تقارير أمنية

هل بدأ العد التنازلي لانهيار أسطورة الموســاد؟

المجد-

لم تكن عملية اغتيال محمود المبحوح، القائد العسكرى الأبرز لحركة حماس، على أيدى الموساد فى دبى أخطر العمليات ضد قيادات فلسطينية بارزة فى الخارج، ولم تكن كذلك أولى العمليات الفاشلة فتاريخ الموساد يحمل بين دفتيه مئات العمليات، وبين المئات عشرات فضح دوره فيها وفشلت، إلا أن (عملية المبحوح) كانت الأكثر فشلاً وإحراجاً لإسرائيل خلال الربع قرن الأخير من الصراع المفتوح بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، لما سببته من فضيحة عالمية مدوية، أسقطت هيبة الموساد القائمة على السرية والقوة، وأسقطت معها علاقات دافئة مع أجهزة المخابرات الغربية، تلك التى استخدمت جوازات سفر رعاياها لتنفيذ العملية الفاشلة!.

إن (الموساد) الذى اختلف المؤرخون على تاريخ تأسيسه، فتارة هو عام 1951، وتارة عام 1953، وأخرى تعود به إلى عام 1937 وأياً كان تاريخ نشأته والذى سنتحدث عنه لاحقاً فإنه من المؤكد أن نشأته واكبت تأسيس هذا الكيان الصهيونى (1948) بل وسبقته.

هذا الجهاز كان يمثل بالنسبة للإسرائيليين رمز القوة إلى التحدى وعنوان السيطرة والنجاح، إلى حد أنهم يلقبونه بـ(عين داود) نسبة إلى وهمهم التاريخى بالانتساب لأنبياء الله (داود وسليمان)، فجأة فشل فى (دبى)، رغم نجاحه فى اغتيال الهدف (المبحوح). والفشل تنوعت دوائره واتسعت، إلى حد يصعب السيطرة على تداعياتها وآثارها المستقبلية، حول هذا الجهاز الأسطورة، والذى بدأ رحلة سقوطه، ليس من دبى فحسب بل من قبلها فى لبنان على أيدى رجال حزب الله، وفى فلسطين على أيدى أبطال المقاومة والانتفاضة، حوله نتحدث ونبحث.

أقسام الموساد

أما عن أقسام الموساد فهو يتشكل من عشرة أقسام وكل قسم من هذه الأقسام له مهمة خاصة به، ولا شك أن هذه الأقسام هى عبارة عن حلقات مفصولة عن بعضها، وهذه الأقسام هى:

1- القيادة العامة 2- جمع المعلومات والأرشيف 3- الدراسات والتقييم 4 – المراقبة والتجسس 5- التجنيد 6- النفوذ 7- التقنيات 8- التدريب والتخطيط 9- مكافحة التجسس 10- العمليات.

أما أبرز مهام ووظائف الموساد فهى:

v     إدارة شبكات التجسس في جميع الأقطار الخارجية وزرع عملاء وتجنيد المندوبين فى كافة الأقطار.

v   إدارة فرع المعلومات العلنية الذي يقوم برصد مختلف مصادر المعلومات التي ترد في النشرات والصحف والدراسات الأكاديمية والإستراتيجية في أنحاء العالم.

v   وضع تقييم للموقف السياسي والاقتصادي للدول العربية، مرفقا بمقترحات وتوصيات حول الخطوات الواجب إتباعها في ضوء المعلومات السرية المتوافرة.

v     التخطيط والتنفيذ لعمليات خاصة خارج حدود دولة الكيان الصهيوني.

الهيكلية الحديثة للموساد

الموساد جزء من مجتمع الاستخبارات والمكون من (أمان: المخابرات العسكرية، الشاباك: الأمن العام، والموساد) والأخير وفقاً لأحدث المعلومات يضم ما بين 1500 و2000 عنصر منهم حوالى 500 ضابط وشبكة من العملاء فى جميع أنحاء العالم يقدر عددها بحوالى 30 ألفاً منهم 15 ألفاً فى بيات شتوى، وبدأت ميزانية الموساد مع التأسيس 20 ألف دولار و5 آلاف للعمليات التخريبية والاغتيال والتصفية وتبلغ حالياً ما بين 650 مليون دولار إلى 800 مليون ينفق منها على العمليات الخارجية حوالى مليون دولار يومياً!

