عبرة في قصة

كيف تجسس عميل “الموساد”علي الجراح على لبنان وسوريا؟!!

المجد- وكالات

 تبدو تقنية الكاميراـ السيارة بمثابة الخيط الذي يربط قصة عميل "الموساد" اللبناني علي الجراح، بقصة جواسيس صهاينة  وأميركيين وقعت سياراتهم ـ الكاميرات في يد الاستخبارات الروسية في جورجيا خلال الصيف الماضي. وتكشف وثائق نشرت مؤخرا، أن "الموساد" قد نشر في لبنان عام 1982، عددا كبيرا من الكاميرات ـ السيارات، وذلك في إطار الاستطلاع الإستراتيجي لغزو هذا البلد العربي واحتلاله. ويبدو من معلومات التحقيق مع الجاسوس اللبناني الجديد أن العدو الصهيوني قد طور هذه التقنية … القديمة؟.

الموساد وتوقيف الجاسوس علي الجراح؟

سقط علي الجرّاح في قبضة مديرية الاستخبارات في الجيش اللبناني، في مطلع شهر تشرين الثاني 2008. وأوقف بتهمة التجسس لصالح العدو الصهيوني . تلبس الجراح شخصية مزدوجة طوال أحد عشر عاماً، وقام بتنفيذ جرائمه متخفيا بين منزله الفخم في بلدته المرج، في غرب سهل البقاع، وبين منزله السري المتواضع، المستأجر الواقع خلف مخفر الدرك، في منطقة المصنع، عند نقطة الحدود اللبنانية ـ السورية.

بين الدولة ـ المحطة و… تل أبيب!

البحبوحة التي كانت تميّز حياة الجراح بين أهل بلدته، لم يكن لها أثر في محيط مسكنه السرّي الثاني الذي وضع فيه زوجته الثانية الفلسطينية نعمت عويّد، وجعلها تعيش بين الفقر والعوز. كما استأجر الجاسوس الموقوف شقة ثالثة في منطقة بعبدا، في جبل لبنان، قرب العاصمة بيروت، واعترف في التحقيقات إنها لم تكن لأغراض أعماله التخريبية، بل للتسلية واللهو مع أصحاب وعشيقات.

كان علي الجراح كثير السفر بحجة القيام بأعمال التجارة أو السياحة. لكنه في الحقيقة، كان يسافر من لبنان نحو بلدان أجنبية كثيرة كمحطة أو محطات أولية، ومن هناك يتولى عملاء جهاز "الموساد" نقله إلى  الكيان الصهيوني.  واعترف هذا الجاسوس في التحقيق أن مُشغّله في "الموساد" كان يتصل به عبر الهاتف، بصورة عادية، وكان يدعوه بين وقت وآخر للسفر إلى الأردن أو مصر أو تركيا أو اليونان أو قبرص أو إيطاليا.

في هذه الدول العربية والأجنبية، كان بانتظار علي الجراح ضابط الموساد الصهيوني يزوّده بجواز سفر "إسرائيلي"، ثم يرافقه إلى مدينة "تل أبيب" في فلسطين المحتلة. وهناك كان الجراح يمضي وقتاً غير طويل، يوماً أو يومين أو أكثر بقليل، ليعود بعدها إلى الدولة ـ المحطة التي سافر منها. خصوصا وأن حجزه في الفندق يبقى مستمرا، وتُدفع الفواتير من حساب السفر الذي كان الصهاينة قد خصصوه له، كما كان يتلقى راتبا شهريا من الموساد  بلغ ما بين ستة وسبعة آلاف دولار أميركي.

خلال سفراته إلى دولة العدو  كان الجراح يلتقي بعملاء "الموساد"، الذين تولوا إجراء دورات تدريبية له، لكي يتمكن من استعمال أجهزة تنصت وتصوير وإرسال مواد واتصال متطورة، كما يُزوَّد ببعض تقنيات وأجهزة الاتصالات.

وخلال التحقيق معه أنكر هذا الجاسوس أن يكون قد انتقل إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر حدود لبنان الجنوبية، كما أنكر أيضا أن يكون قد انتقل بحراً إلى فلسطين المحتلة، على غرار ما كان يجرى مع العملاء السابقين والموقوفين حالياً مثل العميل الموقوف محمود رافع، ومع العميل الفارّ حسين خطاب، الذين نفذا عمليات تخريبية كبيرة، من بينها استطلاع تحركات القائد الفلسطيني الشهيد جهاد جبريل، قبل أن تعمد "الموساد" إلى اغتياله. وقد ألقي القبض على هذين الجاسوسين، عقب اغتيال قائدين لبنانيين يعملان في صفوف المقاومة الفلسطينية، إذ تم تفجير سيارتهما في مدينة صيدا جنوب لبنان، في حزيران عام 2006.

شبكة تجسس … عائلية

مصادر التحقيق قالت إن الجاسوس اللبناني الموقوف علي الجراح، قد سافر إلى الأردن بعدما فترة قصيرة على توقيف العميل محمود رافع عام 2006. وقد مكث شهراً بكامله في الأردن من دون معرفة المكان الذي نزل فيه. كما غاب عن "السمع" طوال فترة رحلته إلى الأردن، من دون أيّ علم عنه سوى اتصالات متقطعة بزوجته في المرج، وبأخيه يوسف الذي اعتقل أيضاً بتهمة التجسس لصالح العدو الصهيوني.  بعد عودته إلى لبنان ادّعى الجراح أنه كان يعالج في الأردن من مرض في معدته.

ازدادت زيارات جاسوس "الموساد" إلى دمشق، بعد رجوعه من الأردن عام 2006. أصبحت زيارات أسبوعية. كان الجراح يمضي في كل زيارة يومين أو ثلاثة أيام، متنقّلاً في أرجاء مختلفة من العاصمة السورية، بحجة أنه ينتظر وفوداً دولية إنسانية، ستأتي معه إلى لبنان لمساعدة جمعية صحية أو طبية يترأسها، كستار إضافي لعمله الأمني المعادي.

في هذه الأثناء، أي بعد انتهاء غيابه السري في الأردن، باع الجراح سيارته وهي من طراز مرسيدس   280 زيتية، موديل عام 78، واشترى سيارة هوندا أكورد استعملها في التنقل داخل الأراضي اللبنانية،  كما اشترى سيارة باجيرو رباعية الدفع.

عندما أوقفته استخبارات الجيش اللبناني، صادرت هذه السيارة، ليتبين أنها غنيمة حرب كبرى حصل عليها لبنان من جهاز "الموساد". فقد ضبط رجال الاستخبارات اللبنانيون في هذه "الباجيرو" كاميرا مراقبة متطورة جدا، كان الصهاينة قد زوّدوا عميلهم علي الجراح بها، ليقوم بالمراقبة والتصوير للأهداف المطلوبة. وقد نجح الجراح في إخفاء طبيعة هذه الكاميرا، عن أحد الفنيين من معارفه، الذي ركبها له في سيارة الباجيرو.

الكاميرا ـ السيارة : تجسس مصور … متواصل

كلف "الموساد"  علي الجراح بإجراء مسح بواسطة الكاميرا المثبتة في سيارته،لأماكن وطرقات كانوا يحددونها له في غير منطقة لبنانية وسورية. خلال سنوات العمل التجسسي "الطويلة" التي أمضاها الجراح في خدمة العدو الصهيوني، تمكن بحسب اعترافاته من إجراء مسح شبه كامل لمنطقة سهل البقاع المتاخمة لسوريا، كما مسح بكاميرته ـ السيارة أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت، ناهيك عن بعض المخيمات الفلسطينية.

جرائم التجسس التي ارتكبها الجراح في سوريا، تمت بطلب "إسرائيلي" مفصل. شملت هذه الجرائم مسح معظم أحياء مدينة دمشق، وبينها منطقة كفرسوسة التي اغتيل فيها الشهيد عماد مغنية القائد في المقاومة الوطنية اللبنانية وفي حزب الله. إضافة إلى مسح مدن طرطوس وحماه وحمص وحلب وغيرها من المناطق والمدن السورية الرئيسية.

لم تؤكد مصادر التحقيق وجود رابط مباشر بين تجسس علي الجراح في كفرسوسة واغتيال الشهيد مغنية، وكذلك بالنسبة إلى حادث اغتيال العميد محمد سليمان في مدينة طرطوس السورية الساحلية. لكن هذه المصادر قالت إن هذا الجاسوس قد باح لزوجته نعمت، بعد اغتيال القائد عماد مغنية، بأن هناك جهة ما تراقبه، ثم أقنعها بأن ذلك قد يكون تمهيداً لسلبه سيارته الباجيرو. وبهذه الذريعة، صار نادراً ما يتردد بالباجيرو على سوريا، مفضّلاً استخدام سيارة الهوندا.

كان الجراح، يفرغ ما تسجّله الكاميرا على كمبيوتر خاص. بعد ذلك، يرسل المعلومات المصورة بواسطة جهاز زوّده به الإسرائيليون. وقد عثرت استخبارات الجيش اللبناني على جزء كبير من هذه المعلومات التجسسية، وتظهر فيها الأهداف التي كان قد صوّرها الجراح في أماكن كثيرة، ونقلها إلى "الموساد"، وبالطبع، إلى بقية الأجهزة الأمنية الصهيونية.

تقول مصادر التحقيق إن الجراح كان مزوّداً بأدوات وتقنيات لتشغيل الكاميرات التي يستعملها في استطلاع ورصد الأهداف التي يحددها العدو، ولتمكينه من نقل كافة الصور مباشرة إلى المشغل الصهيوني.  لا يعرف المحققون في استخبارات الجيش اللبناني بعد، كيف كان يتم هذا البث الحي للصور التجسسية، وبأي وسيلة. عبر قمر اصطناعي، أم من خلال طائرات الاستطلاع التي تجوب الأجواء اللبنانية؟

ويقول مصدر متابع للتحقيق، إن ثمة تخمينات بأن ضباط "الموساد" قد جهزوا بأنفسهم، شقة الجراح السرية، في منطقة المصنع عند المعبر الحدودي الرئيسي إلى سوريا، وكذلك فعلوا في منزله العلني في بلدته البقاعية : المرج. حيث لاحظ محققو الجيش اللبناني، أن كلا المنزلين قد زود بتمديدات وتجهيزات تقنية غير عادية.

فقد تميز المنزل السري في المصنع باحتوائه على أجهزة رقمية متطورة في مجال الاتصال والتصوير والتشفير، إضافة إلى جهاز كمبيوتر وأقراص مضغوطة ومدمجة. وقد صادرها الجيش اللبناني، كما صادر من على سطح منزل الجراح السري في المصنع كاميرا للمراقبة، كانت موجهة صوب مبنى الأمن العام ومبنى الجمارك اللبنانيين، لرصد وتصوير كل حركة العبور ما بين لبنان وسوريا.

جرائم أمنية عبر … الجسر!

وتقول مصادر التحقيق أن "الموساد" كان قد جنّد علي الجراح وأخيه يوسف في عام 1982. وهما يعملان معا، منذ ذلك الحين. ولذلك، فإن التحقيق معهما يدخل في ملفات دقيقة ومتشعبة، تتعلق بدور "شبكة" الجراح في جمع معلومات عن منظمات المقاومة اللبنانية، وعن بعض المنظمات الفلسطينية، ودورها في العمل المقاوم للعدو الصهيوني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في لبنان وسوريا عموماً. كما تطال التحقيقات دور هذه الشبكة التخريبية في استطلاع أهداف حيوية خلال حرب تموز 2006، لكي تتولى قوات الجيش الصهيوني قصفها جوا وبرا وبحرا.

وتضيف المعلومات غير الرسمية أن الجراح نجح في تضليل الاستخبارات السورية ومن خلفها أجهزة الأمن التابعة للتنظيمات الفلسطينية التي تعرّضت مواقعها لعشرات الغارات الجوية الصهيونية  في سهل البقاع ابتداءً من عام 1983 حتى عدوان تموز 2006، ما أودى بحياة العشرات من المقاومين داخل بعض هذه المواقع التي كانت تعتبر نسبيا مراكز عسكرية سرية.

يعتبر سقوط علي الجراح من أكبر الضربات الأمنية لمكافحة أنشطة "الموساد" التخريبية في لبنان. ويتندر بعض أبناء المنطقة بالقول، إن الطائرات الصهيوينة المعادية دمّرت معظم الجسور والعبّارات على طرق بلدات البقاع الأوسط، لكنها أبقت على جسر واحد فقط، يربط طريق منزل الجاسوس الجراح في بلدته المرج، مباشرة بالطريق الدولية بيروت ـ دمشق. لإتاحة المجال لهذا الجاسوس الخطير للتحرك خلال الحرب وتنفيذ جرائمه الأمنية.

لكن استخبارات الجيش اللبناني كانت بالمرصاد هذه المرة، فقامت، وإلى الأبد، بمنع مرور جاسوس "الموساد" فوق هذا الجسر.

مقالات ذات صلة