الأمن المجتمعي

ما سر السقوط في وحل المخدرات ؟

المجد-

الإحساس بالإحباط النفسي أو الشعور بالألم البدني يدفع أصحاب النفوس الضعيفة نحو اللجوء إلى الإدمان على الكحوليات والمخدرات أو اللجوء على الأقل إلى أدوية تسكين الألم.. ولكن هل تساءل البعض لماذا يُقدم هؤلاء الأشخاص على هذه الوسائل الخطيرة دون غيرها لتخفيف الألم والهروب من الواقع الأليم إلى عالم آخر مليء باللذة والنشوة تصبح فيه الدماغ عالية "على حد قولهم" رغم من علمهم التام بخطورتها على صحتهم؟!.

وأكثر من ينجرف إلى دوامة الإدمان هم فئة معينة من الشباب الذي يبحث عن اللذة العابرة التي لا تجلب لصاحبها سوى الهلاك، والتي يطلق عليها أصحاب المزاج "الكيف" أو ما يعرف "بتعمير الطاسة"، وذلك للهروب بشكل مؤقت من ضغوط ومشاكل الحياة التي لا تنتهي.

أطلب تظفر.

التائب (أ.ف) من سكان مدينة رفح، عاطل عن العمل وأب لستة أبناء، سرد لـ"الرسالة نت" قصته قائلا: في يوم من الأيام خرجت من المنزل ونفسيتي محطمة من الوضع الكارثي الذي أعيشه، وخلال سيري في احد الشوارع قابلت أحد الأشخاص وعرض علي سيجارة لم أكن أعرف أنها تحتوي علي مادة الحشيش.

وأضاف: " لا أخفي عليكم أنني ارتحت نفسيا عندما استنشقت هذه السيجارة، وفي اليوم التالي ذهبت لذلك الشخص وطلبت منه سيجارة أخرى، فلم يبد أية معارضة ، واستمريت على هذا الحال لمدة 3 شهور إلى أن وصل بي الأمر للعمل في تجارة هذا السم الخطير، فأصحبت أحضر عددا من فروش الحشيش من صاحب أحد الأنفاق وأشرع في توزيعها على المتعاطين من محافظات غزة كافة ".

وتابع:" في احدى المرات اتصل علي أحد الأشخاص وطلب مني 9 فروش حشيش، فوفرت طلبه بالسرعة القصوى، وذهبت لأقابله في أحد الأماكن، وعند لقائنا ألقت شرطة المكافحة القبض علينا، دون أن نشعر بتواجدها في المنطقة".

وأشاد ( أ.ف ) بالدورات والإرشادات التي يمليها عليهم أطباء متخصصون في مركز التأهيل والإصلاح لإخراجهم من هذه الآفة الخطيرة التي أصابت عضد المجتمع الفلسطيني.

أما ( م.ع ) صاحب محل لبيع وصيانة الأجهزة الكهربائية، فيقول إن أحد الأشخاص المقربين له طلب منه أن ينقل أكياس مغلقة لقطع غيار من مدينة رفح ويوصلها لحي الشجاعية، فذهب ونقل هذه الأكياس في سيارة نقل خاصة به دون أن يعرف ما بداخلها.

وفي اليوم التالي تلقى المدعو اتصالا هاتفيا من جهاز مكافحة المخدرات وطلب منه أن يأتي لمركز الشرطة، وفي غرفة التحقيق فاجئ المحقق ( م.ع ) بأن الأكياس تحتوي علي 12 فرشا من الحشيش.

يقول ( م.ع ):" أصبت بالصدمة لحظة سماعي لهذا الخبر، لأنني لا أعرف شيئا عن المخدرات وأجهلها تماما ".

الجهل موت الأحياء

رئيس الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات كمال أبو ندى قال أن الجهل هو العامل الرئيسي في توجه الإنسان لتعاطي المخدرات، مشيرا إلي أن الأغلبية العظمي من المتعاطين في غزة هم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 – 30 عاما وخاصة طلاب المدارس الذين لم يحالفهم الحظ في الدراسة.

وأكد أبوندي أن برنامج التأهيل والإصلاح الذي تعتمده الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات يستهدف فئة الشباب الذين يمثلون الغالبية العظمي ممن سلموا أنفسهم للأجهزة الأمنية، والذين وقعوا فريسة لأهواء الشيطان.

ولفت إلى أن أغلب التجار في محافظات قطاع غزة، كانوا قد سقطوا في هذا الوحل بفعل الجهل والإيقاع من قبل أناس يعملون في الأنفاق، وأضاف:" جميعهم بدأوا على قاعدة التجريب ثم تطور بهم الأمر للمغامرة في هذا المجال المحرم".

وأشار أبو ندى إلي أن 75% ممن يتعاطون المخدرات في غزة سقطوا بفعل الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لتدمير القطاع بهذه الآفة الخطيرة، و25% كانوا يتلقون المخدرات من الأنفاق المؤدية للأراضي المصرية.

وقال :" هناك دول كبيرة تمتلك أجهزة الكترونية كبيرة ومعقدة لا تستطيع ضبط عمليات التهريب للمخدرات، لكننا في الحكومة الفلسطينية نقوم بعمليات مراقبة شديدة على الأنفاق للحد من عملية تهريب المخدرات للأراضي الفلسطينية".

نتيجة للضغوط

إذا نظرنا إلى هذه القضية من المجهر العلمي الذي يكشف دوماً عما خفي من أسرار.. فهناك أسئلة كثيرة تدور في الأذهان تحتاج إلى جواب كاف ورد مقنع .. ما السر وراء إقدام المدمنين على تعاطي المخدرات في حالة الإحباط النفسي والإحساس بالفشل؟!

أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى درداح الشاعر قال إن الأسرة تتحمل مسؤولية كاملة في حال تعاطي الأبناء أو أحدهم للمخدرات، وأشار إلى أنه يمكن لأي فرد من أفراد الأسرة أن يتعاطى المخدرات نتيجة ضغوط نفسية أو ظروف سيئة أو جهل أو رفقاء سوء.

ولفت الشاعر إلى أن هناك أسبابا كثيرة تدفع بالأبناء لتعاطي هذا الخبيث منها ظروف المنزل وأصدقاء السوء والمغامرة والبحث عن الجديد والتفكك الأسري وضعف الوازع الديني، موضحا أن أخطر مرحلة هي المراهقة لأن لها خصائص تجعلها بيئة مناسبة لذلك.

وأضاف :" إن كنت قد أكدت سابقا على دور الأسرة الذي تقوم به تجاه سلوك الأبناء، فإذا كان في الأسرة مدمنا أو غاب النموذج الذي يحتذي به فإن الأبناء وبلا شك يتطبعون ويقتدون بمن حولهم ".

وأردف الشاعر قائلا: إن تعاطي المخدرات يرجع إلى عدة عوامل متداخلة مع بعضها البعض وفي كثير من الأحيان يكون هناك أكثر من عامل واحد يساعد على التعاطي, وتختلف الأسباب وأهميتها من دولة إلي أخرى بل ومن مجتمع إلى آخر في نفس الدولة.

أنجز حر ما وعد

الحكومة الفلسطينية في غزة ممثلة بوزارة الداخلية لم تدخر جهدا في القضاء على هذه الآفة الخطيرة، فقد أعلنت في الآونة الأخيرة عن إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات، والتي استطاعت أن تحقق إنجازات يفتخر بها على كافة الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

رئيس الحملة الوطنية أبو ندى أشار إلى أن المشاركين في الحملة وصل عددهم إلى 150 مشاركا، مؤكدا أن 130 من المشاركين تابوا توبة نصوح أمام عدد من المسئولين في الحكومة الفلسطينية.

وقال إن هناك تغيرا في شخصية التائبين بدليل أن نسبة التائبين بدأت تزداد تباعا، بفضل جهود ثلة من رجال جهاز مكافحة المخدرات الذين يواصلون الليل بالنهار سعيا منهم لتنظيف المجتمع الفلسطيني من وحل المخدرات، وبجهود عدد من المؤسسات المدنية والأهلية التي لم تتوان لحظة واحدة في مد يد العون لإخراج الشباب من طريق الهلاك المدقع.

وأكد على وجود تواصل دائم مع الجسم الحكومي ومع النيابة العامة ومجلس القضاء الأعلى، لإطلاعهم على كافة تفاصيل الحملة وما يتخللها من نشاطات وفعاليات على مستوى كافة محافظات غزة.

وشدد علي أن الحكومة الفلسطينية ووزارة الداخلية تحديدا ستتعامل مع التائبين بعقلانية تامة، ووفق رؤى مدروسة لتمكين التائب من العيش بكرامة وحرية في المجتمع الفلسطيني.

عمل دؤوب

القائد العام للشرطة الفلسطينية العميد أبو عبيدة الجراح كان قد صرح بأن الشرطة الفلسطينية تمكنت من القضاء على الرؤوس الكبيرة المروجة للمخدرات في قطاع غزة، وهذا ما أكده رشيد المصري رئيس دائرة العلاقات العامة والإعلام في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في غزة، حيث قال :" منذ 3 سنوات ونحن نطارد تجار المخدرات وضربنا أخطر الشبكات العاملة في القطاع".

وأكد المصري أن نسبة تجار المخدرات في غزة قليلة جداً وبدأت بالانقراض، مستطردا:" لا نستطيع تحديد نسبة المتعاطين للمخدرات في غزة، لكن نؤكد أن النسبة مهما كانت كبيرة فهي بدأت بالنزول تدريجيا".

وقال:" أغلب التجار والمتعاطين للمخدرات بدأوا يتساءلون حديثا عن أماكن وجود أرخص أنواع المخدرات وهو " الأترمال " وهذا دليل على قوة عمل جهاز المكافحة في غزة".

وتابع:"إن التعاطي في غزة ليس ظاهرة منتشرة، بل هو صورة صغيرة مُسيطر عليها من قبل الأجهزة الأمنية".

وحول الإجراءات التي تتخذها المكافحة في القضاء على المتعاطين ،أوضح المصري أن الجهاز يتبع إستراتيجية واضحة تقوم على التحري والمراقبة لجميع العناصر المشتبه بهم، مشيرا إلى أن الجهاز يأخذ أمر التفتيش من النيابة العامة ومن ثم تشكيل فريق من أفراد القوة تتوجه لمكان تواجد المتهم وإلقاء القبض عليه.

ولفت إلى أن عملية التفتيش تتم بشفافية تامة، مضيفا:" يتم معاملة أهل بيت المتهم معاملة إسلامية مهنية عالية حرصا منا على سمعتهم في المجتمع الفلسطيني".

درءا للفساد

لقد استشعر العالم بأسره خطر ظاهرة المخدرات وأصبح يحاول وقفها والقضاء عليها بكل الوسائل والطرق وأولها من التشريعات القانونية التي تحد من تفاقم هذه المشكلة وربما تؤدي إلى القضاء عليها.

وفي هذا السياق أشار نبيل حليوة رئيس النيابة العامة في مدينة غزة إلى أن التشريعات القانونية في كافة الأنظمة العربية والدولية وضعت لآفة المخدرات عقوبات رادعة لمنع انتشارها في المجتمع.

وأوضح أن النيابة العامة في غزة تسير على القانون المصري الذي تصل فيه عقوبة الاتجار بالمخدرات للإعدام، لافتا الى أن قطاع غزة بات يشهد في الآونة الأخيرة انخفاضا ملحوظا في تعاطى المخدرات والاتجار بها الإضافة الى الجرائم الملازمة لها.

وقال إن النيابة العامة منذ بداية تسلمها للعمل في غزة لم تتوان لحظة واحدة في مجابهة ظاهرة تفشي المخدرات والتي كانت منتشرة في المجتمع الفلسطيني سابقا نتيجة للفوضى والفلتان الأمني، مؤكدا أن الحكومة الفلسطينية حققت قفزات كبيرة في القضاء على المخدرات من خلال العقوبات الرادعة التي حدت بشكل واضح من معدلات الجريمة في قطاع غزة.

ولفت حليوة الي أن تعاطي المخدرات في غزة لا يقتصر على فئة عمرية معينة، مشددا على أن النيابة العامة تتابع قضية المخدرات بخطورة كبيرة.

وأضاف:" يتم متابعة التجار متابعة خاصة من قبل الأجهزة الأمنية، والقضاء لا ينظر للرؤوس الكبيرة، ومن يقع في يده أبسط أنواع المخدرات فهو مجرم في نظر القضاء وسيقدم للعدالة، ولا مانع من تنفيذ أحكام الإعدام بحق التجار الكبار".

وتبقى ظاهرة انتشار المخدرات من الظواهر الخطيرة التي تجتاح العالم في عصرنا الحالي، كونها تسبب مشكلات عديدة في معظم بلاد العالم، وتكلف الدول خسائر بشرية واقتصادية كبيرة؛ ما يجعل الإدمان مشكلة أولتها الهيئات الدولية والإقليمية أهمية كبيرة، ورصدت الأموال واستحثت العقول؛ لمحاولة الوصول إلى حلول تحد من تفشيها وتزايدها المضطرد.

مقالات ذات صلة