تقارير أمنية

أزمة جواسيس نائمين تهدد العلاقات الأميركية ـ الروسية

المجد-

عاشوا لأكثر من عشرة أعوام في مدن أميركية، من الساحل الغربي إلى الشرقي، وكان ينظر إليهم على أنهم أزواج عاديون يؤدون وظائف عادية، ويتبادلون أطراف الحديث مع الجيران عن المدارس، ويعتذرون عندما يُحدِث أولادهم المراهقون ضوضاء. لكن هؤلاء الأشخاص الـ11 جرى اتهامهم أول من أمس من قبل مدعين فيدراليين بأنهم جزء من شبكة تجسس روسية، والإقامة تحت أسماء مستعارة، والسعي إلى اختراق ما وصف في رسالة مشفرة بـ«دوائر صنع السياسات» داخل أميركا. وعلى الفور، نفت روسيا هذه المزاعم وطالبت بتوضحيات وحذرت أيضا من تأثيرها على العلاقات الآخذة في التحسن بين البلدين.

وبلغ تحقيق مكتب المباحث الفيدرالي، الذي بدأ قبل سبعة أعوام على الأقل، ذروته بعمليات اعتقال طالت 10 أشخاص يوم الأحد، في يونكرز وبوسطن وشمال فيرجينيا. وتناولت الوثائق بالتفصيل ما وصفته السلطات الأميركية بأنه «برنامج لأشخاص غير شرعيين»، سعت من خلاله خدمة الاستخبارات الخارجية الروسية، التي خلفت جهاز «كي جي بي» السوفياتي، إلى زرع جواسيس روس داخل الولايات المتحدة لجمع معلومات وتجنيد مزيد من العملاء.

وطُلب من العملاء المزعومين جمع معلومات عن الأسلحة النووية والسياسة الأميركية حيال إيران وقيادة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وسياسة الكونغرس والكثير من الأمور الأخرى، حسب ما أفاد الادعاء. واتصل الجواسيس المفترضون بمسؤول أميركي سابق رفيع المستوى في مجال الأمن القومي وبباحث في الأسلحة النووية وبآخرين. لكن التهم لم تشمل التجسس، ولم يتضح بعد ما هي الأسرار التي تمكنت شبكة التجسس المشتبه فيها، والتي تضم خمسة أزواج، من جمعها بالفعل.

وبعد أعوام من متابعة مكتب المباحث الفيدرالي، قرر المحققون إلقاء القبض على المشتبه فيهم نهاية الأسبوع الماضي بعد أيام من زيارة اتسمت بالتفاؤل قام بها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، حسب ما قاله مسؤول في الإدارة الأميركية. وأشار المسؤول إلى أن أوباما لم يكن سعيدا بالتوقيت، لكن المحققين يخشون من إفلات المشتبه بهم.

وسارعت موسكو أمس إلى التأكيد على أن مواطنيها الموقوفين لم يمارسوا أي نشاط مباشر ضد المصالح الأميركية، وحذرت من تأثير الاعتقالات على العلاقات الروسية – الأميركية. وانتقد رئيس الوزراء فلاديمير بوتين اعتقال المجموعة المشتبه بها، وقال إنه يأمل أن لا تؤدي هذه الفضيحة إلى انتكاسة في العلاقات الروسية – الأميركية الآخذة في التحسن. وأضاف متحدثا إلى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون «في بلادكم خرجت الشرطة عن السيطرة وزجت بأناس في السجن. آمل أن لا تتضرر كل المكاسب الإيجابية التي تحققت في علاقتنا جراء هذا الحدث الأخير».

كذلك قالت الخارجية الروسية في بيان إن الروس الذين اعتقلوا في الولايات المتحدة للاشتباه بقيامهم بالتجسس لم يمارسوا أي نشاط مباشر ضد المصالح الأميركية. وقال البيان: «بخصوص الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة إلى مجموعة من الأشخاص تشتبه بقيامهم بالتجسس لمصلحة روسيا، نؤكد أن ذلك يتعلق بمواطنين روس تواجدوا على الأراضي الأميركية في أوقات مختلفة». وأضاف: «إنهم لم يقوموا بأي عمل موجه ضد مصالح الولايات المتحدة». كما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من القدس حيث كان يقوم بزيارة رسمية، إن موسكو تنتظر إيضاحات واشنطن حول احتجاز المواطنين الروس في الولايات المتحدة بتهمة التجسس لصالح روسيا. وأضاف: «إن الجانب الأميركي لم يقدم أي إيضاحات حول ما حصل في توقيت محدد». وأشار إلى أن اعتقال الأشخاص المعنيين «اختير بعناية». من جانبه أعلن أندريه نيستيرينكو المتحدث باسم الخارجية الروسية أن الإعلان عن قصة التجسس المزعومة يستهدف أغراضا دنيئة، مشيرا إلى الغموض الذي يكتنف هذه المسألة فيما تساءل عن الأسباب التي دعت وزارة العدل الأميركية إلى إصدار مثل تلك البيانات المفعمة بروح الحرب الباردة.

كذلك، كشف نيكولاي كوفاليوف الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية عن وجود القوى التي قال إنها تختلف مع الرئيس الأميركي أوباما في توجهاته نحو «إعادة إطلاق العلاقات» مع موسكو وتريد إحباطها. وأشار كوفاليوف إلى عبثية المبررات والاتهامات التي طرحها الجانب الأميركي ومنها «الإقامة بشكل غير شرعي وغسل الأموال، فيما وصف ملابسات القضية بأنها قصة بوليسية رخيصة» تتسم بالغباء على حد قوله. وأضاف رجل المخابرات السابق أن المقبوض عليهم مواطنون أميركيون وليسوا دبلوماسيين أو مواطنين روسا. أما ميخائيل لوبيموف الجنرال السابق في لجنة أمن الدولة «كي جي بي» فقد ناشد الجميع عدم تعجل إصدار الأحكام حول هذه القضية.

وذكرت الدعاوى الجنائية التي رفعت أمام محكمة فيدرالية في مانهاتن أول من أمس بأفلام الحرب الباردة القديمة: جواسيس يتبادلون حقائب برتقالية متماثلة بينما يمرون سريعا إلى جوار بعضهم البعض على سلم بمحطة قطار، واستعارة هوية من كندي ميت، وجوازات سفر مزورة، ورسائل عبر الموجة القصيرة أو بالحبر غير المرئي، وأموال مدفونة لأعوام داخل ملعب داخل نيويورك.

كما استخدمت شبكة مَن وُصفوا بغير الشرعيين، في إشارة إلى جواسيس يعملون باستخدام أسماء زائفة خارج التغطية الدبلوماسية، تقنية عبر الإنترنت، وفقا لما ورد في التهم. وأدرجوا نصوصا مشفرة في صور تبدو عادية أرسلت عبر شبكة الإنترنت.

وأصيب جيران في منطقة مونتكلير بنيوجرسي بحالة من الذهول عندما جاء فريق من المباحث الفيدرالية مساء الأحد إلى منزل جاريهما يُدعيان ريتشارد وسينثيا مورفي، واقتادوا الزوجين والأصفاد في أيديهما. وقال شخص إنهما طلبا من الناس نصائح تتعلق بالمدارس المحلية، وأعرب آخرون عن شعورهم بالقلق على بنات مورفي، اللواتي ما زلن في المرحلة الابتدائية. وقالت جيسي غوجيغ، 15 عاما، إنه لا يمكنها تصديق هذه التهم، لا سيما الموجهة ضد مورفي. وقالت وهي تضحك: «لا يمكن أن يكونا جاسوسين، انظر إلى ما قامت به مع الأزهار».

وأعرب خبراء في الأنشطة الاستخباراتية الروسية عن دهشتهم من حجم ومدة واستمرارية هذا البرنامج. وأشاروا إلى أن فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء الروسي الرئيس السابق رئيس الاستخبارات، عمل على استعادة هيبة الاستخبارات الروسية وتوفير تمويل لها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

ويقول أولغ كالوغين، وهو جنرال سابق في الـ«كيه جي بي» كان جاسوسا سوفياتيا سابقا داخل الولايات المتحدة خلال الستينات والسبعينات بغطاء «شرعي» حيث كان دبلوماسيا ومراسلا إذاعيا لموسكو: «كان نطاق العمل ومشاركة هذا العدد الكبير من غير الشرعيين مفاجئا بالنسبة لي. إن ذلك يُذكِّر بالأيام الخوالي، ولكن حتى في أسوأ أعوام الحرب الباردة، أعتقد أنه لم يكن هناك أكثر 10 غير شرعيين داخل الولايات المتحدة، وربما كان العدد أقل».

وقال كالوغين، وهو حاليا مواطن أميركي يعيش خارج واشنطن، إنه أعجب باختراق مكتب المباحث الفيدرالي لشبكة التجسس المفترضة. وأُرفقت مع الدعاوى الجنائية تفاصيل كثيرة تم تجميعها خلال أعوام عبر عمليات مراقبة سرية، جرى خلالها مراقبة هواتف وحسابات بريد إلكتروني ووضع ميكروفونات سرية في منازل العملاء الروس المشتبه فيهم ونفذت الكثير من عمليات التفتيش سرا.

وتقول التهم إن السلطات تتبعت مجموعة من العملاء يقيمون في يونكرز خلال رحلات إلى دولة بأميركا الجنوبية لم تحدد، وهناك جرى تصويرهم بالفيديو يحصلون على حقائب بها أموال ويقدمون رسائل مكتوبة بالحبر السري لروس في منتزه عام.

ويقول مدعون إن «برنامج غير الشرعيين» يمتد إلى دول أخرى بمختلف أنحاء العالم. وتقول التهم إنه باستخدام وثائق زائفة يعمل الجواسيس كمواطنين أو مقيمين شرعيين داخل الدول التي يُرسلون إليها، وبينها الولايات المتحدة. وفي بعض الأحيان يسعى غير الشرعيين للحصول على درجات في جامعات دول مستهدفة والعمل في وظائف معينة والانضمام إلى الاتحادات المهنية ذات الصلة.

وساعدت رسالة من رؤساء داخل موسكو، كُتبت بإنجليزية ضعيفة، على الكشف عن تكليفات العملاء. وجاء في الرسالة: «لقد أرسلت إلى الولايات المتحدة الأميركية في رحلة خدمة طويلة الأجل. ولا يخدم تعليمك وحسابات المصرفية والسيارة والمنزل وغيرها سوى شيء واحد: تحقيق مهمتك الرئيسية، أي البحث عن علاقات في دوائر صنع السياسة وتنمية هذه العلاقات وإرسال (معلومات استخباراتية) إلى (مركز)».

ولم يكن واضحا طبيعة التقارير الاستخباراتية، على الرغم من أنه قيل إن أحد العملاء قابل موظفا حكوميا أميركيا يعمل في برنامج نووي. ووُجهت اتهامات بالتآمر، ولكن لم تُوجه تهمة التجسس، وعدم التسجيل كعملاء لحكومة أجنبية، وتصل العقوبة على ذلك في حال الإدانة إلى السجن لمدة لا تتجاوز خمسة أعوام. واتهم تسعة بالتآمر لغسل أموال، وتصل العقوبة في حال الإدانة السجن لمدة لا تتجاوز عشرين عاما. ولم توجه إليهم تهمة الحصول على معلومات سرية.

وكانت هناك إشارات أيضا على أن مسؤولي التجسس في روسيا كانوا يخشون من أن ينسى عملاؤهم الهدف الرسمي الذي بعثوا من أجله. وقدّم عملاء في بوسطن تقريرا حول النفقات تضمن بنودا مبهمة مثل «رحلة لاجتماع» تكلفت 1125 دولارا و«تعليم» تكلفت 3600 دولار.

وفي مونتكلير عندما أراد الزوجان مورفي شراء منزل باسميهما، اعترض «مركز موسكو» (مقر خدمة الاستخبارات الخارجية) على هذه الخطوة. وكتب الزوجان اللذان يعيشان في نيوجرسي في رسالة مشفرة: «لدينا انطباع بأن المركز ينظر إلى ملكيتنا لمنزل على أنه تحول عن الهدف الرئيسي لمهمتنا هنا. ولكن نرى أن شراءنا للمنزل يمثل تطورا طبيعيا لإقامتنا الطويلة هنا. وهذه وسيلة مناسبة لحل قضية السكن، علاوة على أنه تصرف طبيعي في مجتمع يقدر امتلاك المنازل».

وكان جزء كبير من نشاط الشبكة، وعمليات المراقبة التي قام بها محققون من مكتب المباحث الفيدرالي، داخل وحول نيويورك. ورُصد العملاء في متجر كتب داخل لور مانهاتن، وعلى مقعد بالقرب من مدخل المنتزه الرئيسي، وداخل مطعم في صني سيد في كوينز.

وأُجريت عمليات تبادل في أماكن مزدحمة مثل محطة القطار لونغ إيلاند في فوريست هيلز، حيث رصد مراقبون تابعون لمكتب المباحث الفيدرالي عام 2004 متهما غير موقوف حاليا، هو كريستوفر ميتسوس، حسب ما تقول لائحة التهم.

وقد أثارت عمليات القبض لغطا داخل مناطق مختلفة في الولايات المتحدة، حيث قضت فرق مكتب المباحث الفيدرالي مساء الأحد بالكامل في عمليات تفتيش داخل المنازل وسيارات وتصوير وتجميع الأدلة.

وفي كمبريدج بولاية ماساتشوستس، عاش زوجان يُدعيان دونالد هيثفيلد وتراسي فولي، بدا أنهما في الأربعينات ولديهما ولدان مراهقان، في شقة بشارع سكني يعيش فيه طلاب وأساتذة في هارفارد. وتقول مونتس مون كاربرو عن فولي، التي كانت تعيش إلى جوارها: «كانت كريمة للغاية، وكانت لطيفة جدا». وتضيف مون كاربرو أن الطفلين كانا يجرفان الثلوج لها في الشتاء، ولكنهما كانا يقيمان حفلات «صاخبة جدا» أيضا.

وتقول ليلا هنكسنر، التي تعيش في المبنى المجاور، إنها كانت تقول إنها تعمل في قطاع العقارات. وتضيف هنكسنر: «قالت إنهم من كندا». ومن بين المتهمين، ميخائيل سيمينكو، وهو رجل أنيق في أواخر العشرينات كان يقود سيارة مرسيدس «إس – 500»، حسب ما ذكرته تاتيانا داي، التي تعيش بالقرب منه داخل إرلنغتون في فيرجينيا. وتقول إنه كانت لديه خليلة سمراء، وكان الاثنان يتحدثان إلى بعضهما بالروسية.

مقالات ذات صلة