عبرة في قصة

أمينة المفتي.. استخدمت المصحف الشريف ليكون شيفرتها الخفيّة

المجد-

مساء 22 يوليو (تموز) 1973، رن الهاتف في شقة أمينة المفتي، وكان على الطرف الآخر مارون الحايك، الذي أسر إليها ببضع كلمات ألجمتها، فوضعت السماعة بتوتّر وأسرعت تفتح التلفزيون، لقد صدمها المذيع وهو يعلن نبأ اعتقال ستة من رجال الموساد في أوسلو، بينهم امرأة، بتهمة قتل «غرسون» مغربي بالرصاص، ظنوا أنه الفلسطيني علي حسن سلامة، وقد اعترف المعتقلون بأنهم ينتمون إلى الموساد، ويشكلون فيما بينهم فريقاً للقتل اسمه الرمح، وجاءوا خصيصاً من إسرائيل لتعقّب سلامة واغتياله. ارتجّت أمينة وتملّكها الهلع على مصيرها، وتساءلت: لماذا يتعقبون سلامة لاغتياله بينما طلبوا منها خلاف ذلك؟

كانت اللعبة أكبر بكثير من تفكيرها، فأمور السياسة والمخابرات تتشكل وفقاً لمعايير أخرى وحسابات معقدة، وللمرة الأولى منذ فقدت زوجها موشيه، تشعر برغبة أكيدة في الاستمتاع بالحياة، فأسرعت في اليوم التالي، برفقة الحايك إلى فندق الكورال بيتش، متلهفة إلى الالتقاء بسلامة. أخذتها المفاجأة عندما أشار الحايك ناحية حوض السباحة قائلاً لها: أنظري.. هذا علي حسن سلامة.

في ذلك الوقت، كان سلامة في 33 من عمره، رياضي.. وسيم.. أنيق، يصادق جورجينا رزق ملكة جمال الكون، وهي فتاة عمرها 21 عاماً، تنحدر من مؤسسة المال المسيحية في بيروت لأب لبناني وأم مجرية، انتخبت في السادسة عشرة من عمرها ملكة جمال لبنان، وبعدها بعامين ملكة جمال العالم، وكانت الوحيدة من بلاد العرب التي دخلت مسابقة «ميامي بيتش»، وهكذا أصبحت رزق أشهر امرأة في العالم، يحلم بها كل الرجال، وكان الجميع يريد التعرف الى الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل، والعينين الخضراوين، والجسد الأسطوري. حتى جيمي كارتر- حاكم ولاية جورجينا وقبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة تحققت أمنيته وظهرت صورة له مع ملكة جمال الكون وهي ترتدي فستان السهرة الأسود. انشغلت رزق بالفتى الوسيم مفتول العضلات ذي الجسد الرياضي الممشوق، وانشغل بها هو أيضا.

جلست أمينة تراقب سلامة بحذر وهو يستحم، وعلى مقربة منه وقف رجلان من حراسه تنتفخ أجنابهما بالسلاح. رسمت صورته في خيالها، وداومت على زيارة الكورال بيتش مرتين أسبوعياً بشكل منتظم، وكانت كثيراً ما تلتقي بسلامة الذي اعتاد رؤيتها، وابتسامتها وجمالها البسيط الهادئ، وذات مرة وصل إلى الفندق واتجه إلى الداخل حيث حجرته، لكنه عرّج فجأة على مائدة أمينة وانحنى على ظهر المقعد المواجه في أدب وسألها أسئلة عدة، ثم سحب المقعد وجلس قبالتها لأكثر من نصف الساعة.

بواسطة سلامة، انفتحت أمام أمينة كل الأبواب الموصدة، إذ أصبحت محل ثقة الفلسطينيين، طالت علاقاتها بالقادة ياسر عرفات نفسه، فاستعادت حيويتها وثقتها بنفسها وانخرطت في صفوف المقاومة تضمد الجروح وتبث فيهم الحماسة والاستماتة في الكفاح. كانت زياراتها المتعددة لمخيمات اللاجئين في الجنوب، بصحبة مجموعات طبية من المتطوعين، تذكرة أمان لدخول كل المناطق المحظورة، فكانت عيناها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها، وأذناها أجهزة تسجيل متطورة، انقلب عقلها إلى آلة جبارة من القوة بحيث لا يرهقها تزاحم المعلومات، أو رسم الخرائط بدقة متناهية، أو حفظ مئات الأسماء والمواقع، أو تذكّر أنواع الأسلحة وأساليب التدريب. لم تدخر جهداً في البحث عن كل ما يهم الإسرائيليين في لبنان. زارت ياسر عرفات في مكتبه ثلاث مرات لتطلعه بنفسها على سلبيات عدة واجهتها في الجنوب اللبناني، واهتم الزعيم بمقترحاتها وأفرد لها مساحة طويلة من الوقت للاستماع إليها. أوصى في الحال بالتحقيق مما قالته، وتلافي الأخطاء التي تعوق حركة المقاومة في الجنوب، فتقربت أمينة بذلك من الزعيم الفلسطيني وأصبح مكتبه مفتوحاً دائماً أمامها.

لقاء مع جاسوس الميج

حدث أن كانت في مقهى «الدولشي فيتا»، حيث شاطئ الروشة المتعرّج الخيالي، حينما توقفت فجأة أمامه سيارة جيب عسكرية، ونزل منها ثلاثة رجال فلسطينيين، اتجهوا مسرعين إلى حيث تجلس تشرب أمينة القهوة، واصطحبوها إلى مخيم شاتيلا للمساعدة في علاج مصابي إحدى الغارات الإسرائيلية.

بعد أن أنهت عملها في مستشفى مخيم شاتيلا، استأذنت للسفر إلى فيينا لتسجيل اسمها لدى إحدى جمعيات الطفولة الدولية (!!)، وهناك تخلت أمينة عن أهم قواعد العمل التجسسي، وهي السرية المطلقة، وتفاخرت أمامهم جميعاً بأنها تثأر لموشيه كل يوم من القتلة العرب وتنتقم منهم دونما رحمة أو شفقة، وقصّت عليهم الكثير من أسرار عملياتها في بيروت، وبجواز سفرها الإسرائيلي، طارت أمينة إلى تل أبيب تحمل جرعة هائلة من الغضب.

لم يكن لها أصدقاء في إسرائيل، سوى نفر قليل من رجال الموساد، الذين فوجئوا بها وقد بدا عليها الإرهاق، طلبوا منها أن تستريح في شقتها حتى تهدأ. صاحبتها طبيبة نفسية يهودية من أصل عراقي تدعى زهيرة، كانت مهمة الاخيرة ألا تفاتحها في أمر إنهاء خدمتها، فهي ليست منوطة بذلك، ولكن تنحصر في إذابة جدران العزلة النفسية التي تحيط بالعميلة، بدمجها تدريجياً باليهود العرب وخلق محيط اجتماعي موسّع من حولها، لقد حدثتها صديقتها الجديدة عن المهاجرين العرب من اليهود، الذين قدموا من شتى الأقطار المجاورة، وكيف استساغوا العيش في المجتمع الجديد المتحرر، وعن بعض المسيحيين الذين فروا إلى إسرائيل طلباً للحرية والأمن. من بين الذين ذكرتهم، النقيب الطيار منير رضا المسيحي العراقي الذي فر الى إسرائيل بطائرته الحربية الميج ـ 21، وعرضنا لقصته في الحلقتين الثانية والثالثة من هذه السلسلة، وعندما أبدت أمينة رغبتها في لقائه، عرضت زهيرة الأمر على رؤسائها فجاءتها الموافقة، ورتِّب اللقاء في منزل منير بين زوجته وأولاده.

كانت أمينة في شوق بالغ للقاء الطيار الهارب، ليس لأنه عربي بل لتسأله عما يجول في خاطرها من تساؤلات قد تفيدها معرفة إجاباتها، وبابتسامة عريضة على باب منزلهما، رحب منير وزوجته بأمينة. كان منير في ذلك الوقت في الثامنة والثلاثين من عمره، غزته مقدمات الصلع، وكانت مظاهر الثراء بادية جداً على المنزل وأهله، قال لها منير إنه مر بحياة عصيبة في البداية، حيث كان يجهل العبرية وبلا عمل ولا أصدقاء، ويتابعه كظله رجلا أمن في الشارع والبيت، ثم عمل لبعض الوقت في جيش الدفاع، والآن يمتلك وكالة إعلانية كبيرة خاصة به اسمها الأضواء، وتعمل معه زوجته كمديرة لمكتبه وللعلاقات العامة، سألته أمينة: كيف يفشل طيار محترف في القفز إذا أصيبت طائرته في الجو؟ وهل طائرة سكاي هوك الأميركية تتحول إلى مقبرة لقائدها قبلما تسقط؟ أفاض منير في الشروح وأوضح لها أن طائرة سكاي هوك التي طار بها موشيه اعتُمد تصميمها على حماية الطيار، وهي مزودة بكرسي قذف مزدوج، ويمكن إطلاقه من ارتفاع الصفر وبسرعة الصفر أيضاً، وهو كرسي قاذف من طراز دو غلاس أسكاباك A -C3 وكابينة القيادة فيها مدرعة في المقدمة والمؤخرة والجانب الأيسر، وسمك التدريع حوالي 18 مم، وأكد لها أن زوجها موشيه إما أصيبت طائرته بصاروخ «سام 6»، وفي تلك الحالة ربما يكون أسيراً لدى السوريين، أو أن صاروخاً من طراز atoll جو / جو، أصاب به السوريون كابينة قيادته الفقاعية فانفجرت به الطائرة جوًا.

كانت إجابة منير لا تختلف عن الإجابة التي سمعتها من قبل، فلم يعطها إجابة قطعية تؤكد أو تنفي موت موشيه، وبقي السؤال كما هو: هل موشيه بيراد لا يزال حياً في قبضة السوريين؟ أم انفجرت به الطائرة في الجو؟ وفي الحالة الأخيرة لا بد من أن يعثر السوريون على بعض من أشلائه، ومن ثم يعلنون الخبر، وهو ما لم يحدث.

إصرار على الخيانة

في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 غادرت أمينة تل أبيب إلى فيينا، حيث تسلم منها عميل الموساد جواز سفرها الإسرائيلي، وسلمها الجواز الأردني مع تذكرة سفر إلى بيروت فجر اليوم التالي. انطلقت بشوق للعمل كي تثأر لزوجها، تحمل بين أمتعتها جهاز راديو يحمل ماركة عالمية معروفة، وهو في حقيقته جهاز لاسلكي أكثر تطوراً ولا يمكن اكتشافه، وبحقيبة يدها كانت تحتفظ بالمصحف الشريف، وقد نزعت صفحات عدة منه واستبدلتها بصفحات أخرى تحمل الشفرة (!!!)

في الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر(تشرين الأول) 1973، أطلقت أمينة أولى إشارات البث اللاسلكي إلى تل أبيب: (آر. كيو. آر. وصلت بسلام..الأمير الأحمر في أوروبا.. تعرفت بضابط فلسطيني يدعى أبو ناصر.. وعدني مارون بأن يأخذني معه إلى مبنى الهاتف المركزي.. غادر جورج حبش إلى تونس سراً.. رجاله يقاتلون سبعة من رجال حواتمة.. أبو عمار بالبيت مصاباً بالبرد.. شحنة أدوية وصلت سراً من رومانيا للقيادة.. يوجد نقص كبير في الأنتي بيوتكس. تحياتي).

استقبل الموساد رسالة أمينة بشيء من الاطمئنان والفرح، فالرسالة كانت واضحة الشفرة بلا أخطاء، والأخبار التي حوتها مهمة جداً استدعت دخولها إلى غرفة التحليل والمتابعة على الفور، وسرعان ما تسلمت أمينة أول رسالة بثت إليها من إسرائيل: (تهانينا بالوصول.. اهتمي بتحركات الأمير.. أبو ناصر خبيث جداً فاحذريه.. لا تهتمي بمارون الآن.. من يطبب أبو عمار.. ماذا في بطن الباخرة كيفين في صيدا.. نريد معلومات عن مخازن الأسلحة في مخيم البداوي في طرابلس ومراكز التدريب الجديدة في قلعة شقيف).

بينما كانت العميلة تهيىء نفسها لمستقبل أجمل وأيام حافلة بالعمل والخيانة، فوجئت بأخبار عبور المصريين لقناة السويس واجتيازهم خط بارليف، فكانت صدمتها لا توصف.

نشطت أمينة في عملها التطوعي كطبيبة عربية تجوب أنحاء لبنان، وجاسوسة إسرائيلية تمد الموساد بالمعلومات الحيوية عن تحركات الفدائيين في الجنوب، الذين شحنتهم انتصارات الجيوش العربية فازدادوا استبسالاً وضراوة، وعاد علي حسن سلامة من أوروبا لترتيب خطط العمليات الجديدة، فالعدو فقد اتزانه والسيطرة على نفسه، والضربات القوية تترك آثارها بوضوح في وجهه المشوه. هكذا انطلق رجال المقاومة في الجنوب اللبناني يضربون في العمق الإسرائيلي بلا كلل، واستدعى ذلك من أمينة أن تترك بيروت إلى صور، ومعها جهاز اللاسلكي الخطير، حيث عكفت على بث رسائلها يومياً، والتي وصلت في أحيان كثيرة إلى خمس رسائل معرِّضة حياتها للخطر، واضطر الموساد أمام سيل رسائلها إلى فتح جهاز الاستقبال على التردد المتفق عليه، لساعات طويلة على مدار اليوم.

اليد الخائنة

على مدى أيام المعارك خلال حرب أكتوبر، كانت أمينة تتحرك فتسعف الجرحى بيد، وتبث رسائلها الخائنة باليد الأخرى، وكانت أول جاسوس للموساد يعمل بجرأة أسطورية داخل بلد عربي، لم يفعلها إيلي كوهين الذي زُرع في سورية قبلها بسنوات قليلة، وكان مرشحاً لمنصب نائب رئيس الجمهورية السورية، وعلى رغم تجواله بين شتى الوحدات العسكرية والقواعد السرية في الجولان، وإقامته المطولة في منطقة الجبهة، بل وعلى رغم حجم الثقة في نفسه، لم يحمل أبداً جهاز اللاسلكي خارج المنزل.

 

 

 

انتهت حرب أكتوبر، لكن العمليات الفدائية الفلسطينية لم تنته، وازدادت شراسة واتسعت مساحتها لتشمل دولا أوروبية وآسيوية. كانت الضغوط شديدة جداً على أمينة خلال تلك الفترة، فالعمليات أربكت إسرائيل وزعزعت أمنها تماماً، وانتقل الضغط العصبي إلى أمينة في بيروت، فالأوامر كثيرة والمطلوب منها كثير ويفوق الوصف، لذلك اضطرت للانتقال تماماً إلى الجنوب اللبناني، واستأجرت شقة في منطقة الشجرة في صور – على مسافة عشرين كيلو متراً من الحدود الإسرائيلية – اتخذت منها مركز انطلاق لاستكشاف تحركات الفلسطينيين، واتصلت بأبو ناصر الضابط الفلسطيني الذي سبق أن حذرها الموساد منه في أولى رسائل البث اللاسلكية، واستخدمت معه أسلوب الإثارة والاستفزاز، وهو أسلوب يدفع المرء الى إخراج ما عنده من دون أن يطلب منه ذلك، واستطاعت أن تدفعه دفعاً الى الإفصاح عن عملية فدائية ستتم في اليوم التالي داخل الأراضي الإسرائيلية، تصنعت الفرح وهللت: كيف؟.. إنكم لشجعان حقاً عندما تنقلون عملياتكم إلى قلب الدولة اليهودية، لكن في ذلك خطراً جسيماً على رجالكم، أجابها مزهواً بأن كل شيء معد، وخطِّط لكل احتمالات الطقس بدقة متناهية. حاولت أن تعرف مكان الهجوم وكيفية التسلل، لكن الضابط الفلسطيني الحذر لم يتفوه بأكثر من ذلك.

ظلت أمينة تطارد أبو ناصر مستخدمة أسلوبها في الإثارة إلى أن نجحت في دعوته لقضاء سهرة في بيتها، فهيأت له نفسها، حتى إذا ما تمكنت منه انطلق لسانه متباهياً بعبقريته العسكرية، وكيف أنه جهز فريقاً من أكفأ رجال الكوماندوز للتسلل إلى داخل الحدود الإسرائيلية، لضرب مدينة نهاريا الساحلية بالصواريخ، التقطت أمينة الخبر من دون تعليق، وكل ما فكرت فيه لحظتها هو كيف تحتويه أكثر وأكثر فيزداد انطلاقاً وتتبعثر منه الأسرار كالشلال، ولم يكن أمامها إلا أن تمثل دور العشيقة القلقة، واستحضار نبرة الدفء المصطنعة والمشوبة بالخوف، لكنه على رغم غرقه في بحر المتعة معها لم تنفك عقد انطلاقه كلها فيعلن عن عملياته المرتقبة بالتفصيل، هكذا تعلم أبو ناصر وتدرب في المخابرات العسكرية، وأجاد الاحتماء بالحس الأمني العالي حتى في أقصى حالات ضعفه الإنساني.

في مبنى الموساد كانت الوجوه مرهقة متوترة، فالعمليات الفدائية اشتدت وطأتها والمعلومات المتاحة بعيدة عن التفاصيل، ومنذ صدرت الأوامر لأمينة باستدراج أبو ناصر بحرص، كانت رسائلها تجيء مشوهة، كأنما يتعمد الضابط الفلسطيني ذلك، وهو ما يعني أن العميلة وقعت في بؤرة الشك، أو أنها انكشفت فعلاً، فخبر التسلل الأخير عبر البحر كان حقيقياً من حيث التوقيت لا المكان، أما خبر عملية تل أبيب فكان أكثر شكاً وغموضاً، فصدرت الأوامر لأمينة بمغادرة صور إلى بيروت فوراً، والتوقف نهائياً عن جلب المعلومات أو بث الرسائل، لكن العميلة الغاضبة العنيدة بثت رسالة إليهم قلبت الموازين كلها، وأذهبت بعقول الكبار قبل الصغار في الموساد. أرسلت لهم عن تسلل سبعة فدائيين في غبش الفجر، يحملون أسلحة الـ آر.بي.جيه، ومدافع الكلاشينكوف القاذفة، وقنابل ومتفجرات، بقصد تفجير مستعمرة جيشر هازيف (على بعد ستة كيلومترات شمالي نهاريا) بمناسبة عيد إسرائيل القومي، فانطلقت قوات الأمن تطوّق المستعمرة، وانتشرت نقاط التفتيش على كل الطرق، ومع أولى تباشير 15 مايو (أيار) 1974، كانت المعركة الشرسة بدأت، لكن في منطقة أخرى أبعد عن تصوّرهم وتوقّعهم. بعد ست ساعات ونصف الساعة، أسفرت المعركة عن إصابة 117 إسرائيلياً بينهم 25 قتيلاً . لم تنصت أمينة لأوامر رؤسائها في الموساد بالتوقف – موقتاً – عن العمل، فما كان ذلك إلا لحمايتها، لكنها كانت ككتلة الثلج التي ذاب ما حولها، فهوت مندفعة لا يجرؤ إنسان على إيقافها أو التصدي لها، كانت تحمل روحها على كفها، ولا تهتم بالخطر أو تحسب له حساباً، وفي لحظة استجمعت جرأتها وطلبت من مارون الحايك أن يزورها في شقتها في بيروت، فأسرع إليها يمنّي نفسه بليلة ساخنة، لكنه ما إن دلف إلى الصالون، حتى وقف مذهولاً، وقد تجمدت الدماء في عروقه وتعلقت عيناه الجاحظتان بنجمة داوود الزرقاء على الحائط.

المصارحة

صارحت أمينة الحايك بكل شيء، وأنها عميلة للموساد، وأنه شريكها، وأطلعته على صور فاضحة تجمعهما، وأسمعته صوته وهو يمليها أرقام تلفونات رجال المقاومة، وانتهت الجلسة بأن وقّّع على إقرار بالتعاون مع الموساد، وطلبت منه أن تدخل الى غرفة السنترال المركزي لتستمع بنفسها للمكالمات بين القادة الفلسطينيين، وهو مطلوب منه أن يفعل ذلك ويعلم بمواعيد العمليات الفدائية وأماكنها داخل إسرائيل. أسفرت تلك العملية عن فائدة عظيمة لإسرائيل، فالتجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية، كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة، ولم تكن الأحاديث الهاتفية مكشوفة تماماً، يستطيع المتنصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها، لكن زعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية في ما بينهم صراحة، أو مع مساعديهم ظناً منهم – وهذا خطأ كبير – أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل من قبل اللبنانيين، فالدوائر الهاتفية المغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى في بيروت نفسها يتم بواسطة خطوط شبكة المدينة، وكذلك الاتصال بخارج المدينة. كانت السرية خاضعة للخدش عن طريق زرع أجهزة التنصت، أو استراق السمع بأسلوب الحايك، من خلال الغرفة السرية التي أقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسس على المسلمين، وعلى الفلسطينيين أيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم، فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسط بيروت وجنوبها.

اتصل الحايك بأمينة قبل فجر 23 مايو (أيار) 1974، ففتحت على الفور جهاز اللاسلكي، وبثت إلى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن – سيهاجم ثمانية من الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت.. تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم.. شالوم) وبالفعل صدقت المعلومة تماماً، وأطبق الإسرائيليون على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. عندما كانت أمينة تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السري الخاص بمكتب جورج حبش، ولاحظت بعد مكالمات عدة له، أن هناك ترتيبات عسكرية تُعد بشكل سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا، وبدا حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13 يونيو (حزيران). في غمرة انفعاله، نطق اسم كيبوتز شامير سهواً، لم تهمل عميلة الموساد الأمر، وأبلغت رؤساءها على الفور بما سمعته، وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة من الفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبل أن يستعملوا رشاشاتهم الآلية، وفي 27 يونيو (حزيران)1974 لقي ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا أربعة من الجنود الإسرائيليين في نهاريا… هكذا كانت أخبار العمليات الفدائية تصل أولا بأول إلى إسرائيل ويتم التعامل معها قبل أن تتم.

مقالات ذات صلة