تقارير أمنية

الثورة المصرية في المنظور الإسرائيلي

المجد-

شكلت الثورة المصرية في «25 يناير» والتي لا تزال تفاعلاتها المتسارعة تتطور كل يوم، صاعقة كبيرة وقعت على رؤوس أصحاب القرار في إسرائيل، وعلى كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، وحتى على مستوى الشارع الصهيوني بكل فئاته وتلاوينه السياسية.

فالمتابع عن كثب لسير المواقف الإسرائيلية، إزاء الثورة الشعبية التي هبت على أرض الكنانة لا بد من أن يلحظ بشكل صارخ مدى القلق، وحالة الهلع التي بدأت تضرب بعمق اطنابها داخل مفاصل القرار الإسرائيلي، انطلاقا من الإدراك لمعنى ومغزى هذا النهوض الهائل والمفاجئ لشعب مصر، ومعنى أي تغيير قادم في مصر، ليس على الصعيد المصري فحسب، إنما على مصير المنطقة العربية والإقليمية عموماً، وعلى عملية السلام خصوصاً. ‏

في البداية، يمكن القول: إن تقديرات أجهزة الأمن الإسرائيلية، لم تكن لتتوقع أبداً انفجار الغضب في الشارع المصري، وانطلاقة بهذه الصورة المذهلة التي فاقت كل التقديرات والتوقعات، وأدهشت شعوب المعمورة بأسرها. ‏

ففي اجتماع سري جرى قبل أسبوع واحد من اندلاع شرارات الثورة المصرية، كانت قد عقدته «لجنة الخارجية والأمن» الإسرائيلية، وبحضور رؤساء الأذرع الأمنية المختلفة، وأثناء تقويم الحدث التونسي أعلن رئيس شعبة المخابرات العسكرية في جيش الاحتلال الجنرال «افيف كوخافي» تقديراته التي مفادها أن لا داعي للقلق على استقرار النظام في مصر، وإن كانت هناك أشكال من التمرد قد تقع وقد جرت عملية تسريب مقصودة لبعض ما جرى في وقائع ذلك الاجتماع لبعض وسائل الإعلام. ‏

غير أن الأمر المهم هنا، أن اللجنة ومعها قادة الأذرع الأمنية، عادوا إلى الاجتماع بعد هبوب عاصفة الثورة المصرية، وهم يرتعدون من سوء تقديراتهم ومن المخاوف التي انتابتهم إزاء نجاح الشعب المصري في اقتلاع نظام مبارك، وإعادة مصر إلى دورها السابق في إطار العمل العربي قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد. ‏

ومع هذا، فإن صاعقة الانتفاضة المصرية، ضربت بعنف إسرائيل، وشلت تفكير القيادة الإسرائيلية التي أصيبت بحالة من الهذيان، وهي تحاول عدم تصديق ما حصل. ‏

ومن هنا، وللحفاظ على الحد الأدنى من توازنها، حافظت «مراكز صنع القرار الإسرائيلي» في الأيام الأولى من ثورة الشعب المصري على تجنب الحديث عما يجري هناك. ‏

ولعل هناك سبباً جوهرياً وراء الصمت الإسرائيلي في أيام الثورة المصرية الأولى، وقد كان القصد منه المداراة على حالة الذعر التي دبت في أوصال الشارع الإسرائيلي ومحاولة مدروسة لإخفاء التحركات والاتصالات الإسرائيلية المكثفة التي جرت مع الإدارة الأميركية للاطمئنان على ما سيحدث بعيد اندلاع تلك الثورة وبهذا الحجم الذي فاجأ أيضا أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية، وحتى المصرية. ‏

لكن­، ومع دخول الثورة الشعبية المصرية ، غير المسبوقة خط اللاعودة أو الرجوع إلى الوراء، كسر نتنياهو الصمت الذي ألزم به نفسه وحكومته وقال: «يجب علينا ضبط النفس على أمل استمرار العلاقات السلمية مع مصر». ‏

بل سار إلى أكثر من ذلك، عبر دعوة الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي للتدخل من أجل وقف تآكل النظام، أو في إعادة إنتاجه على الأقل بـ «إعادة إبدال الطرابيش». ‏

إن من الطبيعي القول: إن لمصر دوراً وحضوراً وتأثيراً من الزاوية الجيوسياسية ليس ذا شأن صغير، فمصر نظام مبارك هي الممر والمعبر والعراب، وهي ميزان القبان في الرؤية الأميركية لتكريس وتمرير السياسات الأميركية في المنطقة وتحديداً فيما يخص الصراع العربي- الصهيوني. ‏

وعليه، ففي التقدير الأميركي والإسرائيلي، فإن انتفاضة الشعب المصري تضرب بالصميم كل التوجهات الأميركية في المنطقة، وانطلاقا من ذلك هناك ثمة حالة عالية من القلق والمخاوف في اسرائيل إزاء ما يجري في مصر، وهي مخاوف بدأت أولاً بالقلق على مصير «اتفاقية السلام» العام 1979. ‏

إن القلق الاسرائيلي من امكانية واحتمال انهيار التسوية مع مصر، يعني بالنسبة إلى اسرائيل عودة مصر إلى خطها الماضي الأبوي للأسرة العربية. ‏

فمعاهدة كامب ديفيد شكلت نجاحاً كبيراً للسياسات الخارجية الأميركية واختراقاً نوعياً لمسار الأحداث في المنطقة منذ ثلاثة عقود خلت، إذ حيّدت مصر بطاقاتها وإمكاناتها وحضورها وثقلها وأخرجتها إلى خارج دائرة الصراع الفعلي مع المشروع الصهيوني، ومنحت إسرائيل حدوداً طويلة آمنة، وفتحت أمامها نوافذ وأبواباً في العالمين العربي والإسلامي كانت موصدة أمامها على الدوام، وتالياً، فمن الطبيعي أن يندب قادة إسرائيل حظهم مع انتفاضة الشعب المصري بقولهم: «إن إسرائيل مدينة كثيراً لمبارك ورجاله لما فعلوه طوال العقود الثلاثة الماضية لإسرائيل». ‏

 

إن احتمالات انهيار معاهدة التسوية مع مصر، تشكل الآن جوهر القلق والهلع الإسرائيلي للأسباب الآنفة، يضاف إليها أولاً ما يتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي المصري المستخرج من سيناء، والذي تستهلكه إسرائيل وبأسعار زهيدة جداً، وتكاد تكون مجانية، وثانياً: ما يتعلق بالملاحة في قناة السويس ومضائق تيران. ‏

 

وفي هذا السياق، فقد أشارت بعض الصحف الإسرائيلية قبل أيام، إلى أن أكثر من نصف استهلاك إسرائيل من الغاز الطبيعي مصدره مصر، وأن محطات توليد الكهرباء في إسرائيل تعتمد بشكل شبه كلي على الغاز المصري، وأن مصر وإسرائيل ملتزمتان معاً باتفاقات لشراء الغاز المصري حتى العام 2030، وبموجب هذه الاتفاقات، فإن الشركة المصرية- الإسرائيلية، والمعروفة بـ«أي أم جي» تعمل على سحب الغاز المصري وفق الاتفاقية، لكنها أشارت في المقابل إلى أن وزارة البنى التحتية في إسرائيل، أجرت مناورات حثيثة استعداداً (لحالة طوارئ) في حال انقطاع التحرك لضمان أمن الطاقة من دون الاتكال على الآخرين. ‏

 

إن الفرضيات والسيناريوهات الإسرائيلية لمرحلة ما بعد نظام مبارك تنحو باتجاه رسم حلول وخرائط حذرة، تفرض على الاحتلال أن يعيد تقويم استراتيجيته بما في ذلك إمكانية مواجهة احد أهم الجيوش في المنطقة والمقصود هو الجيش المصري. ‏

 

إضافة إلى إعادة الجيش الإسرائيلي النظر في بنيته ونظام قوته، فمعاهدة كامب ديفيد جعلت إسرائيل تخفض إلى النصف نفقاتها العسكرية، وهو ما جعل الجيش الإسرائيلي يخفض من عديد قواته على نحو تدريجي، وخفض سنّ الإعفاء من الخدمة الاحتياطية وتحويل موارد كبيرة إلى أهداف اقتصادية واجتماعية. ‏

مقالات ذات صلة