ورغم تعدد أقسام ووحدات وأفرع وشعب الموساد إلا أن وحدة العمليات الخارجية تعتبر الأهم ويطلق عليها (قيساريا) وتضم وحدة العمليات الخاصة المنفذة لعمليات الاغتيال والتصفية ويطلق عليها (ميتسادا) وتتكون من 55 عنصراً من بينهم عشر سيدات ويتفرع منها وحدة أخرى صغرى معروفة باسم (كيدون) أى وحدة العمليات الجسورة وعدد أفرادها قليل جداً ويقيمون وبشكل شبه دائم ويتدربون فى قاعدة عسكرية بصحراء النقب.

وعملية المبحوح لمن لا يعلم بعد فضحها ستتسبب وفقاً للصحف العبرية فى طرد ربع وحدة العمليات الخاصة (ميتسادا) بعد نشر صورهم وفضحهم، وسيتم طرد ثلث وحدة العمليات الجسورة (كيدون) وسيطرد رئيس الموساد الحالي (مائير داجان) ولن تتوقف آثارها وتداعياتها الخطيرة سواء داخل إسرائيل أو خارجها فى علاقاتها مع الدول العربية والغربية التي تواطأت معها فى هذه العملية.

هذه الهيكلية والتقسيمات تدفعنا إلى أن نبحث في أبرز العمليات الإرهابية للموساد فدعونا نفتح ملفاته القديمة/ الجديدة خاصة خارج فلسطين الذي يعد اغتيال المبحوح حلقة منه، حيث يحدثنا التاريخ أن هذا الجهاز قام باغتيال الدكتورة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية في أثناء زيارتها لكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية فى 15 أغسطس 1952،

وفى 10 أبريل 1973 نفذ جهاز المخابرات الإسرائيلى (الموساد) مجزرة (فردان)، حيث تم اغتيال 3 من قادة منظمة التحرير الفلسطينية وهم: كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، حيث قاد العملية (إيهود باراك)، رئيس الوزراء الصهيوني السابق وزير الدفاع الحالى، ومعه (أمنون شاحاك)، وزير السياحة السابق.

كما اختفى الدكتور نبيل القلينى، عالم الذرة المصرى، كذلك عام 1975، ولم يعرف مصيره حتى اليوم واتُهم جهاز الموساد باختطافه وقتله، ومنهم أيضاً الدكتور سمير نجيب، عالم الذرة المصري الذي اغتيل في تشيكوسلوفاكيا، وفى 28/3/1978 اغتيل وديع حداد، القيادى فى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبر تسميمه بشيكولاتة بلجيكية قيل إنه اشتهر بحبها فأحضرها له عميل عراقي يعمل في الموساد.

وفى عام 1979 اغتالت يد الموساد قائد قوات الصاعقة زهير محسن، وفى عام 1980 امتدت جرائم الموساد إلى عالم الذرة المصري يحيى المشد، الذى كان يعمل فى العراق فقتل فى الغرفة رقم 941 بفندق الميريديان بباريس، وفى عام 1988 اغتال الموساد أحد مؤسسى حركة التحرير الوطنى الفلسطينى (فتح)،

ومن أبرز قادتها وهو خليل الوزير (أبوجهاد) فى تونس حيث تم قتله مع عدد من حراسه على يد فرقة من الجيش الإسرائيلى أمام زوجته وأولاده بشكل بارد، كما قتل زعيم حركة (الجهاد الإسلامى) د.فتحى الشقاقى فى مالطا عام 1995 أثناء رحلة عودته إلى دمشق من ليبيا التى ذهب إليها ليحل مشكلة المبعدين الفلسطينيين، وفى عام 1997 تمت محاولة اغتيال خالد مشعل، الرئيس الحالى للمكتب السياسى لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، فى العاصمة الأردنية عمان عبر رش مادة سامة قوية ضد الأعصاب فى أذنه (واستخدم فيها جواز سفر كندى مزور كعادة الموساد)،

وقد تأزمت العلاقة بين الأردن وإسرائيل وبضغط الملك حسين ملك الأردن الراحل، اضطرت إسرائيل لإرسال دواء لإزالة آثار تلك المادة السامة.

ومن أبرز الأسماء التى قتلها الموساد: عماد مغنية القائد العسكرى للمقاومة الإسلامية فى لبنان الذى قتل فى دمشق عام 2008، وياسر عرفات الذى قيل إنه مات مسموماً بفعل (سم حديث) من صنع معامل الموساد البيولوجية، وعشرات القادة والمجاهدين العرب حتى يومنا هذا، ومع التطبيع السياسي والاقتصادي للعديد من الدول العربية مع الكيان الصهيوني، زادت هذه العمليات، لأنها امتلكت الغطاء الشرعي- للأسف- للعمل بحرية في 12 دولة عربية، تطبع سراً أو علناً مع إسرائيل وسنأخذ أمثلة لدولتين، أو بؤرتين للمقاومة العربية حاول الموساد اختراقهما عبر الاقتصاد والسياسة.

