الأمن عبر التاريخ

الصدق والتبين والتثبت من صحة المعلومة

المجد- خاص

الصدق في القول والعمل صفة أمر بها الاسلام ، فقد ورد عن النبي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم :"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبرد يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً". وجاء في التثبت والتبين قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".

­والصدق في القول والعمل لازم لنجاح العمل الاستخباري لكي لا تبنى الإجراءات، والخطط على أكاذيب وأوهام. ومن هنا تنهض ضرورة الاستمساك بالصدق في كل معلومة، وكل قضية، ولا يكون ذلك إلا بالتحري والتمحيص، والمقارنة لإبعاد الظنون، ونبذ الشائعات، وتثبيت الحقائق فهذه أمور ينتج عنها القرار السليم. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الظن فقال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث". وقال صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة". ولما كان العمل الأمني يقوم على الروايات والأخبار وهي تتطلب الصدق في الناقل والراوي، لذا يجب على العاملين بالجهاز أن يصدقوا، ويتحروا الصدق حتى يوثق بأخبارهم، وتقبل روايتهم. قال سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه موصياً سيدنا سعد بن أبي وقاص: "إذا وطئت أرض عدوك فازك العيون بينك وبينهم وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصيحته وصدقه فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه والفاسق عين عليك وليس عيناً لك".

وفي الشعر أيضاً حث على الصدق:

واجعل من الطلائع أهل شهامة          للصدق فيهم شيمة لا تخدع

لا تسمع الكذاب جـاءك مرجـفاً           لا رأي للكذاب فيما يصـنـع

وقال الهرثمي: " لتكن عيونك وجواسيسك ممن تثق بصدقه ونصيحته فإن الظنين لا ينفعك خبره، وإن كان صادقاً، والمتهم عين عليك لا لك"

وصدق رجل المخابرات فيما يتحرى، وما يقول، وما يكتب من تقارير، وتقواه لله في كل كلمة يقولها، ويكتبها يقود إلى الصدق في القرار، والعدالة في الحكم. وهذا بلا ريب فيه صلاح الأحوال، وصدق الحق عز وجل حين قال: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً   يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً".

لذا على رجل المن المسلم أن يصدق، ويتحرى الصدق دائماً وليعلم أن أقواله، وتقاريره هذه تنبني عليها أحكام، وتتخذ على ضوئها قرارات، وأن أي خطأ وكذب فيها يكون عليه وزرها ووزر من عمل به. وعليه أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكذب: " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً". وليعلم أن أي كلمة كتبها، أو قالها في تقريره سيسأل عنها بين يدي ربه يوم القيامة، وأنها مسجلة "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" لذا يلزمه الصدق كل الصدق ولا شيء غير الصدق.

ومن الأمور التي تلزم رجال الأمن بالصدق وتحري الصدق وتكشف كذب خبر الكاذب والفاسق، التحري عما ينقل رجال الأمن، والتثبت من تقاريرهم، وعدم أخذها مأخذ الجد، إلا بعد التأكد من صدقها وصحتها. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". عليه يجب على ضباط جهاز الأمن الإسلامي التثبت من التقارير التي تأتيهم من أفراد الجهاز والتأكد من صحتها ودقتها.

ولقد وضع لنا الرسول صلى الله عليه وسلم منهجاً سليماً للتأكد من صحة المعلومة، والتثبت من التقرير قبل البت في الأمر، واتخاذ القرار. وذلك في حادثة زيد بن أرقم الذي نقل للرسول صلى الله عليه وسلم مقالة رأس المنافقين"… لئن رجعنا إل المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل…" يقصد بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم. وعندما جاء سيدنا زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو غلام لم يبلغ – فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أي أخبره بالمعلومة فتغير وجهه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا غلام لعلك غضبت عليه؟.

قال: لا والله سمعت منه.

قال: لعله أخطأ سمعك؟

قال: لا يا نبي الله.

قال: فلعله شبه عليك؟

قال: لا ما كان للناس حديث إلا هو.

من النص السابق نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ثلاثة احتمالات قبل أن يتبنى هذا القول ويبني عليه:

الاحتمال الأول

أن يكون ناقل الكلام مغرضاً، أو صاحب هوى "لعلك غضبت عليه" ومع أن عبد الله بن أبي هو رأس النفاق وأكبر أعلامه فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القالة فيه مباشرة، وأحب أن يتأكد من صدق الناقل أنه ليس له غرض أو مصلحة، أو هوى ضد المنقول عنه. إن الحكم السريع من قادة العمل المني، والتصديق المباشر لأفراد الأمن دون تحقيق وتدقيق لأسباب هذه الأقوال والتقريرات يوقع جهاز الأمن الإسلامي في أخطاء أكبر من القول أو التقرير نفسه، وقد يصدع نقل مغرض وحقد حاقد وغضب غاضب الصف كله، إذا كان التسرع في قبول القول ضد أي إنسان لا يزال داخل الصف مهما كانت الاتهامات ضده.

الاحتمال الثاني

أن يقول ناقل الكلام غير دقيق في نقله. "لعله أخطأ سمعك" فلا يبعد أن يكون النقل خطأ فيؤدي إلى زيادة أو نقصان في الكلام عنه بشيء لا أصل له، أو زيد فغير معناه، فإن خطأ السمع احتمال أساسي آخر ينبغي التحرز منه فلا نقبل القول أو التقرير على أنه هو الأصل، وأنه لم يغير ولم يبدل فلا بد من التأكد مهما يكن المنقول عنه متهماً أو مشكوكاً فيه ، فقد تثبت النبي صلى الله عليه وسلم من المقالة عن رأس النفاق فمن باب أولى أن يتأكد ويتثبت رجال الأمن فيما ينقل عن المواطن المسلم.

الاحتمال الثالث

أن يكون الفهم خاطئاً للكلام "فلعله شبه عليك" وهذا من أكثر الاحتمالات وقوعاً في أجهزة الأمن والعمل المخابراتي أن يفهم الكلام على غير قصده، أو يكون غيره معناه. وبالتالي تتأزم الأمور لسوء تفاهم أو سوء فهم من طرف واحد ثم تبنى الأحكام كلها على ضوء هذا الفهم السيئ، وقد يضيع الحق بظلم الفرد أو الجماعة نتيجة أوهام لا حقائق ونتيجة تفسيرات خاطئة.

إنه المنهج النبوي أمامنا في التحقيق نتمنى أن يكون درساً لأجهزتنا الأمنية في البلاد الإسلامية، ومهما ذهبنا واجتهدنا ومهما أجهدنا أنفسنا في التحقيقات فلن تخرج الاحتمالات عن هذه الثلاثة: غرض في النقل، أو خطأ في النقل، أو خطأ في الفهم. وليس من حق ضباط جهاز المخابرات الإسلامي أن يصدر حكماً قبل التحقيق في القول نفسه ومعرفة مدى صدقه والمنقول عنه ومدى ارتكابه للفعل الذي نقل عنه والناقل ومدى خلوه من الغرض.

ثم ماذا بعد التحقيق؟

يأتي دور الاستماع للخصم ودفاعاته، فلقد جاء ابن أبي وأقسم بالله تعالى ما قال، وحلف على ذلك. لذا على أجهزة الأمن في البلاد الإسلامية أن تتأسى بهذا الدرس النبوي وتضعه نصب أعينها وهي ترتسم  خطى جهاز المخابرات النبوي.

مقالات ذات صلة