الأمن المجتمعي

شائعات العمالة.. شرفٌ يُطعنُ بـجهالة

المجد-

"ما سمعت آخر الأخبار؟!! "فلان" قبضوا عليه لأنه عميل"، -"له يا راجل شو هالكلام؟!!!! أنا وإياه جيران من عشرين سنة، وبينا عيش وملح"!!..

نعم عزيزي القارئ، هكذا كان وقع الخبر على أبو محمد عظيماً، بعد أن سمع من زملائه في العمل اسم شخصٍ "قُبِضَ عليه بالأمس -تبعاً لذمّتهم- (بتهمة العمالة لدولة الاحتلال).. ولأجل الصدفة، كان الرجل الذي تكلّموا عنه، هو ذاته جاره (أبو تيسير).. كيف "لا"، وهو الذي لا زال حتى اللحظة يصر على زوجته الذهاب إلى بيته لخطبة كريمته لنجله حسّان!!.. الحزن سيطر عليه، لدرجة أنه قرّر تقديم طلب إجازةٍ ليومه الذي لم يبدأ بعد.. ومشى والهمّ يحاصر تفكيره نحو بيته…

طوال الطريق كان يهذي.. "لألألأ مستحيييل.. (فلان) عميل!! العما إزا هالحكي صحيح.. خلاص بنته تحرم على ابني طول العمر.. مش بس بنته، ما بدنا هالنسب كله لولد الولد..".. وتابع سيره حتى وصل إلى "فم الحارة"..

وعن بعد خُيِّل إليه أحدهم يجلس على باب داره، ويحتسي كوباً من الشاي… (ما.. ماذ.. ماذا؟!! ماذا أرى).. صرخ أبو محمد، ثم جرى نحو من رآه.. تحسّس كتف جاره، وسأله بانفعال :"أبو تيسير".. إنت هان؟!.. معقول!! متى طلّعوك؟ لأ.. كيف طلّعوك أصلاً؟".. أبو تيسير، وبدلاً من أن يواجه سؤاله باستغرابٍ واستهجان.. اصفرّ وجهه، وعلا صوته صارخاً في وجه جاره: "إنت اللي قلّي كيف طلّعوك أصلاً؟" (وكيف لا يسأل، وأخينا بالله سمع بالأمس إشاعةً مماثلة عن أبو محمد (أنه قد ألقي عليه القبض بتهمة العمالة لـ"إسرائيل")!!!!

كان هذا مشهداً مضحكاً مبكياً صوّره قلم "فلسطين" لجاريْن فتكت بهما، أو كادت.. شائعاتٌ اقتنصت سمعة وشرف العديد من الأبرياء، والسبب: انتهاء حملة التوبة للعملاء التي أطلقتها وزارة الداخلية قبل فترة، وبدء مرحلة القبض على من يُعرف منهم (ولم يعلن توبته)، في جوٍّ من التكتيم والتعتيم، جعل من تربة الشائعات أكثر خصوبةً..

الإسلام حذر من تناول الشائعات أو الالتفات إلى مصادرها، إضافةً إلى بيان عقاب من يطلقها وينقلها، وأرشد المسلمين إلى الطريقة الصحيحة لتحري الأمور والتعرف على حقيقة الأخبار قبل التعاطي معها

وحتى الآن ينتظر الشارع الفلسطيني ما يمكن أن تقدمه له الداخلية من معلومات تقطع الشكّ باليقين، بعدما أثار تسرّب بعض الأسماء بلبلةً واضطراباً في المجتمع.. ولكن ما حكم اختلاق الشائعة وتناقلها في الإسلام بدون بيّنة؟ وما تأثير الشائعة على نفسية من تُطلق بحقه هذه الشائعة؟ هذا ما تتناول تفاصيله "الإسلام والعصر" لهذا العدد.. والتفاصيل تتبع:

"فتبيّنوا…"

أستاذ الفقه المقارن بالجامعة الإسلامية د. ماهر السوسي، أكّد أن الإسلام دائمًا يدعو إلى الصدق والموضوعية، ويأمر بالنظر إلى الأمور بطريقة تتناسب مع الواقع على اعتبار أن الدين الإسلامي هو "دين الواقع"، وبالحديث عن الشائعات فهي في الأصل أمر ينافي الواقع لذا حرص الإسلام كل الحرص على محاربتها.

وأشار إلى أن الإسلام حذر من تناول الشائعات أو الالتفات إلى مصادرها، إضافةً إلى بيان عقاب من يطلقها وينقلها، من خلال آيات عديدة في القرآن الكريم، وما ورد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأكمل بالقول: "الإسلام أرشد المسلمين إلى الطريقة الصحيحة لتحري الأمور والتعرف على حقيقة الأخبار قبل التعاطي معها".. والدليل قوله تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"، فالآية تدعو هنا إلى التحقق من أي نبأ قبل تناقله على اعتبار أن ليس كل ما يقال صحيح بل ربما يجانب الصحة.

وأورد السوسي قوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ"، مبينًا أن هذه الآية توضح العقاب الدنيوي والأخروي لكل من يساهم في إطلاق الشائعات وترويجها ويبتغي من خلال عمله الترويج لفاحشة أو معصية، أو تقويض بنيان المجتمع المسلم.

وبين أن الآية:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا" تشير إلى أهمية اجتناب الظن على اعتبار أن الشائعات في غالبها مبنية على الظن، وأورد قوله تعالى: "إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً"، مبينًا أن الإنسان مسئول مسئولية مباشرة عن كل ما يسمعه وينطق به ويتداوله في حياته.

ولفت النظر إلى أن الشائعات تعتبر من الصنيع الذي يقوم به الإنسان والعمل الذي ينتج عنه مصداقًا لقوله تعالى: "كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ"، مذكّرًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"، وأشار إلى أن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية عديدة في هذا المجال لأجل الحفاظ على المجتمع المسلم وبنيانه سليما وقويًا.

وشدد السوسي على أن الشائعة تساهم بأثر كبير في تشويش أفكار المجتمع ونشر الأخبار المغلوطة، مبينًا أن هذا الأمر يعمل على تجهيل المجتمع وتزويده بمعلومات خاطئة قد تبنى عليها مواقف مدمرة للمجتمع والإنسان، وتؤدي إلى انعدام ثقة الناس ببعضهم البعض.

ما هي الإشاعة؟..

ويمكن تعريف الإشاعة، بأنها ضغط اجتماعي مجهول المصدر، يحيطه الغموض والإبهام، وتحظى من قطاعات عريضة بالاهتمام ويتداولها الناس لا بهدف نقل المعلومات، وإنما بهدف التحريض والإثارة وبلبلة الأفكار.

الشائعة دومًا تخرج عن شخص ما وغالبًا ما تخالف الحقيقة، وتشاع عنه في سلوكٍ ارتكبه أو قول أو عمل قام به أو من خلال تعامله مع آخرين

ويرى البعض أن الإشاعة هي ترويج لخبر مختلق لا أساس له من الواقع، وهي تعمد في ذلك المبالغة والتهويل أو التشويه حين تسرد خبراً فيه جانب ضئيل من الحقيقة، وذلك بهدف التأثير النفسي في الرأي العام المحلي أو الرأي العام الإقليمي، لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية على نطاق دولة أو عدة دول أو على النطاق الدولي بأجمعه، بينما يرى فيها البعض "فكرة" يعمل رجل الدعاية على أن يؤمن بها الناس، فينقلها من شخص إلى آخر حتى يذيع مضمونها بين الجماهير.. أو هي معلومة لا يتم التحقق من صحتها ولا من مصدرها، وتنشر عن طريق النقل الشفهي.. أو "رواية تتناقلها الأفواه دون التركيز على مصدر يؤكّد صحتها".

هو وأهله.. ومن تبعه!!

من جهته، أوضح رئيس قسم الخدمة الاجتماعية د. وليد شبير أن الشائعة دومًا تخرج عن شخص ما وغالبًا ما تخالف الحقيقة، وتشاع عنه في سلوكٍ ارتكبه أو قول أو عمل قام به أو من خلال تعامله مع آخرين، منوهًا إلى خطورتها على المجتمع في حال ثبوت عدم صحتها حيث تشمل الشخص الذي تدور حوله الشائعة إلى جانب أهله والبيئة المحيطة به، وتعمل على وصم الأسرة والشخص بالعار على الرغم من براءته… إلى أبد الآبدين.

