عين على العدو

عسكرة الإعلام الأميركي

 


 


التضليل الإعلامي الذي تمارسه إدارة بوش على شعبها بشأن مجريات الحرب في العراق يبدو أنه صعد إلى مستوى إجرامي، هذا ما يستفاد من مقالة افتتاحية لصحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية نشرت الأسبوع الماضي.


في سياق التحضير لشن الغزو على العراق، تفيدنا الصحيفة، استدعى رجال إدارة بوش مجموعة من الضباط العسكريين المتقاعدين للمساعدة في «تسويق مشروع الحرب»، المجموعة تضم 75 ضابطاً عهد إليهم وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد بمهمة تبرير الحرب وخطط وزارة الدفاع عبر الوسائل الإعلامية، خاصة التلفزيون. وتقول الصحيفة ان رجال فريق الأمن القومي التابع لإدارة بوش أرادوا الاستفادة من تجربة الحرب الأميركية في فيتنام (1965 ـ 1975).


لم تكد الحرب الفيتنامية تكمل عامها الثالث حتى اندلع تذمر شعبي ضد الحرب بطول الولايات المتحدة وعرضها، تصاعد إلى مستوى صدامات عنيفة في الشارع بين المتظاهرين والقوات الأميركية عمت المدن الأميركية، وبعد أن انتهت الحرب بهزيمة الولايات المتحدة، كان الدرس الذي استخلصه الجنرالات هو انه ما كان للتذمر الشعبي ان ينشأ أصلاً لولا ان الحرية الكاملة كانت متاحة للوسائل الإعلامية لنقل مجريات المعارك وتطوراتها، كما هي بما في ذلك الانتكاسات التي كانت تمنى بها القوات القتالية الأميركية.


التغطية الإخبارية الحرة كانت سبب الكارثة الأميركية، وليس وقائع الحرب في حدا ذاتها، هذا هو الاستخلاص الذي توصل اليه كبار العسكريين في إدارة بوش، وهم يخططون للحرب ضد العراق، ومن ثم قرروا أن الحيلولة دون نشوء تذمر شعبي قوي وواسع النطاق تتمثل في خطة للتضليل الإعلامي، وكما تفيدنا هيرالد تربيون فإن استئجار مجموعة الضباط المتقاعدين هو جزء أساسي من هذه الخطة.


وعلى وجه التحديد فإن المهمة الرئيسية المكلف بها هؤلاء الضباط هي تقديم تحليلات عسكرية من خلال برامج إخبارية تلفزيونية بما يخدم ويبرر سياسة الإدارة الأميركية تجاه استمرار الحرب في العراق.. وبإشراف وزارة الدفاع، أحد هؤلاء ـ تروي الصحيفة كمثال ـ عقيد بحري متقاعد يقدم مادته التلفزيونية عبر قناة «فوكس» الإخبارية.


وتقول الصحيفة انه ومقدم البرنامج طلباً ذات مرة من جنرال وزارة الدفاع الذي يتعامل معهما ان يبلغهما ما اذا كان لديه محاور محددة ترغب الوزارة في إبرازها أو محاور أخرى تريد التقليل من أهميتها. إنها خدمة ليست بدون مقابل، فبالإضافة إلى ان هؤلاء العسكريين «الإعلاميين» يتقاضون مكافآت مالية سخية، فإنه تربطهم بالوزارة أيضاً كما تروي «تربيون» مصالح شخصية أخرى. ويبقى سؤال: إن التضليل الإعلامي مهما كان مكتفاً وذكيا لن يغير من حقائق الحرب اليومية على الأرض شيئاً، ألا يدرك جنرالات إدارة بوش هذه الحقيقة البديهية؟


هنا علينا ان نستدعي إلى الذهن ان السجل الأميركي في الحروب ـ من الحرب الكورية إلى الحرب الفيتنامية إلى الحربين المعاصرتين في العراق وأفغانستان ـ ان الإدارات الأميركية المتعاقبة تفتعل شن حرب ما لا لأسباب موضوعية تتعلق بحماية الأمن القومي الأميركي وإنما من أجل مصالح شركات صناعة السلاح الأميركية لتصريف منتجاتها عبر عقود مالية أسطورية مع جنرالات وزارة الدفاع. ومن ثم تكون الحرب في حد ذاتها غاية لتضخيم ربحية شركات متخصصة في إنتاج سلعة القتل والتدمير.

مقالات ذات صلة