الأمن التقني

تقنيات المراقبة الحديثة أظهرت فشل أسلوب المدرسة القديمة في عمليات الاغتيال

المجد- وكالات

أصبحت ممارسة عملية الاغتيالات السرية «لأعداء الدولة» أداة قديمة للسياسية الخارجية في ظل الانتشار الواسع لتكنولوجيا المراقبة على مستوى العالم والتعاون المطرد للشرطة الدولية، مما يجعل من الصعوبة بمكان على أي فرد في أي مكان ممارسة أي عمليات اغتيال لشخصيات بارزة على أرض أجنبية.

وفي الدوحة ولندن والآن في دبي تم تصوير هؤلاء القتلة السياسيين وتعقبهم، الأمر الذي أثار اهتماما غير متوقع وجدالا بين مدبري هذه الاغتيالات. ونظرا للتقدم الحادث في تكنولوجيات علم المقاييس الحرارية يمكن لكاميرات المراقبة في نقاط الجمارك والمطارات كشف قدرات أولئك المتخصصين في صنع الهويات الزائفة محل اختبار، وأحيانا ما يتم إحباطها.

انتشرت تفاصيل اغتيال ناشط حماس محمد المبحوح حول العالم خلال الأيام القليلة الماضية بعد أن التقطت صور مهاجميه المفترضين بالكاميرا المثبتة فوق مصعد فندق «البستان روتانا» في دبي. حيث تم تصوير المشتبه بهم الأربعة، الذين تظهر الصور وكأنهم رافعو أثقال، وهم يخرجون من المصعد ويتوجهون إلى غرفة المبحوح.

وفي أعقاب تنفيذ عملية القتل بوقت قصير تم تصويرهم مرة أخرى وهم يستقلون المصعد بصورة أكثر توترا وهم يرتدون نفس قبعات البيسبول، ثم تم تصويرهم مرة أخرى وهم يغادرون المطار على متن رحلات متجهة إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا. وقد أصدر الإنتربول الدولي يوم الخميس الماضي 11 مذكرة اعتقال بعد قيام شركة دبي بدراسة متأنية لتحركاتهم في ما لا يقل عن 12 مكانا. وقد عرضت صورهم على شاشات التلفزيون حول العالم.

ألقى قائد شرطة دبي – كغالبية المعلقين الإسرائيليين – اللوم على عملاء الموساد الإسرائيلي. وكعادتها لم تؤكد إسرائيل أو تنفي التورط في علميات القتل.

هذا الحادث الذي أصبح حديث المتخصصين في الاستخبارات على الأقل في القارات الثلاث، أرجع إلى أذهانهم صور الدوائر التلفزيونية المغلقة وعمل المعامل خلال التحقيق البريطاني في مقتل الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفنينكو في 2006.

فبعد مرض ليتفننكو المثير للشكوك استخدم المحققون البريطانيون صور كاميرات المراقبة من كاميرات خاصة في وسط لندن لتعقب تحركاته، ثم استخدمت معدات خاصة لاختبار عينات من بوله لتكتشف أنه تناول كميات متناهية الصغر من البلوتونيوم المشع 210، التي تأتي غالبيتها من المنشآت التي تسيطر عليها الحكومة الروسية في وسط روسيا.

لم تتمكن الحكومة البريطانية من اعتقال عميل جهاز الاستخبارات السوفياتية السابق وعضو البرلمان الروسي الحالي، المشتبه في تصفية ليتفننكو، الذي أنكر تورطه في الحادث.

وقد ساعدت المراقبة المتقدمة المحققين في عام 2004 في تحديد المسؤولية عن السيارة المفخخة التي قتلت سليم خان فاندرباييف المنشق الشيشاني المقيم في قطر. تم تصوير علي أناتولي بيلاشكوف وفاسيلي بوكتشوف، وكلاهما ضابط بالجيش الروسي، من كاميرات في المطار وهما يستأجران السيارة التي استخدمت في عملية الاغتيال في الدوحة. كما استمع القطريون إلى محادثات هاتفية في الفيلا التي استأجرها دبلوماسي روسي.

تم الحكم على كلا القاتلين بالسجن مدى الحياة، واتهم القاضي القطري القيادة الروسية بقتل فاندرباييف. لكن المتحدث باسم وكالة الاستخبارات الخارجية الروسية المعروفة باختصار بـ«إي في آر»، التي آل إليها إرث الـ«كي جي بي»، تحدث إلى وكالة «إيتار تاس» الإخبارية أن الوكالة لم تشارك في أي عمليات منذ 1959، عندما اغتيل القومي الأوكراني في ميونخ.

ويشير الكثير من العملاء الأميركيين الذين شاركوا في السابق في عمليات سرية إلى أنه رغم تصريح شرطة دبي بأن المشتبه بهم في التورط في قتل المبحوح كانوا حذرين في استخدام اتصالات مشفرة وتجنب ترك آثار تدل على هوياتهم الحقيقية، فإن استخدام تكنولوجيا التحقيق المتقدمة – لمن شاهدوا فيلم جاسون بورن أو مسلسل «إس سي آي» – تجعل من الصعوبة بمكان تنفيذ عملية تغطية تسمح لمنفذي عملية الاغتيال بالتسلل دون علم السلطات المحلية.

ويقول أحد العملاء السابقين: «بدأ الأمر يزداد صعوبة في ظل تقدم علميات المراقبة. نتيجة لتكنولوجيا المقاييس الحيوية، التي تقوم على استخدام الحاسبات للقيام بعمليات مزاوجة ومقارنة ملامح الوجه»، لكنه أضاف أن لكل عائق تكنولوجي حلا تقنيا، قد يتأخر ذلك قليلا قبل تبني إجراءات مضادة، لكن رغم ذلك هناك طرق أخرى للتحايل على ذلك، دون إرسال 11 فردا للقيام بعملية قتل كهذه. وذكر أن من بين الطرق النظيفة للقيام بذلك استئجار خبير محلي في هذا النوع من القتل، أو استخدام السموم التي لا تترك أثرا، أو تدبير حادث عام كحادثة مثلا، وهي طريقة كانت مفضلة للمسئولين في يوغوسلافيا السابقة.

أثار قتل المبحوح نقاشات داخل إسرائيل، التي حملت المبحوح مسؤولية اختطاف جنديين عام 1989 بعد فشل منفذ عملية الاغتيال في إخفاء هوياتهم. ويعتقد الكثير من الإسرائيليين بضلوع الموساد، وأن العملية ضربة موجعة، وهو ما عبرت عنه افتتاحيات الصحف الكبرى في إسرائيل.

الحادث الآخر الذي تسبب في حرج لإسرائيل كان في عام 1997، عندما حاول عملاء إسرائيليون تظاهروا بأنهم سائحون كنديون في عمان اغتيال خالد مشعل القيادي في حماس. كان المفترض بالسم الذي لا يمكن اقتفاء أثره أن يؤدي إلى الشلل ثم الموت السريع، لكنّ العميلين تمت مطاردتهما في الشارع وانتهى بهما الأمر في سجون الأردن، حيث سارع دبلوماسي كندي على الفور بأن المشتبه فيهما ليسا كنديين لأنهما لم يتمكنا من غناء النشيد الوطني الكندي، وسارع الأعضاء الآخرون بالالتجاء إلى السفارة الإسرائيلية، وأجبر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، والحالي، إلى تسليم الترياق المضاد للسم إلى السلطات الأردنية وإطلاق سراح الشيح أحمد ياسين الزعيم الروحي للحركة.

تمتلك وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سجلا حافلا من العمليات من هذا النوع سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ ضد شخصيات بارزة خارجية، من بينهم الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو والرئيس الإندونيسي سوكارنو وباتريك لومومبا الديكتاتور الكونغولي السابق. وأصدر الرئيس رونالد ريغان – في أعقاب الكشف المثير للحرج من قبل الكونغرس ووسائل الإعلام لمثل هذه العمليات التي وقعت في منتصف السبعينات – أمرا تنفيذيا جاء فيه: «لا يمكن لفرد يعمل أو يمثل الولايات المتحدة أن يشترك أو يتآمر للقيام بعمليات اغتيال».

لا يزال قرار الرئيس ريغان فاعلا، لكن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية فسرت القوانين الأخرى والقرار التنفيذي الرئاسي بالعمل السري في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) بأنها ضوء أخضر للسماح باستهداف الأفراد. من بين الأفراد الذين لقوا حتفهم نتيجة لذلك القائد الباكستاني القبلي، حكيم الله محسود الذي قتل في هجوم طائرة من دون طيار الشهر الماضي، في أعقاب أسابيع من ظهوره في شريط فيديو جالسا إلى جوار المفجر الانتحاري الذي قتل سبعة من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية في خوست.

ويقول المسؤولون إن معايير الولايات المتحدة في ممارسة هذا النوع من الأعمال سواء عن طريق الطائرات التي يتحكم بها عن بُعد أو فرق العمليات العسكرية الخاصة، توجه ضد أفراد خططوا أو شاركوا مؤخرا لشن أعمال إرهابية تهدد الأمن القومي والمصالح الأميركية. وهذا القرار غالبا ما يتخذه محللو أو محامو وكالة الاستخبارات أو الجيش، لا القضاة أو هيئة الملحفين.

أولئك الذين أضيفوا إلى هذه القوائم يمكن أسرهم أو قتلهم، لكن قدرة الاستخبارات في أسر هؤلاء الأشخاص المستهدفين تواجه تكنولوجيا المراقبة الحديثة.

بعد اختطاف رجل دين مسلم في ميلانو في 2003 استخدم المدعون العامون المحادثات الهاتفية وحسابات الفنادق الفخمة لإدانة 22 ضابطا من وكالة الاستخبارات وعقيدا بالقوات الجوية بتهمة الاختطاف.

علميات التمويه التي تستخدمها وكالة الاستخبارات للطائرات في نقل المشتبه بهم في أوروبا تم اكتشافها أيضا من قبل هواة رصد الطائرات والصحافيين والمحققين لصالح مجلس أوروبا، حيث تمكنوا من الحصول على حسابات تفصيلية حول الشركات والمطارات وسجلات الرحلات.

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى