تقارير أمنية

الموساد يعتمد على البريد الميت للتواصل مع عملائه في لبنان

المجد- وكالات

لم يكن توقيف العميد المتقاعد من الجيش اللبناني العميد فايز كرم، القيادي البارز في التيار الوطني الحر الذي يقوده العماد ميشال عون، مفاجئا بالمعنى «التقني» بقدر ما أتى مفاجئا بالمعنى السياسي. فالمفاجأة لم تكن في وصول الصهانية إلى شخصية بحجم العميد المتقاعد فايز كرم الذي كان مشروع نائب عن منطقة الشمال، وكاد يصبح لدى دولة الكيان نائبا لبنانيا جاسوسا، إن صحت الاتهامات الموجهة إلى كرم الذي كان رفيقا لعون في مفاصل مهمة جدا، لأن من المعروف أن دولة الكيان تسعى لاختراق من تستطيع من الأحزاب والقوى اللبنانية سعيا لإعادة تغذية «بنك المعلومات والأهداف» الذي استنزفته خلال حرب يوليو (تموز) 2006.

ويظهر جليا من حجم الأرقام المتداولة عن جواسيس دولة الكيان في لبنان، بعدما فاق عددهم الـ150 خلال سنة واحدة، أن أجهزة الاستخبارات الصهيونية تعمل بنشاط لا سابق له منذ سنوات طويلة.

ويقول مرجع أمني بارز إن حجم النشاط الصهيوني «لا سابق له في تاريخ الصراع مع الدولة العبرية»، واصفا هذا التحرك بـ«المحموم» ومعبرا عن دقته بالقول «إننا نكاد نسمع ضجيج العملاء الذين أيقظتهم دولة الكيان بعد عام 2006 سعيا إلى الحصول على معلومات جديدة وعلى قدرة ميدانية أكبر في الحرب السرية التي تخوضها في لبنان، ومنه إلى دول أخرى كإيران وسورية».

أما نوعية العملاء فتدل على شيء آخر، لدولة الكيان تختارهم من جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والاهتمامات السياسية، بغض النظر عن اقتراب هؤلاء من هدفها الأساسي، أي حزب الله أو ابتعادهم عنه، ووصلت بها الأمور إلى حد اختراق معظم المؤسسات الأمنية اللبنانية من جيش وقوى أمن وأمن عام عبر مجموعة من العملاء كما دلت التوقيفات الأخيرة. بالإضافة إلى اختراق معظم التيارات السياسية العاملة في لبنان، ومن ضمنها حزب الله الذي تم ضبط مقربين منه.

وقالت مصادر لبنانية بارزة معنية بالملف الأمني، أن الأجهزة الأمنية اللبنانية المعنية بملف مكافحة التجسس تعمل بطاقتها القصوى، كما تم الاتفاق على صيغة لتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية لمقاطعة المعلومات وتحليلها سعيا إلى ضبط المزيد من الشبكات الصهيونية.

ويقول مرجع أمني لبناني إن دولة الكيان أيقظت بعد حرب الصيف جميع خلاياها النائمة وحضتها على جمع المعلومات، حول تسلح حزب الله ومكان وجود أمينه العام حسن نصر الله الهدف رقم واحد بالنسبة إلى دولة الكيان.

وقد أفاد رئيس تيار التوحيد، وئام وهاب، المقرب من حزب الله بأن أجهزة الحزب أوقفت أحد المقربين منه بعد اكتشاف تعامله مع دولة الكيان، مشيرا إلى أن الهدف كان محاولة الوصول إلى مكان نصر الله، خلال إحدى الزيارات التي يقوم بها وهاب إليه.

ويبدو أن إيقاظ جميع الخلايا وأمرها بالعمل، كان له تأثيره السلبي على هذه الشبكات، مما سهل اكتشافها من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية التي حصلت على «غلة» غير مسبوقة من العملاء في فترة قياسية.

وتدل أيضا اعترافات الموقوفين، على أن الصهيوني يتعامل مع هذا الملف وفق سياسة تقضي بتجنيد ما أمكن من العملاء كلما وجد إلى ذلك سبيلا، حتى إن بعض الظرفاء اقترحوا أن تعمد وزارة الدفاع إلى طبع ملصقات تحذر من «مضار العمالة» لدولة الكيان على غرار ما تقوم به وزارة الصحة من تحذير من مضار التدخين، فيما تحدث آخرون عن إمكانية دخول لبنان «موسوعة غينيس» لأكبر عدد عملاء. أما الجادون، فقد دعوا إلى بحث معمق لهذه الظاهرة وأسبابها.

وقد ساعدت سنوات العمل الكثيرة التي عملت فيها الاستخبارات الصهيونية على تراكم خبرات وعملاء، إذ تبين أن بعض العملاء الذين اكتشفوا مؤخرا يعملون مع دولة الكيان منذ الثمانينات على الأقل، بينما ورث الآخرون العمالة عن آبائهم، كما هو حال مروان فقيه الذي كان أكثر من تقرب إلى حزب الله من بين مجموعة العملاء الجديدة.

ومن خلال الاعترافات التي حصلت عليها السلطات اللبنانية وجمعتها «الشرق الأوسط» من خلال القرارات الظنية لمن هم تحت المحاكمة ومن متن الأحكام الصادرة بحق العملاء، يتبين أن التجنيد يحصل إما عن طريق عملاء لجأوا إلى دولة الكيان بعد انسحابها من لبنان في عام 2000 واستمروا بالتواصل مع أقارب أو أصدقاء، وإما عبر ضباط صهاينة اتصلوا مباشرة بمن جندوهم سواء عن طريق خطوط دولية نتيجة اتصالات عشوائية تجريها الاستخبارات الصهيونية تحت عنوان «مساعي إنسانية» للحصول على معلومات عن جنود مفقودين في لبنان، أو بلقاءات مباشرة في لبنان، أو عن طريق علاقات مع فتيات في أماكن الاغتراب، أو عن طريق مغريات مادية وتجارية واستدراج إلى العمل في شركات في آسيا وأوروبا. بالإضافة إلى قيام عملاء حاليين بتجنيد أشخاص جدد كما فعل العميد المتقاعد أديب العلم الذي افتتح مكتب توظيف امتد نشاطه إلى سورية لإمداد الاستخبارات الصهيونية بعملاء محتملين.

كما أن بعض وسائل التجنيد كانت مبتكرة في بعض الأحيان، كما حصل مع مروان فقيه الذي أظهر القرار الظني أن الاستخبارات الصهيونية بعد أن استدرجته إلى إحدى الدول الأوروبية دعته إلى اجتماع في غرفة وضعت فيها صورة والده العميل السابق وحولها الشموع «احتراما وتقديرا» لاستدراج عطفه.

أما تدريب العملاء فتم في لبنان أحيانا وفي دولة الكيان أيضا بعد أن يتم تدبير انتقالهم إلى دول أوروبية، ومنها إلى دولة الكيان بواسطة جوازات سفر مزيفة، علما بأن الصهيانية زوروا في بعض الأحيان وثائق رسمية لبنانية لعملائهم. فالعميل أديب أسعد العلم (58 سنة، مسيحي) من بلدة رميش الحدودية تم تجنيده من قبل الصهياينة عام 1994 عبر ابن خالته نقولا حبيب، الفار إلى دولة الكيان. وقد تنوعت أماكن اللقاءات بينه وبين ضباط المخابرات الصهيونية، إذ تمت داخل المنطقة الحدودية المحتلة أثناء فترة الاحتلال، كما تمت على الشاطئ البحري اللبناني حيث ينزل ضباط الاستخبارات الصهيونية في أماكن محددة مستغلين ضعف الرقابة اللبنانية.

أما زياد أحمد حمصي (سني) وهو نائب رئيس بلدية سعدنايل في البقاع، فقد تم تجنيده عام 2006 بعدما أغري بالعمل والتجارة، حيث تعرف في تايلاند على أحد الأشخاص وكلفه بالبحث عن الطيار الصهيوني المفقود رون أراد، ولاحقا عرفه على ضابط المخابرات الصهيونية الذي كان يلتقيه دوريا في بانكوك. وقد قام بزرع وتركيب أجهزة فنية في منطقة البقاع وسعى إلى لقاء الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله والتبليغ عن الموعد عند تحديده.

أما العميل سعيد العلم (ماروني)، فقد جند عام 1990 عبر العميلين الفارين أحمد شبلي صالح وجورج عساف. وقد تولى بدوره تجنيد بعض الأشخاص اللبنانيين، في حين أن العميل علي حسين منتش (شيعي)، فقد جند عام 2005 وهو يملك دكانا وملحمة في زبدين، ويعمل خلال موسم الحج معرفا للحجيج، وأخوه يعمل مرافقا لأحد قياديي حركة «أمل». وكذلك كانت حالة العميل ناصر محمود نادر (شيعي) الذي تم تجنيده في عام 2001 عبر عميل من آل أبو عزام. وأيضا العميل إيلي يعقوب العلم الذي تم تجنيده عام 2006 عبر العميل الفار نمر طانيوس العلم.

وتختلف وضعية العميل العقيد شهيد شحادة تومية الذي كان من بلدة مسيحية هجر سكانها من منطقة الشمال اللبناني وهو شقيق لخمسة ضباط في الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي ومديرية الجمارك، وقد تم تجنيد تومية عام 1996 وهو خريج الدورة نفسها التي ضمت العقيد الركن منصور حبيب دياب الذي أوقف بتهمة العمالة لدولة الكيان، والمقدم ضاهر الجرجوعي العميل الذي تمكن من الفرار إلى دولة الكيان قبل إلقاء القبض عليه وتبين أنه تواصل مع الصهاينة وأمنوا انتقاله عن طريق البحر في منطقة الجنوب.

وقد بدأ منصور العمل مع الصهيانية منذ عام 1996، عبر صهره هابل الجلبوط. أما العميل مصطفى محمد حسن سعيد (شيعي) الذي كان يعمل موظفا في أوتيل بعين المريسة فقد تم تجنيده عام 1994، عبر العميل أحمد عبد الجليل.

أما العميل هيثم راجح جميل السحمراني (سني) تم تجنيده عام 2004 من خلال شقيقته العميلة ساحرة السحمراني التي تعمل وزوجها العميل محمد أمين مع جهاز الـ«504» التابع للاستخبارات العسكرية الصهيونية.

أما العميل علي حسن غصين (شيعي) فقد كان مقيما في ألمانيا ومن خلال خاله العميل ناصر نادر تعرف على فتاة ألمانية عن طريق الإنترنت التقته وعملت على تجنيده لصالح المخابرات الصهيونية عام 2007. أما العميل محمد السيد محمد رضوان (مصري الجنسية، من سكان عيتا الشعب)، فقد كان يعمل في زراعة التبغ كعامل يومي، وقد بدأ العمل مع المخابرات الصهيونية اعتبارا من عام 1996، في حين أن العميل روبير أدمون كفوري، التحق خلال عامي 1984 و1986 لعدة أشهر بالميليشيا المتعاونة مع الاحتلال وبعد تركه الخدمة فيها، راح يعمل في مهنته الأساسية سائق جرافة وخلال أوائل التسعينات تقدم بطلب للميليشيا للحصول على تصريح يخول له الانتقال إلى المناطق المحررة للعمل فيها، فعرض عليه أحد المسؤولين الأمنيين عن هذه التصاريح ريمون أبو ضاهر، مقابل ذلك، العمل لصالح المخابرات الصهيونية وتجنيد أحد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم «عين الحلوة» للعمل لصالحهم، فوافق على عرضه هذا، معترفا للمحققين بأنه تعامل بهدف «المنفعة المادية وتسهيل انتقاله إلى المناطق المحررة»، فكلفه الضابط المذكور بتجنيد الفلسطيني محمد عوض والحصول منه على ورقة بخط يده يبدي فيها موافقته على التعامل، فوافق الأخير انطلاقا من «كرهه للتنظيمات الفلسطينية» وكان يسلم المعلومات إلى كفوري مقابل مبالغ مالية تقدر بين المائتين والثلاثمائة دولار أميركي عن كل تقرير. أما عندما انتقل عوض إلى دولة الكيان وقدم للاستخبارات الصهيونية شرحا على الخريطة لبعض المواقع والمراكز الفلسطينية والمنظمات العائدة لها وبعض منازل المسؤولين فيها داخل المخيم وفي محيطه، فقد نقدوه مبلغ 800 دولار أميركي.

وتقاضى العميل أديب العلم مبلغ 4 إلى 5 آلاف دولار في كل عملية سفر، بينما اعترف فقيه في التحقيقات الأولية بأنه تلقى خلال فترة تعامله حتى توقيفه في عام 2009 مبلغ 27 ألف دولار، قبل أن ينفي ذلك، مشيرا إلى أنه مرتاح ماديا ولا دافع لديه للتعامل.

اعتمد الصهاينة «البريد الميت» للتواصل مع عملائهم، بهدف تخفيف الاتصال المباشر فيما بينهم، أو مع رجال الاستخبارات أنفسهم خلال قيامهم بمهام في لبنان. وهو عبارة عن تحديد مكان غالبا ما يكون في الطبيعة، يطلب من المتعامل التوجه إليه، فيجد فيه الرسائل، أو الأموال. وذات مرة طلب الضابط الصهيوني حسن من روبير كفوري الانتقال إلى منطقة الشمال، وتحديدا بعد نفق «شكا» على أن يسلك الطريق صعودا نحو بلدة حددين مصطحبا معه مفك البراغي أو شاكوشا، فتم ذلك وبوصوله إلى البلدة المذكورة اتصل هاتفيا بالضابط المذكور وحدد له موقعه قرب مرآة على الطريق فأبلغه الأخير بوجود شجرة في الجهة المقابلة لها جذعان، قد دفن في أسفلها تحت التراب صندوق صغير بحجم قب

مقالات ذات صلة