عين على العدو

الإعلام العربي في حلّة أنيقة… ماذا عن المحتوى؟

هواة الرسائل النصية والمدونات يقارعون الصحافيين المحترفين وينافسون الفضائيات


الإعلام العربي في حلّة أنيقة… ماذا عن المحتوى؟


الحياة – سمير السعداوي


«إطمأن» المشاركون في منتدى الإعلام العربي في دبي الأسبوع الماضي, الى ان وسائل الإعلام العربية ترتدي حلة أنيقة, بفضل نجاحها في مواكبة التقدم التكنولوجي في العالم… الفضائيات العربية على ازدهارها, لم تقض على الصحافة المكتوبة, وظهرت مصادر تهديد جديدة للوسيلتين, تتجسد في المدونات عبر الانترنت, والوسائط «الإعلانية – الإعلامية» الحديثة القادرة على إيصال المعلومة حتى الى جيب المتلقي من خلال «رسائل نصية» الى هاتفه الخليوي.


«صحافة» الرسائل النصية والمدونات, تنعم بـ «حظ المبتدئ», بحسب التعبير الغربي, ذلك ان الرقيب بنظاراته الغليظة, لا يزال عاجزاً عن ابتكار سبل لاحكام الطوق حول تلك الوسائط العابرة للقارات. ليست تلك الوسائط بالضرورة نتاج مهنيين محترفين, بل يغلب عليهم طابع الهواة, حتى باتوا يعرفون باسم «الصحافيين المدنيين» او «الصحافيين المواطنين».


وعلى رغم تطفلهم على المهنة, نجح هؤلاء الهواة بما توافر لهم من وسائل بسيطة وهي في غالب الأحيان لا تعدو كونها كاميرا الهاتف الخليوي, في التقاط أحداث لحظة حصولها, لتتهافت عليهم شركات عالمية لشرائها وبثها عبر الفضائيات أو الانترنت.


وتابع المشاركون في منتدى دبي, فيلماً قصيراً قدمه عضو المجلس التشريعي الفلسطيني مصطفى البرغوتي, ويصور الفيلم بعدسة أحد المواطنين, وقائع قتل صحافي برصاص الجيش الإسرائيلي. 


ليلى الشيخلي تدير إحدى جلسات منتدى الاعلام العربي في دبي … وجلسة أخرى أدارها الزميل محمد الحارثي وبدا جهاد الخازن والدكتورة حصة لوتاه (الحياة) 


ونجح المدونون عبر الانترنت في الانعتاق من قيود تلتزم بها المؤسسات الصحافية, ليتسرب عبر آلاف التعليقات العشوائية التي يضعونها على الانترنت, خبر من هنا او هناك, يتحول فضيحة ويقلب احياناً موازين كثيرة. ولفت متابعون للإعلام في الولايات المتحدة, الى انه كان للمدونين هناك الفضل الأكبر في نقل حقيقة ما يجري في العراق, خلافاً لـ «الحيتان» الإعلامية التي اتفقت على وضع صورة نمطية للحرب.


لم تعد هناك اذاً حواجز أمام إيصال المعلومة الى المتلقي, وذلك بفضل توافر التكنولوجيا الحديثة, لكن سقوط الحواجز أثار هواجس تتعلق بتأثير غياب الأعراف المهنية, على دقة المعلومة وصدقيتها وإن كانت مفبركة لخدمة أغراض ما أو لإثارة نعرات. من هنا يبرر البعض ضرورة فرض ضوابط على ما يبث, آخرها «وثيقة تنظيم البث الفضائي» التي وضعها وزراء الإعلام العرب في 12 شباط (فبراير) الماضي, وجوبهت برفض من غالبية المتمسكين باستقلالية الإعلام وحريته.


وبديهي ان رفض الوثيقة لا يعني تأييداً لغياب الأعراف والأخلاقيات, بمقدار ما هو رغبة في معالجة جذرية للأسباب الكامنة وراء الخوف على النوعية والمصداقية في المحتوى الإعلامي. وبيّن نقيب الصحافيين المصريين مكرم محمد أحمد والصحافي والمحلل السياسي المخضرم محمود شمام في جلسة للمنتدى خصصت لمناقشة الوثيقة, مضار الضوابط على حرية الإعلام واستقلاليته. وشدد شمام على وجوب ان يكون البحث في كيفية إيصال المشاهد أو «المتلقي» الى مرحلة يستطيع معها الحكم على نوعية المعلومة, وهذا أمر يتطلب ثقافة عامة في المجتمع, تمكنه من تقويم ما ينشر ويبث.


من هنا, يمكن القول إن المجتمع المثقف البعيد عن النعرات والأحقاد قادر على تقويم المادة الإعلامية بمعزل عن مدى جاذبية الغلاف التكنولوجي الذي تقدم به, وفي الوقت ذاته, فإن أحداً غير قادر على صنع حقيقة ما لم تكن موجودة, بقدر ما ان «شيئاً لم يحدث ما لم يتم وصفه», بحسبما تقول الروائية الإنكليزية الشهيرة فيرجينيا وولف.


واذا كان المحتوى هو نتاج ثقافة المجتمع, فإن الخطر الأكبر يبقى في خلط المفاهيم أو قلبها, بهدف التضليل, وتغليب رواية للحدث على الحقيقة. ونبّه الى ذلك ام جيه اكبر, وهو أحد ابرز الكتاب والصحافيين في الهند, وأعطى مثالاً على ذلك, المقارنات المستجدة بين «الإسلام والغرب», مشيراً الى ان المقارنة العادلة يجب ان تكون بين دين وآخر لا بين دين ومنطقة جغرافية!


لا تزال نظرية وزير الدعاية النازي جوزف غوبلز: «اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون», مصدر الهام لمن يرغب في تشويه الحقيقة, لكن تطبيق هذه النظرية دونه امتلاك القدرة على التأثير بوسائل إعلامية قوية, إضافة الى ان ما اسقط هذه النظرية ومعها مادة الدعاية النازية بكاملها, هو ان المعلومة لا يمكن ان تتحول حقيقة راسخة ما لم يتوافر حولها إجماع تاريخي, وهو أمر يصعب امتلاكه حتى على وسائل الدعاية الإسرائيلية التي عجزت الى الآن عن إخفاء واقع الاحتلال وممارساته.


ماذا يبقى للصحافة المكتوبة اذا كان المشاهد يتابع آخر أحداث اليوم في نشرات الأخبار المسائية عبر الفضائيات؟ سؤال يؤرق باستمرار الكتاب ومالكي الصحف, وبحسب تقديرات اشار اليها الأستاذ جهاد الخازن, فإن آخر نسخة من صحيفة مطبوعة ستلقى أمام منزل في إحدى البلدات في الولايات المتحدة بحلول عام 2054.


في أواسط التسعينات من القرن الماضي, اراد كوميدي بريطاني ان يصوّر تنافس الفضائيات على تقديم خدمات للمشاهدين, وجلس أمام الكاميرا منتحلاً دور مذيع نشرة الأخبار, وسرعان ما ظهر على الشاشة شريط الأخبار المتحرك في أسفلها, ثم إشارة المحطة والساعة في أقصى اليسار واليمين, تلتها إشارة عن حال الطقس, وشريط آخر متحرك للرسائل النصية من المشاهدين, والى ما هنالك, حتى امتلأت الشاشة بالإشارت وبات بالكاد يرى وجه المذيع!


في هذا المشهد الفكاهي, دلالة مهمة الى محدودية ما يمكن تقديمه الى المتلقي عبر الشاشة, ناهيك عن قدرته المحدودة على متابعة معلومات متعددة في آن واحد, في حين تتوافر في الصحيفة الواحدة مساحة كافية لتمرير عشرات الإعلانات, الى جانب الأخبار والنشرات والتحليلات التي تضيف الى ثقافة القارئ.


في مدن العالم, ترى معظم الناس منهمكين خلال انتقالهم في القطارات الى مراكز أعمالهم, في قراءة صحيفة أو كتاب صغير, ثم تضطلع على أرقام مذهلة عن مبيعات المطبوعات والكتب في الغرب, بمئات الآلاف من النسخ يومياً , فيما لا يتجاوز مبيع افضل كتاب في العالم العربي, بضعة مئات من النسخ, فما بالك بالصحف؟


يقول مسؤول في إحدى الصحف العربية انه يجد صعوبة بالغة في العثور على خريجين جدد يمتلكون معلومات عامة كافية لمعالجة خلفيات الأخبار لدى تحريرها, واذا كان هذا واقع الذين يفترض بهم ان يقدموا المعلومة للمتلقي, فهل يلام الأخير على قلة اهتمامه. واذا كانت «أمة حرة وحدها تنتج اعلاماً حراً», ألا يصح ايضاً القول ان نوعية المحتوى الإعلامي مسؤولية المجتمع؟

مقالات ذات صلة