من لبنان إلى العراق: نار المقاومة والموساد

لم يقتصر الدور التخريبى للموساد على دولة عربية بعينها، فلقد شمل نشاطه الإرهابى الدول العربية كافة، إلا أن المراقب لتاريخ عملياته يرصد أن وتيرتها زادت أكثر فى البلاد التى بها مقاومة أو تلك التى تشتعل فيها الحروب، فقديماً كانت مصر وسوريا والأردن، واليوم أضحت بلدان أخرى فى مقدمتها لبنان وتليها العراق، أما فى لبنان وحديثاً جداً استطاعت أجهزة الأمن هناك إسقاط شبكاته وتدميرها خاصة فى الشهور الأخيرة،

حيث تحدثنا الأخبار الواردة من لبنان أنه عقب توقيف الضابط اللبنانى أديب العلم، فى يوم 10/4/2009 توالى سقوط شبكات عملاء الموساد فى لبنان التى وصل عددها حتى كتابة هذه السطور35 شبكة، ويعتبر الضابط أديب العلم صيدا مهما، وتسبب توقيفه فى كشف أفراد آخرين فى الشبكة، خصوصًا أن التحقيقات بينت أنه عمل لصالح الموساد الإسرائيلى لمدة 25 عامًا، وكان قد تقاعد من عمله فى جهاز الأمن اللبنانى فقط منذ ثمانى سنوات.

ومنذ كشف شبكة هذا الضابط اللبنانى، تمكن الأمن اللبنانى، ونتيجة متابعة كان قد تم التحضير لها على مدى حوالي 18 شهرا ‏‏بالتعاون مع مخابرات حزب الله ، من تحقيق ضربة أمنية موجعة لجهاز الأمن الخارجى الإسرائيلى (الموساد).‏ فقد قام فرع المعلومات فى قوى الأمن الداخلى وبالتنسيق مع مديرية ‏المخابرات فى قيادة الجيش اللبنانى وأمن المقاومة، عبر شبكة العلم، بفتح أبواب عدد كبير ‏من شبكات التجسس الإسرائيلية فى لبنان بواسطة معطى تقنى أوصلهم المعلومات ومعطيات وفرت للأمن اللبنانى الدخول على أكثر من مائتى هدف ‏إسرائيلى محتمل على الأراضى اللبنانية.‏

وتم إلقاء القبض على أفراد خلايا من الشبكة التجسسية تباعًا، الذين كانوا من أبرز أهدافهم التجسس على حزب الله وقياداته وقيادات فلسطينية أخرى تعيش فى لبنان، كما وتم التحفظ على معدات تجسسية متطورة لديهم، كانوا قد استخدموها للعمل، إضافة إلى أجهزة اتصالات متطورة.

العراق.. والموساد

من بين (الأهداف الاستراتيجية الرئيسية للموساد) يأتى دوره فى العراق خاصة بعد الاحتلال الأمريكى عام 2003، حيث عمل من خلال 25 شركة اقتصادية وعسكرية وفى مجالات أخرى تعمل بشكل غير مباشر وتحت لافتات أجنبية يمثل أغلبها غطاءً لعمليات الموساد فى العراق.

وقد تم الكشف عن أن عميلاً للموساد آخر هو المحامى (مارك زال)، والمقرب أيضاً من حزب الليكود يسيطر على الاستثمارات العالمية فى العراق، وعين مستشارا لشركة عراقية مقربة من الحكومة العراقية.

ويقوم أصحاب الشركات الإسرائيلية بتصدير منتجاتهم إلى العراق عن طريق (مارك) الذى زار العراق بعد انتهاء الحرب عدة مرات.

هذا وقد أكدت الحقائق المنشورة عن هذا التغلغل الإسرائيلى أنه قد تم إسناد مهام التنفيذ لهذا الاختراق للجنرال الإسرائيلى والخبير الأمنى الاستراتيجى «نورمان حيزك»، وقالت الوثائق المنشورة إن الإسرائيليين يحاولون تحقيق عدة أهداف استراتيجية فى العراق أهمها ضرب وتشويه المقاومة العراقية من خلال عمليات إرهاب ضد المدنيين تنسب لها توصيل خط أنابيب للنفط والماء من العراق إلى إسرائيل لحل مشكلتى الطاقة وقلة المياه للشرب.. بالإضافة إلى توطين أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين فى العراق من أجل التوسع فى بناء المستوطنات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة.

