عين على العدو

تقرير مدار الاستراتيجي 2011: إسرائيل تتجه نحو اليمينية والتطرف

 

المجد-

 أظهر تقرير استراتيجي أعده مركز "مدار" أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو اليمينية والعداء للعرب، وأشار التقرير إلى انهيار تحالفات إسرائيل في المنطقة وبحثها عن تحالفات بديلة.

ورصد التقرير أهم  المستجدات والتطورات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية في العام 2010، كما  يستشرف تطور الأمور ووجهتها في الفترة المقبلة. وتعرض التقرير بالتفصيل للتطورات في الساحة الإسرائيلية في سبعة محاور أساسية هي: محور المفاوضات، محور العلاقات الخارجية، المحور السياسي، المحور الأمني والعسكري، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي ومحور الفلسطينيين في إسرائيل، بالإضافة إلى ملخص التقرير التنفيذي.

تعداد السكان

بلغ تعداد سكان إسرائيل نهاية 2010 وبحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية حوالي 7,695 نسمة، منهم  5,802 من اليهود ويشكلون 75.4% من التعداد السكاني العام و42% من يهود العالم، فيما وصل تعداد السكان العرب إلى  1,573 ويشكلون 20.4 % من السكان، إضافة إلى  320 ألف نسمة صنفوا كآخرين ويشكلون 4.2 % من السكان.

وسجل العام 2010 نموا سكانيا بمعدل 1.9 % مقارنة ب1.8 % العام 2009 ويسجل المستوطنون والمتزمتون أعلى نسبة للنمو السكاني بين اليهود حيث وصل معدل نمو السكان الاستيطاني في الضفة الغربية منتصف 2009 إلى 5.3% ثم ارتفع إلى 5.9% في 2010، فيما ينتمي ثلث الأطفال الذين ولدوا عام 2010 لعائلات يهودية متزمتة (حريدية).

ووفق التقرير، تؤثر معطيات النمو وتباينها داخل الفئات اليهودية، استراتيجياً على بنية المجتمع الإسرائيلي المستقبلية وشكله وتحوله إلى مجتمع أكثر تدينا وتزمتا، وهو ما يمكن أن نلمسه من العلاقة الاطرادية بين درجة التدين والجيل، إذ يعتبر اليوم 14% من الشباب الذين تتراوح أجيالهم بين 20 عاما و 29 عاما أنفسهم متدينين متزمتين (حريديم) مقابل 2% فقط من أبناء 65 عاما وما فوق، وان أضفنا إلى هذا أن ما يقل فقط بقليل عن نصف تلاميذ الصفوف الأولى من اليهود يتعلمون في مدارس التيار الديني (الحريدية والدينية القومية) سنرى أن المجتمع الإسرائيلي يتحول بخطى ثابتة نحو مجتمع أكثر تزمتا وتدينا وهو ما يعني أيضا أكثر تشددا اتجاه العرب والصراع.

وأشار التقرير الى أن هذا التغيير ينعكس على تشكيلة مؤسسات القوة في الدولة وبنيتها، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم عسكرية، وفي هذا السياق تشير المعطيات الجديدة التي نشرت في أيلول 2010 إلى ارتفاع نسبة الضباط الذين يلبسون القبعة الدينية في الجيش الإسرائيلي، وأن عدد خريجي دورة ضباط القوات الجوية قفز من 2.5% عام 1990 إلى 31.4% عام 2007 أي أكثر بـ 12 مرة خلال 17 عاما فقط.

الميزانية

على المستوى الاقتصادي بلغت ميزانية إسرائيل للعام  2010 حوالي 325  مليار شيكل (86 مليار دولار) فيما ستبلغ الميزانية العامة للعامين المقبلين  714 مليار شيكل (حوالي 200 مليار دولار) منها 348 مليار شيكل لعام 2011 والباقي لعام 2012.

وقد سجل عام 2010 انخفاضا في نسبة البطالة التي تراجعت إلى 6.7%  بعد أن كانت بنسبة 7.9% عند نهاية 2009، بالمقابل ارتفع معدل الأجر الفعلي للفرد بنسبة 3.6 % بعد تآكله بنسبة 2.4% عام 2009 ، وارتفع معدل الأجر للأجير الواحد إلى 8340 شيكلا (2330 دولارا) بعد أن كان 7,463 شيكلا في نهاية العام 2009. فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 106.4 ألف شيكل، ( 29.7 ألف دولار).

سياسة نتنياهو عام 2010

وبحسب التقرير، تشكلت سياسات نتنياهو من خلال تقاطع أربعة عوامل مركزية:

  التعويل الكامل على القوة العسكرية: ما يعني الإيمان الراسخ أن القوة العسكرية وقوة الردع هي أهم مرتكز للسياسة الإسرائيلية يعول عليها للدفاع والردع، والأهم تحقيق الأهداف السياسية، اضافة الى ترسخ الإيمان بأن ما  لم يتحقق بالقوة سيتحقق فقط بمزيد من القوة.

 هيمنة السياسة الداخلية على السياسة الخارجية- فلسطينيا يعني هذا ربط استحقاقات الملف الفلسطيني ليس فقط بالحسابات القومية الإستراتيجية، بل بالحسابات التكتيكية الائتلافية والفئوية.

 انزياح ثابت ومستمر في تركيبة المجتمع من مجتمع علماني إلى مجتمع متدين ويميني وتحول مستمر للحريدية الشرقية التي تمثلها شاس نحو صهيونية يمينية، ويعني هذا التغير أن ما كان ممكنا سياسيا يصير أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

غياب رؤية إسرائيلية موحدة لكيفية حل الصراع: تغيب عن السياسة الإسرائيلية رؤية إستراتيجية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يعبر عنها بالتغيرات المطردة للمواقف من الصراع بحسب الأحزاب المختلفة والتغيرات الدائمة في تركيبة النخبة الحاكمة، وعلى الرغم من الادعاء أن لا فرق عمليا بين توجهات ما يسمى اليمين الصهيوني واليسار الصهيوني، فان الاختلافات حتى في التكتيك وأدوات إدارة الصراع الدبلوماسية تعطي تأثيرا دوليا وإقليميا متباينا على مكانة إسرائيل ككل.

الأحداث المفصلية

تقاطعت في  نهاية 2010 وبداية 2011 مجموعة من الأحداث المفصلية الداخلية والإقليمية والدولية في لحظة معينة كان بدا فيها الجمود السياسي والتعنت الإسرائيلي يسيطران على المشهد، وهو ما قد يجبر إسرائيل إما على العمل جديا على إنهاء الصراع، وهو ما يعني تقديم عرض جديد لم تقدمه حتى الآن، أو تعميق عزلتها والانزلاق نحو مستقبل مجهول يحمل ملامح كثيرة من حالة دولة الأبارتهايد في عقد السبعينيات والثمانينيات.

1.                  بوادر ظهور "الشرق الأوسط الجديد": يشكل هذا أكثر الأحداث أهمية على الإطلاق وهو ناتج عن تقاطع  عاملين مركزيين هما:

 الثورات العربية، وتقف على رأسها الثورة المصرية التي تتعدى أهميتها الإطاحة بنظام حسني مبارك الذي اعتبر إسرائيليا نظاماً صديقاً ومتعاوناً إلى حدّ بعيد، مبدئيا على الأقل يفتح هذا التغيير الدراماتيكي شباكا لعودة مصر للعب دور أكبر كقوة إقليمية في المنطقة.

ويتوقع أن تتناغم مواقفها وتحالفاتها وخياراتها السياسية مع نبض الشارع المصري الذي استمد النظام الجديد شرعيته منه، وهو ذات الشارع الذي يرفع منذ الآن مطالب بتغيير اتفاقات مع إسرائيل اعتبرها غير عادلة كاتفاقية تصدير الغاز، وذلك على  الرغم من أن المجلس العسكري الأعلى أعلن أن مصر ستحترم اتفاقياتها الدولية بما في ذلك اتفاقية كامب ديفيد، إلا انه من غير المتوقع أن تعود العلاقة الثنائية بين البلدين إلى سابق عهدها. 

أفول الحلف العسكري الإسرائيلي التركي مقابل انزياح تركيا أكثر باتجاه حلف سورية-إيران، وان كان الحديث عن حلف تركي إيراني سوري ما زال مبكرا، إلا أن هذا الانزياح يعني عمليا خسارة إسرائيل لأحد أهم أصدقائها في المنطقة، خاصة أن هذا الأفول يتقاطع مع تغيير آخر مهم هو عودة سورية بصورة أو بأخرى إلى لبنان وذلك من خلال نجاح حلفائها في تيار 8 آذار بقيادة حزب الله بشق صفوف تيار 14 آذار أولا وإسقاط حكومة الحريري ثانيا، وهو ما يعني عمليا إعادة تموضع التحالف السوري الإيراني من جديد في الساحة اللبنانية  وتزايد نفوذ سورية في الحيز اللبناني وبترتيبات تحالفاته الإقليمية بما يتواءم والرؤية الإيرانية السورية بعيدا عن الإرادة الأميركية والإسرائيلية.

 

2.                  تعاظم عزلة إسرائيل الدولية وتزايد عمليات نزع الشرعية عنها: أدى الجمود السياسي في عملية السلام إلى جانب مواقف حكومة نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان المتصلبة تجاه الفلسطينيين وما رافقه من رفض تجديد تجميد الاستيطان إلى تزايد عزلة إسرائيل الدولية عام 2010 التي ترافقت مع ارتفاع حدّة النقد الأوربي لنتنياهو، وهو ما عبرت عنه كاترين اشتون بمحادثة مع نتنياهو عندما قالت له: "يجب أن تفهم: أنتم تخسرون أكبر أصدقائكم في أوروبا".

وبالتوازي مع النقد المتعاظم على الحكومة الإسرائيلية من قبل حكومات أوروبية حليفة تتزايد في إسرائيل التقارير التي تتحدث عن استمرار نزع الشرعية عن إسرائيل وتدهور صورتها في العالم، وأشار استطلاع نفذته وزارة الدعاية والشتات بين الإسرائيليين عشية إطلاق حملة لتحسين صورة إسرائيل في العالم ان 90% من المستطلعين الإسرائيليين وافقوا أن إسرائيل تواجه مشكلة جدية وجدية جدا في ما يخص صورتها، ووافق 80% على ان إسرائيل تظهر في الخارج بمظهر الدولة العنيفة، وتتقاطع هذه الأجوبة مع كل مع نتائج استطلاع عالمي تقوم به سنويا هيئة الإذاعة البريطانية، حيث اتضح انه ينظر إلى إسرائيل كدولة ذات تأثير عالمي سلبي، وأدرجت إسرائيل في المكان الرابع قبل الأخير وسبقتها في السلبية إيران، كوريا الشمالية والباكستان، وقد سبق أن نشر معهد ريئوت الإسرائيلي للتخطيط الاستراتيجي ورقة موقف في 2010 اعتبر فيها ان إسرائيل تواجه حملة غير مسبوقة من أجل نزع شرعيها، واعتبر الأمر بمثابة تهديد استراتيجي يأتي بعد تهديد النووي الإيراني.

3.                  إسرائيل أكثر تدينا وأكثر يمينية: يشهد المجتمع الإسرائيلي تحولا داخليا بنيويا، حيث يتحول نحو مجتمع أكثر تدينا، وبالتالي أكثر يمينية وهو ما يتم التعبير عنه  من خلال التزايد المطرد في نسبة المتدينين من مجمل السكان ومن نمو نسبتهم في مؤسسات الدولة الفاعلة، في المقابل يزداد أكثر وأكثر التشديد على الطابع اليهودي وعلى طبيعة الدولة اليهودية، وهو ما يمكن رصده من خلال تزايد وتيرة التشريعات المطروحة في الكنيست، مقابل حملات الملاحقة التي تشنها أطراف يمينية على منظمات حقوق إنسان يهودية وعربية ومنظمات مجتمعية يسارية مثل منظمة  صندوق إسرائيل الجديد، إضافة إلى شن حملة على دوائر علم الاجتماع وعلى علماء الاجتماع النقديين في إسرائيل والتحريض عليهم، وكل هذا يأتي في ظل تزايد حملات تشديد الخناق على العرب.

وبالمقابل تتزايد قوة أفيغدور ليبرمان في السياسة الداخلية، ويرى اليوم كثيرون بمن في ذلك بعض كبار المسؤولين في حزب الليكود الحاكم، أن وزير الخارجية ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف ليبرمان أصبح بمثابة "رئيس الحكومة الفعلي" في إسرائيل عقب انشقاق باراك.

 

وعلى الرغم من أن ليبرمان هو علماني وبعيد  كل البعد عن التدين، إلا أن أفكاره اليمينية المتشددة والمتطرفة تجاه العرب تهيمن على خطابه وتتقاطع بقوة مع الأفكار اليمينية للمتدينين.

أدوات مواجهة التغيرات

رصد التقرير مجموعة من الأدوات تستخدمها أو يتوقع أن تستخدمها إسرائيل في سبيل مواجهة التطورات المتلاحقة في المنطقة:

1.      التهيؤ عسكريا لسيناريو المواجهة: ويعني هذا افتراض سيناريو المواجهة بوصفه إمكانية حقيقية تتطلب التهيؤ التام من الناحية اللوجستية والعسكرية، وبالذات التهيؤ للأخطار الأمنية المحتملة من الاتجاه المصري ولكن ليس حصرا، وعلى الرغم من أن هذه الإخطار سترتبط بالضرورة بتطورات إقليمية وبشكل التعاقدات الدولية التي ستتطور ناهيك عن شكل الأنظمة التي ستبرز، فان إسرائيل تفترض الأسوأ وتتهيأ له وهو ما يمكن لمسه  بداية بإضافة 700 مليون دولار لميزانية الأمن والدفاع بعد أن كانت مقرة وذلك في أعقاب ثورة 25 يناير، ومن ثم ما طرحه لاحقا وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في 8 آذار 2011 خلال مقابلة صحافية عن نية إسرائيل التوجه إلى أميركا بطلب زيادة المساعدات العسكرية  إلى 20 مليار دولار، وذلك كي تتمكن إسرائيل من تهيئة نفسها عسكريا للمخاطر التي قد تنجم عن الثورات العربية.

 

2.      الترويج لفكرة "إسرائيل حليف مستقر وحيد لأميركا في الشرق الأوسط": ويعني هذا اعتبار عدم الاستقرار الإقليمي عاملا ثابتا والتعامل مع الاستقرار بوصفه عاملا متحولا وبالتالي التهيؤ لأخطار دائمة مستقبلية، ما يعني إبقاء إسرائيل على أهبة الاستعداد العسكري لمواجهة أي مستجدات تطرأ لأن قوتها العسكرية هي ضمانتها الوحيدة التي تواجه بها محيطها المتخبط.

ونوه التقرير إلى أنه حتى في حال وصول رئيس مصري "معتدل" من وجهة نظر إسرائيل إلى السلطة، فان هذا لن يغير من توجهها هذا السعي إلى إيجاد تحالفات دولية جديدة.

وأشار إلى أن إسرائيل  خسرت عام 1979 حلفها الاستراتيجي مع إيران الشاه، وفي 2010 خسرت حلفها الاستراتيجي مع تركيا، ويبدو أنها أيضا في طريق خسارة صداقتها مع النظام في مصر، بمعنى آخر انهارت خارطة التحالفات الاسرائيلة في المنطقة، وبدأت إسرائيل في السعي نحو تأسيس تحالفات جديدة بديلة تعوض خسارتها الإستراتيجية، وبحسب المعلومات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية فقد بدأت إسرائيل تطوير شراكة عسكرية واستخباراتية جديدة مع اليونان وبلغاريا ودول أخرى في البلقان مثل اكرانيا ومقدونيا.

مقالات ذات صلة