وانتشار الشائعات حاليا يأتي بعد إعلان الحكومة الفلسطينية في غزة حملة التوبة، التي كانت تقضي بتسليم العملاء سرا دون الإعلان عنهم، ولكن ما حدث أن بعض العملاء لم يسلموا أنفسهم على الرغم من ثبوت التهمة عليهم، مما حدا بالجهات الأمنية إلى إلقاء القبض عليهم، فدفع الناس إلى تناول الاعتقالات التي تقوم بها الداخلية وحصرها في موضوع تهمة العمالة.

ولفت د. شبير النظر إلى أهمية توعية المجتمع بعدم تناول الأقاويل التي تتهم الأشخاص بالعمالة إلا إذا ثبتت عليهم التهمة وتمت محاكمتهم، مشيرًا إلى ما يمكن أن تساهم به وسائل الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وفضائيات، وحتى المساجد والأحياء، والمؤسسات التعليمية للقضاء على هذه الشائعات، داعيًا الجهات الأمنية إلى إفادة المجتمع بما لديها لإراحة المواطنين.

من ناحيته، شدد أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى د. درداح الشاعر على الآثار الضارة للشائعة في حال ثبوت براءة الشخص المتهم بما تضمنته الشائعة ذاتها، قائلاً :"آثارها تلحق بنفسية الشخص وحتى حالته الجسمية، والاجتماعية، وقد تجعل البيئة المحيطة به ترفض التعامل معه في كل التعاملات الحياتية كالزواج والشراء والبيع" حتى بعد ثبوت براءته على اعتبار أن "لا يوجد دخان بدون نار".

لا صحة لها!

بدوره، حثّ الناطق باسم وزارة الداخلية م. إيهاب الغصين المواطنين على عدم التعاطي مع ما يدور في الشارع الغزي من شائعات حول العملاء، مشيرًا إلى وجود فئة تقوم بتكثيفها وجعلها حالة من الهوس لشغل المواطنين عن ما هو أهم.

لدى الداخلية جهوداً حثيثة للحد من ظاهرة العملاء والقضاء عليها، ولكن ليس كل من يتم إلقاء القبض عليه هو متهم بالعمالة، فلدينا أمور أخرى نعالجها

وأكد في حديثه أن لدى الداخلية جهوداً حثيثة للحد من ظاهرة العملاء والقضاء عليها، مستدركًا: "ولكن ليس كل من يتم إلقاء القبض عليه هو متهم بالعمالة، فلدينا أمور أخرى نعالجها".

وبيّن أن الداخلية تسعى لعقد مؤتمر صحفي خلال الأيام المقبلة ستعمل من خلاله على توضيح بعض الأمور في هذا الشأن، لافتًا النظر إلى أن المؤتمر لن يحتوي تفاصيلَ دقيقة جدًا كما يعتقد المواطنون، وإنما سيتم عرض ما لا يمكن أن يضر بالعملية الأمنية ولا يعرض مصلحة الشعب لأي مخاطر.

وشدد الغصين على أن ما يتم تداوله حاليًا من معلومات لا أساس لها من الصحة، وأنه على المواطنين توخي الحذر حال تناقل المعلومات والتأكد من صحة مصادرها، مشيرًا إلى أن أهم ما سيتناوله المؤتمر توعية المواطنين وتحذيرهم من خطورة التعاون مع الاحتلال.

ونصح المواطنين بعدم تناول الشائعات التي تحمل أسماءً لشخصيات ليس لها حقيقة من الوجود على اعتبار أنه عمل غير مهني ولابد من انتظار المعلومة من مصدرها الأصلي، مؤكدًا أن تأخير المؤتمر يأتي لدراسة ما يمكن أن يقال فيه كلمة بكلمة لتحقيق هدفه الأساسي.

صحيفة فلسطين

مقالات ذات صلة