في العمق

النفوذ الصهيوني المتنامي في إفريقيا والبلقان

المجد-

من المعروف أن إسرائيل تتعامل مع القضايا الإقليمية والدولية من خلال منظور جيوبولتيكي يقوم على الربط بين سيرورة الدولة وبقائها ومجالها الحيوي. نظرياً تربط إسرائيل بين بقاء الدولة الإسرائيلية وضرورة توسيع مجالها الحيوي، وتحاول تحقيق ذلك من خلال التوسع الاستيطاني في الأراضي المحتلة، وتعزيز علاقاتها السياسية والإستراتيجية والأمنية مع الدول والتكتلات الأخرى. وتُمثل منطقة البحر الأحمر وشرق إفريقيا، وكذلك دول جنوب شرق أوروبا مناطق ذات أهمية بالغة في التحركات الإستراتيجية الإسرائيلية.

في شرق إفريقيا

هذا وتعتبر إسرائيل البحر الأحمر عاملاً أساسياً في نظرية الأمن القومي لها، وبذلك تصبح مسائل النفوذ والاقتصاد والوجود العسكري في شرق إفريقيا قضايا ينسحب عليها الصراع العربي- الإسرائيلي. ولهذا عمدت إسرائيل وفي وقت مبكر إلى إيجاد موطئ قدمٍ لها تكسر من خلاله الاحتكار العربي للموانئ والمضائق في البحر الأحمر، كما فعلت سابقاً عام 1949 عندما استولت على مدينة «أم الرشراش» الساحلية وأقامت فيها ميناء إيلات في العام نفسه.

وعبر العقود التالية عملت جاهدة على تقويض القبضة العربية على البحر الأحمر، وإضعاف النفوذ العربي في شرق إفريقيا. ولا تزال إسرائيل تمدُّ نفوذها وتوسع وجودها في شرق إفريقيا من مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في ظل تنامي علاقاتها مع إثيوبيا وإريتريا (بعد استقلال الأخيرة عام 1993). وقد استطاعت إسرائيل أن تعيد علاقاتها مع الكثير من الدول الإفريقية التي قُطعت بعد حربي عامي 1967 و1973، بحيث أصبح لها الآن علاقات دبلوماسية كاملة مع نحو 47 دولة إفريقيا.

وتحاول إسرائيل تقديم نفسها لدول العالم بأنها دولة قادرة على محاربة الإرهاب وأنها تمتلك قدرات أمنية واستخباراتية كبيرة في هذا المجال، إضافة إلى علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة. من جهة أخرى تهتم إسرائيل بمسألة مياه نهر النيل لاعتقادها بأن هذه المسألة يمكن أن تؤثر في دولتي مصر والسودان بشكل كبير، إذ يوفر النيل لمصر 95% من مياه الشرب والمياه اللازمة للري والطاقة و80% للسودان من احتياجاتها المائية، وخاصة أن منابع نهر النيل تقع – كما هو معروف- خارج حدود الدول العربية، إذ تسيطر إثيوبيا على 85% من هذه المصادر، وتسيطر (تنزانيا وكينيا وأوغندا) على البقية منها. وهذا ما يؤكد أن النفوذ الإسرائيلي القومي في هذه الدول الإفريقية يمكن أن يؤثر بشكل فعال في الأمن القومي العربي، وهو يشكل تهديداً فعلياً لبعض الدول العربية ولاسيما منها مصر والسودان كما أشرنا قبل قليل.

في دول البلقان

أما التوجه الآخر لإسرائيل فيتمثل في التحرك نحو دول البلقان وبشكل خاص بعد تردي العلاقات التركية الإسرائيلية بحيث انقلبت رأساً على عقب، ولم تعد كما كانت عليه، حيث كان هناك مستوى كبير من التقارب والتفاهم بين البلدين أسفر عن توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي بينهما عام 1996 التي تضمنت التعاون في مجالات الدفاع والصناعات الحربية وتبادل المعلومات الاستخباراتية وإجراء مناورات عسكرية مشتركة. وكانت إسرائيل هي السبب في هذا التردي الذي ازداد بعد المحاولات الإسرائيلية للنيل من سياسة (أردوغان)، وبعد الجريمة الإسرائيلية بحق السفينة التركية التي كانت تنقل ناشطين لفك الحصار عن غزة إذ سقط آنذاك عشرة قتلى من رعايا تركيا.

هذا وتهدف إسرائيل من نشاطها في منطقة البلقان إلى إيجاد حليف إستراتيجي لها «بعد فقدان تركيا»، وهذا بالطبع أي موضوع إيجاد حلفاء لإسرائيل في البلقان سيؤثر في الدول العربية، سواء من حيث مواقف هذه الدول في المنابر الدولية، أو كونها تمثل حزاماً إستراتيجياً في الشمال الشرقي للوطن العربي.

لقد تحركت إسرائيل باتجاه جنوب شرق أوروبا بوتيرة متسارعة وخاصة في السنتين السابقتين حيث روج المسؤولون الإسرائيليون لموضوعات تتعلق بالتاريخ والمعتقد، حيث ذكروا دول البلقان بالخطر العثماني، عندما كانت منطقة البلقان تخضع للحكم العثماني لمدة نصف قرن، وحذروا من السياسة التركية الحالية، إضافة إلى التحذير مما يسمونه «المد الإسلامي الجهادي» في منطقة البلقان وما قد ينتج عنه من تزايد الإرهاب هناك حسب الادعاءات الإسرائيلية. وفي إطار هذا التحرك تواصلت الزيارات بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين في دول البلقان، وقد تم التركيز في هذه الزيارات واللقاءات التي تمت خلالها على تعزيز التعاون في مختلف المجالات، مثل الأمن والاقتصاد والثقافة والسياحة.

ومما يجدر ذكره أن إسرائيل ترتبط بعلاقات عسكرية وأمنيّة متنامية وخاصة مع رومانيا وبلغاريا واليونان التي تعتبر حليفاً تقليدياً للعرب حتى عام 1990 حيث أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.

وفي لقاءات المسؤولين الإسرائيليين في دول مثل (كرواتيا وكوسوفو ومقدونيا) ركزوا على مكافحة الإرهاب، ومحاربة ما يسمونه المد الأصولي الإسلامي، وأكثر من مرة ردد وزير خارجية إسرائيل الإرهابي «ليبرمان» عبارة «أن البلقان هي الهدف القادم للجهاد الإسلامي» حسب زعمه، مُحذراً مما سماه المخاطر على دول البلقان فيما لو تم تجنيد عناصر من مسلمي البوسنة وألبانيا على حد قوله.

 

المطلوب من العرب

باختصار، تقوم سياسة إسرائيل الخارجية على مبدأ «النظرية الصفرية» في العلاقات الدولية والقائمة على الربح والخسارة، الأمر الذي يتطلب من العرب تبني إستراتيجية مضادة تساعد على تعزيز التعاون مع الدول المجاورة ولاسيما الإفريقية منها، وأن يكون هذا التعاون شاملاً لجميع الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية، بحيث يؤدي ذلك كله إلى بناء علاقات فاعلة مع الحكومات والقوى السياسية في دول شرق إفريقيا. كذلك يترتب على الدول العربية تطوير وتفعيل علاقاتها مع دول البلقان، بحيث لا تكون الساحة هناك متروكة لإسرائيل، أما أن يبقى الدور العربي في هذه الدول ثانوياً فهذا يصب في مصلحة إسرائيل.

صياح عزام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى