في العمق

قراءة في الكشف عن شبكات الموساد التجسسية في لبنان

المجد-

لأول وهلة تثير الأنباء الواردة من لبنان الدهشة، فلا يكاد يمر يوم دون أن يتم فيه الكشف عن ضبط المزيد من عملاء لجهاز "الموساد"، لكن الذي يثير الدهشة والصدمة في آن معاً هو حقيقة أن عدداً كبيراً من الذين يتم إلقاء القبض عليهم هم من كبار القادة في الأجهزة الأمنية اللبنانية، فهناك أشخاص يحملون رتب عميد وعقيد ومقدم اعترفوا بارتباطهم بالموساد وتعاونهم معه في المس بالمقاومة وعناصرها، والأمن الوطني اللبناني.

وبكل تأكيد أن الذي ساعد اللبنانيين على اكتشاف هذه الخلايا هو الحصول على تقنيات متقدمة أسهمت في الكشف عن هذه الشبكات. ويدلل على العدد الكبير من العملاء الذين تم تجنيدهم على التغيير الذي طرأ على الموساد منذ أن تولى قيادته مئير داغان في العام 2002. فمنذ دخوله مبنى قيادة الموساد شمال تل أبيب، شرع داغان فيما وصف في حينه بعملية "تطهير" لأقسام الموساد من المسؤولين "غير الإبداعيين"، فتمت الإطاحة بحجاي هداس، الرجل الثاني في الجهاز، في حين فضل بعض قادة الجهاز الانسحاب بعد اعتراضهم على القواعد الجديدة التي أدخلها داغان على عمل الموساد، والتي تمثلت في:

أولاً: اعتماد طريقة التجنيد السريع للعملاء العرب والتوقف عن استخدام طرق التجنيد التي تستغرق وقتاً طويلاً قبل الاستفادة من العميل كمصدر للمعلومة الاستخبارية، أي اعتماد نفس أساليب التجنيد المتبعة من قبل جهاز "الشاباك" المتخصص في مواجهة المقاومة الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد أدخل داغان هذا التغيير بناءً على توصيات مستشاره في ذلك الوقت يوفال ديسكين، الذي يشغل حالياً منصب رئيس "الشاباك".

ثانياً: توسيع مجال الأنشطة الاستخبارية لتشمل دولاً عربية لم تكن ضمن أهداف عمل الموساد، وخير دليل على ذلك أن الأجهزة الأمنية في كل من الجزائر واليمن ألقت القبض على أشخاص بتهمة الارتباط بـ"الموساد"، علاوة على تكثيف عمليات التجسس ضد دول ترتبط بعلاقات بإسرائيل، سيما مصر.

ثالثاً: استئناف عمليات التصفية ضد نشطاء المقاومة الفلسطينية واللبنانية، فكانت أول عملية اغتيال نفذت من قبل الموساد في عهده تصفية عز الدين الشيخ خليل المسؤول المالي في حركة حماس في دمشق، إلى جانب اغتيال عدد كبير من نشطاء حركة الجهاد الإسلامي وحزب الله في لبنان.

رابعاً: نظراً للتركيز على جمع  المعلومات الاستخبارية وعمليات التصفية فقد تعززت مكانة كل من شعبة العمليات في الموساد المعروفة بـ"متسادا"، وتحديداً وحدة التصفيات فيها المعروفة بـ"كيدون"، وشعبة جمع المعلومات الاستخبارية المعروفة بـ"تسوميت"، وذلك على حساب الشعب الأخرى، وتحديداً شعبة التنسيق مع الأجهزة الاستخبارية الأجنبية المعروفة بـ"حبيل"، بسبب الطابع شبه الدبلوماسي لعملها.

عقب ما وصف في إسرائيل بـ"نجاحات" الموساد في تنفيذ العديد من العمليات النوعية، ارتفعت أسهم الموساد ورئيسه الجديد، وأصبح ينظر إلى داغان كقصة نجاح كبيرة، وهو ما زاد من ثقل وزن الموساد في دائرة صنع القرار بعد أن كان دوره هامشياً، مما حدا برئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت توسيع صلاحيات الموساد. فقد كلف المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن الموساد بالمسؤولية الحصرية عن مواجهة التهديد النووي الإيراني، وتم إلزام جميع الأجهزة الاستخبارية الأخرى والجيش وبقية مؤسسات الدولة بالخضوع لتعليمات داغان في هذا الشأن.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وظهور مؤشرات على توجه تنظيم "القاعدة" للمس بالأهداف الإسرائيلية كلفت الحكومة الإسرائيلية الموساد بالمسؤولية عن مواجهة حركات الجهاد العالمي.

وتؤكد التقديرات الإسرائيلية أن هذه التطورات ترافقت مع تضخم ميزانية الموساد التي تعتبر أحد أسرار الدولة. ولأول مرة في تاريخه، أمر داغان بنشر إعلانات في الصحف تدعو الشباب الإسرائيلي للانضمام إلى صفوف الموساد، سيما أولئك الذين يجيدون اللغة الفارسية في مؤشر على سلم أولويات الجهاز في المرحلة القادمة.

وعلى الرغم من "إنجازات" داغان سرعان ما طاله وجهازه النقد في أعقاب حرب لبنان الثانية، حيث اتهم الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" بالتقصير، حيث فشل الجهازان في التنبؤ باختطاف الجنديين الإسرائيليين وهو ما أدى إلى الحرب، علاوة على الفشل في تحديد مكان مخازن الصواريخ التابعة للحزب، مما جعل من المتعذر على سلاح الجو الإسرائيلي ضربها، مما مكن الحزب من مواصلة إطلاق الصواريخ حتى آخر أيام الحرب. ومع أن "الموساد" خرج أقل تضرراً من توصيات لجنة "فينوغراد" التي حققت في أسباب فشل الجيش الإسرائيلي في كسب الحرب، إلا أن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت ألقى على داغان مهمة ترميم قوة الردع الإسرائيلية التي تضررت في أعقاب الحرب من خلال القيام بعمليات ذات صدى واسع وكبير. وحسب المزاعم الاسرائيلية، فقد وفر "الموساد" المعلومات التي استند إليها الجيش الإسرائيلي في قصف المنشأة البحثية في شمال شرق سوريا في ديسمبر من عام 2006، وقام عملاء الموساد بتصفية العميد محمد سلمان الذي تتهمه إسرائيل بالمسؤولية عن البرنامج النووي السوري، ووفر "الموساد" المعلومات التي اعتمد عليها سلاحي الجو والبحرية في إحباط عمليات تهريب السلاح لحركة حماس وحزب الله سواءً بقصف القافلة في السودان أو اعتراض سفن في عرض البحر الأبيض المتوسط. وتنسب مصادر إسرائيلية وغربية للموساد نجاحه في تضليل الإيرانيين، حيث عملت شركات وهمية تعمل بالتنسيق معه على تزويد المنشآت النووية الإيرانية بتجهيزات معطوبة، وقد ألقى الإيرانيون القبض على مدير إحدى الشركات الإيرانية التي تعاونت مع الموساد في هذا الشأن وتمت محاكمته ونفذ فيه حكم الإعدام.

ومما لا شك فيه إن تصفية كل من عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله ومحمود المبحوح تندرج في إطار محاولات إسرائيل لاستعادة الردع الذي تضرر كثيراً في حرب 2006. وإثر هذه العمليات تحول داغان للقائد ومما لا شك فيه إن تصفية كل من عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله ومحمود المبحوح تندرج في إطار محاولات إسرائيل لاستعادة الردع الذي تضرر كثيراً في حرب 2006. وإثر هذه العمليات تحول داغان للقائد الأمني صاحب الكلمة المسموعة لدى المستوى السياسي، علاوة على تعاظم شعبيته لدى الرأي العام، حيث اختير العام الماضي "رجل العام".

صالح النعامي

مقالات ذات صلة