كما يهدف الإسرائيليون إلى الاستثمار فى العراق والاستفادة من التماس المباشر لها مع إيران من أجل إثارة الخلافات والتخريب فى الداخل واستخباراتيا بهدف مراقبتها عبر نقاط محددة فى الأراضى العراقية.

(الموساد).. ضد أصدقاء إسرائيل أيضاً

والموساد لم يقتصر دوره الإرهابى على جماعات المقاومة الفلسطينية والعربية المعادية له، بل امتد دوره الإرهابى إلى الأصدقاء والحلفاء حيث هناك قرابة الـ45 عملية تجسس على مصر منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978 أبرزها (عزام عزام وعائلة مصراتى) إلى التجسس على أمريكا (عملية بولارد) وصولاً إلى الإرهاب وقتل اليهود أنفسهم من هؤلاء الذين لم يؤمنوا برسالته ولا بعنصرية كيانه، والتاريخ شاهد وجميعنا يتذكر عملياته فى مصر أوائل الخمسينيات ضد أهداف يهودية بهدف إجبار اليهود المصريين على الهجرة لإسرائيل حيث الأمان الموعود! وضبط العديد من الشبكات فى هذا الوقت وأشهرها العملية المسماة عملية (لافون) أو (سوزانا)،

وكان للجاسوس المصرى «البطل القومى الشهير» رفعت الجمال المعروف إعلامياً باسم رأفت الهجان دور فى كشفها، وفى أيامنا تلك نتذكر ما قام به الموساد ضد (مردخاى فعنونو) العالم النووى الإسرائيلى الذى تجرأ على كشف معلومات عن الأسلحة النووية الإسرائيلية علناً أمام وسائل الإعلام العالمية، واستطاع خلال فترة عمله أن يقوم بتصوير أجزاء حساسة داخل المفاعل النووى قرب مدينة ديمونة كاميرا محمولة، ثم قام بتهريبها إلى خارج إسرائيل إلى إنجلترا،

وفى إنجلترا تعرف على صحفى بريطانى أقنعه بضرورة نشر ما لديه من وثائق حتى يعلم العالم حقيقة المفاعل النووى «ديمونة»، لكن أجهزة الموساد استطاعت ومن خلال عملائها أن تقوم بإلقاء القبض عليه بعد أن كان قد سافر إلى أستراليا، حيث غير ديانته وتم إغواؤه بواسطة إحدى عملاء الموساد، التى أقنعته بالسفر إلى إيطاليا ومنها تم تخديره وشحنه بحرياً إلى تل أبيب، حيث حوكم بتهمة الخيانة العظمى وإفشاء أسرار عسكرية حساسة، وصدر عليه حكم بالسجن مدى الحياة.

لقد شعر العالم كله بالصدمة عندما نشرت صحيفة (صنداى تايمز) ما كشفه «فعنونو» من أسرار الترسانة النووية الإسرائيلية في الخامس من أكتوبر عام 1986، عندما علمت إسرائيل عن تسريب المعلومات النووية، تم اختطاف «فعنونو» بواسطة عملاء الموساد بطريقة سرية، ووضع في السجن لمدة ثماني عشرة سنة، قضى 11 سنة منها بالسجن الانفرادي، تم إخراجه من السجن في 21 أبريل 2004، ويخضع الآن لكثير من القيود حول سفره وعلاقته مع وسائل الإعلام أو حتى التحدث بالهاتف، والطريف أن «فعنونو» يرفض التحدث باللغة العبرية رفضاً منه لعنصرية هذا الكيان الصهيوني!!!

هذا هو الموساد قوة تدميرية ضد العالم أجمع، وليس الفلسطينيين وحدهم، أسطورة بنت مجدها على تلال من جماجم الأبرياء والمقاومين الشرفاء، (عين داود) التي أصابها العمى وغرور القوة، فسقطت أول ما سقطت على أيدي المقاومة المصرية السورية في حرب 1973، ثم على أيدي المقاومة اللبنانية والفلسطينية الباسلة طيلة الثمانينيات وحتى اليوم 2010، ولم تكن فضيحة سقوطهم في دبي بعد اغتيالهم للقائد الفلسطيني محمود المبحوح، سوى أحدث حلقات العمى،

ولم تكن الخبرة والتقنية الحديثة التي يتمتع بها أمن دبي وحده هي التي تقف خلف كشف الجريمة، إن ما نسيه الجميع ونريد أن نذكر به أن بركة دم الشهيد المظلوم ليست بعيدة عن اللعنة التي أصابت الموساد، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون «والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم» صدق الله العظيم، وهو نور كان من القوة والعمق بحيث أعمى (عين داود) شديدة الغرور، لتسقط الأسطورة من مجدها الزائف!

مقالات ذات صلة