الأمن المجتمعي

هجمة صهيونية تتطلب حملة وطنية

المجد-

يدخل المريض الفلسطيني إلى معبر بيت حانون من أجل المرور إلى حيث العلاج والشفاء من أدواء الجسد، فيجد كل الأعين الصهيونية العاملة هناك تترصد هذا القادم من غزة، وتتوحد دوافع ومهام هؤلاء في مهمة واحدة : هل يمكن تجنيد هذا الفلسطيني ليكون عميلاً للمخابرات الإسرائيلية، وليصبح عيناً على غزة .. كل غزة … ؟

هذه الصورة هي اختزال لمعاناة الفلسطيني الباحث عن أهم متطلبات الحياة الكريمة، فهو إن لم يكن مريضاً فهو يطلب السفر من أجل الدراسة أو العمل، وإن أتيحت الفرصة له – من زحام قيود الاحتلال – فهو يتهرب إلى داخل الكيان ليعمل – أي عمل – من أجل قوت أولاده.

والفلسطيني في نظر الكيان الغاصب هو عدو تجب محاربته، وأفضل الغايات في هذه الحرب هو تحويل المقاتل إلى عميل مخبر، وكلما كان العميل فاعلاً في دوائر المقاومة كان مبرر استهدافه من قبل مخابرات العدو أكثر قوةً وأهمية.

هناك .. في داخل الكيان .. التاجر، ورئيس العمال – المعلم – الطبيب في المستشفى، والمقامر في الملهى… جميع هؤلاء هم أدوات فاعلة في هجمة الاحتلال على الشعب الفلسطيني من أجل إسقاط ما يمكن إسقاطه في وحل العمالة..

وحسب اعترافات العديد من العملاء، يتبين لنا كم هي حجم المؤامرة ودناءة المحتل.. فالطبيب في المستشفى يجد أن ابن المريضة لا يملك ثمن العلاج فيخبر بذلك الجهات الأمنية .. وعندها يتقدم رجل المخابرات بيد دافئة لتمسح هموم الفلسطيني وتدفع كل تكاليف العلاج بل وزيادة، ولكن مقابل العمالة.. وإذا ما كان الرفض هو الجواب، فإن المريض – أو المريضة – لن يعالج، وإنما الموت هو المصير المحتوم..هكذا .. بلا أدنى احترام للمشاعر الإنسانية أو للقيم والأخلاق..

ورئيس العمل يبتز العامل بأن يفتح له مجال العمل ورزق عياله ولكن هناك رجل سيكلمه في مهمة من الضروري الموافقة عليها – هذا الرجل هو ضابط المخابرات- وهكذا تكتمل الصورة القاتمة بأن كل (إسرائيل) هي، رجل مخابرات وقديماً قالوا "إسرائيل مؤسسة عسكرية لها دولة ".

وهذه المقولة فعلاً تحاكي الواقع الذي تجتهد فيه بأن كل أدوات وأذرع الكيان هي متعاونة تماماً في مهمة تجنيد العملاء لصالح الاحتلال.

تلك الصورة القاتمة .. تتطلب صورة ناصعة يجب صناعتها في فلسطين كل فلسطين، كون المستهدف الفلسطيني حيثما كان وإن اختلفت أساليب الاستهداف.

ولكل ركن في المجتمع دور يجب أن يتقيد به حتى يتعافى الجسد كله:

فالدوائر الأمنية تلاحق العملاء وتكتشف سبل التجنيد وتضبط المشتبه بهم وتعيد سهام العدو إلى نحره عبر محاولات هجومية مضادة سيكون لها الأثر الفاعل وإن تواضعت في الإمكانيات.

والمحاكم والقضاء يعجل في تنزيل الأحكام في العملاء، كل حسب جرمه وإن كانوا جميعاً يصنفهم القانون بالخونة ابتداءً.

والمجلس التشريعي يجتهد في طرح قوانين خاصة تناسب الحالة الراهنة من حيث قوة الردع، وسبل العلاج لتوائم بين الشدة واللين.

والإعلام له الدور الأبرز، ومن حيث إن الموضوع المطروح هو وطني جامع بامتياز ، وتغييب الدوافع الحزبية والمصالح الشخصية لتصب جميعها في صناعة رأي عام يتجاوز الحالة الفلسطينية، ليصل إلى المستهدف – وكل العرب مستهدفين – حيثما كان وأينما وجد.

والفصائل تعتبر الأمر هو رأس أولوياتها كونهم على رأس الاستهداف في المجتمع وإعداد مناهج تدرس لعناصر التنظيم من أجل أن يقي مصارع التجنيد ثم لينتقل ليأخذ دوراً فاعلاً في محاربة العملاء والخونة.

ومؤسسات المجتمع الأهلي يجب أن تترك قليلاً قائمة المصطلحات التي تنشط في الدعاية لها من أجل هذه القضية والتي إن صدق النازع الوطني سيجعلها الأهم والأبرز في كل منشط من مناشط تلك المؤسسات، فلا معنى للديمقراطية إن سمحت للعميل ( الآخر ) يعيث في الأرض فساداً، ولا معنى لرفض الإعدام إن أعطى للخيانة دافعية البقاء والحياة.

وهكذا تمتد المشاريع الوطنية لتملأ فضاء الوطن في محاربة ظاهرة العمالة وكل منابع وبؤر وجودها .. ولتصل هذه المشاريع إلى رب الأسرة في بيته والمعلم مع طلابه، وخطيب المساجد أمام المصلين ومختار العائلة أمام رعيته وأبناء حمولته..

ولعل كل ما سبق يمكن أن يستظل بالحملة الوطنية لمواجهة التخابر لنكفل لهذه الحملة الاستمرارية وجودة العطاء واستدراك ما فات، فالاحتلال اجتهد علينا بما يزيد على الـ 62 عاماً ، فهل يمكننا على أقل تقدير أن نبدأ نحن اليوم في صد الهجوم لنصل إلى موقع الهجوم المضاد .. فهذا هو المطلوب وطنياً .

محمد لافي

مقالات ذات صلة