في الدولة العبرية عن الواقع الديموغرافي ونسبه بين العرب واليهود، سواء داخل فلسطين التاريخية كلها، أو داخل أراضي عام 1948 فقط، تؤكد أن عامل الوقت يسير في غير صالح اليهود، وهذا ما يُفسر، برأي كثير من الخبراء والمراقبين، السعي الحثيث والمستميت لعدد كبير من المسؤولين الإسرائيليين، ما عدا اليمين الديني والمتطرف، للتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، تقوم على أساس الانسحاب من قسم من الأراضي الفلسطينية (في الضفة الغربية) مقابل ضمان التفوق الديموغرافي اليهودي، لاعتقاد هؤلاء أن هذه التسوية هي السبيل الوحيد لضمان الطابع اليهودي للدولة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من الفشل في إخضاع الشعب الفلسطيني وإخماد روحه المقاوِمة لثنيِهِ عن المطالبة بحقوقه، بل من اهتزاز المعادلة الديموغرافية التي باتت مدماكاً أساسياً في «استراتيجية التسوية الإسرائيلية»، لا يمكن تجاهله أبداً في محاولة فهم الخطوات السياسية الإسرائيلية.

وإذا كان واضحاً أن المسؤولين الصهاينة باتوا يسلمون بحقيقة التفوق الديموغرافي العربي على كامل مساحة فلسطين، ويحاولون تحاشي مخاطر هذا الواقع من خلال التسويق لمشروع الدولة الفلسطينية «الموعودة.. بالشروط الإسرائيلية» على قسم من أراضي الضفة والقطاع، فمن الواضح أيضاً أنهم انتقلوا الآن إلى الاستعداد للمعركة الديموغرافية مع العرب داخل ما يعدّونه «بيتهم» ومقابل من يُعدّون «مواطنين إسرائيليين» من فلسطينيي 48. معركة من شأنها أن تحسم مصير المواجهة وتحدد صورة الواقع في فلسطين، ولهذا يوليها المسؤولون الصهاينة اهتماماً كبيراً من خلال العمل على اتخاذ الخطوات الآيلة إلى انتصارهم فيها ورسم معادلة ديموغرافية يكون اليهود فيها هم العنصر المهيمن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى