عين على العدو

الرقابة العسكرية تلعب دورا كبير في الحرب الأمنية الصهيونية

المجد – خاص

تعتبر الرقابة العسكرية حلقة هامة في سلسلة حلقات ضبط العلاقة بين السلطة والإعلام في دولة الكيان، ومهمتها إملاء المواقف المحددة في الموضوعات الأمنية، ورغم التطور الكبير الذي شهدته وسائل الإعلام الصهيونية في مجال النقاشات اليومية والشؤون السياسية، إلا أن الجانب الأمني ما زال متحكما في انطلاقتها، فارضا نفسه بقوة عليها، بداعي المصلحة الأمنية.

 

وقد كان آخر ما دور لعبته الرقابة وهو منع المخابرات الصهيونية الصحف وبقية وسائل الإعلام من نشر نبأ عن اعتقال ومحاكمة صحافية يهودية للاشتباه بأنها ارتكبت مخالفات خطيرة تصل حد الخيانة والتجسس, وتتعلق بنشر تقرير للصحافي أوري بلاو في «هآرتس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، يكشف فيه وجود وثائق سربت من الجيش الصهيوني تفيد بأن عناصر عسكرية أقدمت على قتل فلسطينيين من المطلوبين ومن المدنيين من دون داع, وأن القتل تم بشكل متعمد, وأن رئيس أركان الجيش غابي اشكنازي وغيره من الجنرالات صادقوا على هذه الاغتيالات.

 

وهناك بعض الموضوعات اعتبرت خلال الحرب الأخيرة على غزة أسرارا لا يمكن للصحافة التعاطي معها، حتى لو روجها الإعلام الخارجي، ومنها: خطف الجنود ومقتلهم، الخسائر البشرية، أماكن سقوط صواريخ المقاومة.

 

وزيادة في تشديد الرقابة، تم توسيع سلطة الرقيب العسكري، بحيث أفسح المجال أمامه للتدخل في حالات عديدة لمنع إذاعة ونشر تقارير صحفية عن قضايا عدة بحجة أنها تمس الأمن العسكري، وهو ما كان مجال نقد من الإعلام، حتى أن الرقيب وصف في بعض الأحيان بأنه يتعامل مع الإعلام كعدو في الجبهة العسكرية.

 

وقرر الجيش تقليص التغطية الإعلامية لحربه الأخيرة على غزة، بعد سماع انتقادات من قبل ساسة إسرائيليين وجهوها إليه، لأن صور الجنود المحتلين ليست مرغوبة لمن هم "وراء البحار"، وبالتالي تم تغيير السياسة بحيث تتحول إلى تواجد مكثف للجنود مقابل تغطية إعلامية محدودة، وان الحديث يدور عن عملية محدودة، وليس عن حرب واسعة.

 

ليس ذلك فحسب، بل إن وسائل الإعلام طولبت مرات عديدة خلال فترة الحرب التي استمرت 22 يوما،  بعدم بث بعض الأخبار والأحداث بحجة أنها مواد دعائية معادية، ومنها خطابات زعماء المقاومة، لأن هدفها بث الخوف واليأس وسط الجمهور الإسرائيلي، كما أن بث أشرطة الفيديو لمنفذي العمليات الفدائية لا يخدم الحقيقة الإعلامية، بل يخدم التأويلات المقصودة "للعدو"، وبالتالي لا يجب على الإعلام الصهيونية أن يتعاون في هذا المجال، كما أن الجمهور الصهيوني غير معني بأن يصل "المخرب الانتحاري" في المساء إلى صالون بيته عبر شاشة التلفاز، بعد أن زاره ظهرا في شوارع سديروت!

 

وكجزء أساسي في العملية الرقابية، استخدمت وسائل الإعلام الصهيونية عددا من المصطلحات الانتقائية الدلالة والتعبير في كل ما يتعلق بأحداث الحرب، ولم يقتصر اختيارها على مصطلحات معينة لتستعمل مرة واحدة فقط، بل الملاحظ أن كثرتها أصبحت ثابتة، وذات استعمالات متكررة في حالات مختلفة، كما تجدر الإشارة إلى أن أسلوب الانتقائية في إيراد المصطلحات لا يرتكز لقاعدة صحافية إعلامية فحسب، بل هي سياسية وعقائدية في معظم الأحوال.

 

وحاولت وسائل الإعلام التساوق مع المؤسسة الأمنية التي أملت عليها عددا من المصطلحات، أصبحت فيما بعد جزءا من قاموس الإعلامي الصهيوني اليومي، خلال تغطية أيام الحرب، ومنها:

        لمخربين والإرهابيين، بدلا من الفدائيين والمقاومين.

        الفلسطينيين، بدلا من الشعب الفلسطيني، ولكل من العبارتين مدلولهما الكبير.

        العمليات الوقائية، بدلا من عمليات التوغل والاقتحام للمدن.

        المستوطنون، يصفهم بالسكان.

        المستوطنات، البلدات والأحياء.

        إغلاق، بدلا من منع الدخول إلى إسرائيل.

        أعمال هندسية ذات طابع أمني، بدلا من تجريف الأراضي الزراعية.

        خطوات أمنية، بدلا من عمليات انتقام وعقاب.

        عمليات إحباط موضعية، بدلا من تصفية واغتيال.

 

وهكذا صاغ الإعلام الصهيوني مصطلحات كثيرة، حتى لا يتساءل أحد من المسئول عن: "دائرة العنف في الشرق الأوسط، حلقة الإرهاب، مسئولية الطرفين، الصدامات بين الجانبين، المواجهات بين المسلحين"، وغيرها مما تسرب بعضها إلى الإعلاميين العربي والغربي، دون التدقيق في ماهيتها، ودون تفحص الأهداف التي تتخفى تحت رداء اللغة.

 

وقد اعتبرت المعركة الأقوى التي خاضتها الرقابة العسكرية استخدام الأسلحة المحرمة، والمخاوف من محاكمة مجرمي الحرب، حيث نفوا في البداية استخدامها، وعندما أكدتها منظمات دولية، قالوا إنهم يحققون في الأمر بجدية، ثم بدأت خطوات دعائية ونفسية وإعلامية لصرف الأنظار عنها، وإبعاد الانتباه عنها لقضايا أخرى مثل تهريب حماس للسلاح.

 

واستمرارا لذلك، جاءت الرقابة العسكرية بأوامر لمنع نشر أسماء ورتب وصور الجنود والضباط الصهاينة في الصحف، وحصول المسئولين الذين يعتزمون السفر إلى أوروبا، بصفة شخصية أو في إطار العمل، على تعليمات من النيابة العامة العسكرية، أو منع بعضهم من مغادرة إسرائيل بسبب التخوف من صدور أوامر اعتقال دولية ضدهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى