تقارير أمنية

التجسس والحرب بالاتصالات

المجد-

ما حفلت به الأسابيع الماضية من أحداث تتصل بالعدو الصهيوني في لبنان، لا سيّما ما شهدته ساعات الأيام القليلة السالفة حول التجسس في شبكة الاتصالات اللبنانية، ربما قد وصل الى ذروته، لينكشف المشهد الداخلي عن وضع مريب يوجب على المعنيين وضع الحد النهائي له دون هوادة، وصولاً الى تعليق المشانق التي بات أكثر من طرف ينادي بها بعدما استنكروها على الأمين العام لحزب الله عندما طرحها منذ أكثر من سنة.

لم يكن ما حدث في شركة "ألفا" للاتصالات أمراً مفاجئاً بالمطلق، غير أن ما يصدم هو التراخي في التعامل مع هذا القطاع الذي يعتبر صمام الأمان القومي في حرب ضروس تخوضها "إسرائيل" ضدنا في لبنان، أكنا مقاومين أم حلفاء أم مناصرين أو حتى مناوئين لنهج لا نعتبره سليماً في معالجة قضايا الصراع. إلا أن العدو لا ينظر إلينا سوى كحفنة من البشر عليها أن تلتزم بأوامره وتنصاع لإرادته وتخدم مصالحه المباشرة وغير المباشرة. وفي حين لم ينجل الوضع التجسسي لآخر عميل تم الإعلان عنه وليس اكتشافه فقط (حيث أن لائحة المكتشفين تطول)، وبالرغم من كثرة التسريبات التي تم تداولها فإن المعلومات المتوفرة تشير الى أن العميل الصهيوني في شركة "ألفا" هو من بقايا مجموعة المديرة التنفيذية السابقة للشركة "أنيكي بوتر" الهولندية الأصل التي كانت تعمل مع شركة "ديتيكون" الألمانية الشريك الاستراتيجي لشركة "ألفا"، وهي كانت قد غادرت لبنان في العام 2008 في ظروف غير طبيعية تشير مصادر مطلعة على ملفها أنها كانت أحد أهم عملاء الموساد في لبنان…

وبالتالي هي من تولى الإشراف على ترشيح بعض الأشخاص العاملين في الشركة المذكورة ليكونوا في عداد من تجندهم دولة الكيان وفق أمرين:

الأول يتصل بالموقع الذي يشغله الموظف في الشركة وما يمكن أن يوفره من معلومات بحسب قدرته التقنية والمدى الذي من الممكن أن يبلغه في معرفة أسرار الشركة وكيفية التشغيل.

الثاني يتصل بدراسة ملفه الشخصي لناحية ظروفه الاجتماعية كما أهوائه السياسية التي تعتبر مفصلاً مهماً في عملية التجنيد، وصولاً الى الطلب منه الابتعاد عن إظهار تلك الأهواء، خصوصاً إذا ما كانت ضد الطرف المقصود في عملية التجسس حتى لا يثير الريبة عند حصول أي حادث أو وقوع أي خطأ ما من شأنه أن يعرضه للخطر ويطيح كل الإنجازات التجسسية الممكنة. وفي هذا السياق، تشير المصادر الى أن مهمة "بوتر" لا تقتضي تجنيد العملاء مباشرة، وإنما تسهيل عملية التجنيد بما يخدم سرية عملها حيث كان باستطاعتها اتخاذ أي قرار تنفيذي يتعلق بالأشخاص أو التقنيات من دون حرج أو تدخل من أية جهة أخرى داخل الشركة، علماً أن موقعية "بوتر" لدى جهاز الموساد وبحسب التقديرات الأمنية لا ينسجم مع اتخاذ خطوات تعرضها للخطر.

وتنقل المصادر المطلعة نفسها معلومات مفادها أن ظروف مغادرة "بوتر" من لبنان لم تكن عادية حيث أشارت المعلومات الى أن المديرة التنفيذية السابقة لـ" ألفا" لم تغادر عن طريق مطار بيروت، وإنما عن طريق القوة البحرية الألمانية العاملة في إطار اليونيفيل بموجب القرار 1701 التي تولت نقلها الى قبرص بواسطة أحد زوارقها الحربية التي كانت تتمركز قبالة الساحل اللبناني، متسائلة عن حاجتها لسلوك ذلك السبيل للخروج من لبنان على عجل في حين تنامت معلومات في حينه بأن السفارة الألمانية هي التي سهلت عملية الفرار بعد ورودها معلومات حول الاشتباه بـ"بوتر" لناحية عملها مع الاستخبارات الصهيونية .

وتضيف معلومات المصادر بأن الظروف السياسية التي كانت سائدة في فترة تولي "بوتر" لمهامها كانت تساعدها في تنفيذ برنامجها للتجسس وتوفير كامل المعلومات التي تحتاجها المخابرات الصهيونية, مشيرة الى أن أجهزة المقاومة وجهاز الأمن في حزب الله قد أثارا الموضوع مستوضحين الأجهزة الرسمية حول "بوتر" ولكن دون جواب.

وتلفت المصادر الى أن مسألة التجسس على شبكة الاتصالات اللبنانية ليست جديدة، وهذا الأمر كان قد بدأ حزب الله بالتعاطي معه منذ فترة بعيدة حيث لجأ الى إنشاء شبكة اتصالاته الخاصة، ما وفر له عنصر الحماية الأول من الاختراق، كما شكل عنصر الانتصار الأول على العدو بحجب المعلومات عنه على المستويات كافة.

السؤال الذي تطرحه المصادر ذاتها والمعنية بهذا الأمر يتمحور حول المدى الذي من الممكن أن تبلغه مسألة العمالة لدولة الكيان من دون اتخاذ إجراءات رادعة وحقيقية، وما يمكن أن ينتج من ذلك من انكشاف ليس فقط للمقاومة وحزب الله، بل من الدولة، ومؤسساتها على كافة المستويات، حيث أن التنصت يشمل كل قطاعات الدولة وبالتالي لا يمكن لمؤسساتها والمشاريع التي عليها القيام بها أن تستقر وتأخذ حيزها الطبيعي وسط حالة الانكشاف تلك حيث أن كل ما يفعله المسؤولون في الدولة هو عرضة للضرب والتعطيل عدا عن الانكشاف الأمني الذي يطال حياتهم ربما قبل مشاريع الدولة في إطار النوايا الفتنوية للعدو الصهيوني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى