عين على العدو

النكبة نكبات

 


 


ذكرى النكبة على الأبواب، وللذين وضعوها في صندوق المهملات فإننا نذكرهم بأنها في الخامس عشر من مايو/ أيار، ستكون ستون عاما مضت عليها، فرخت عشرات النكبات ومئات الهزائم والمصائب، أصابت الأرض العربية بالخراب والدمار، رغم كل البنيان الذي نراه على امتداد الوطن العربي، والشوارع الواسعة الفسيحة، والبيوت الفخمة التي تقول كل واحدة لأصحابها: من أين لك هذا، والأسواق المنتفخة بالناس المترددين، والفرح الذي يسود وسائل إعلامنا المرئية، والثراء الفاحش لدى كثيرين، والأعلام المرفوعة فوق المؤسسات الحكومية، واستمرار الجامعة العربية، واستمرارية وجود الدول، بل وتزايدها. النكبة فرخت قيما هزيلة وثقافات نحيلة مشوهة، وأجيالا لا تعرف عن النكبة شيئا، ولا تعرف عن أوطانها إلا ما تدرسه المناهج، والمناهج طمست النكبة، وزورت التاريخ، ومسحت من الذاكرة كلمة (عدو) لتستبدله بالأمر الواقع، وأحيانا (الجار).


 


على الرغم من قولنا سابقا، وبناء على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعاش، ليس بمقدورنا التحدث عن سياسة عربية واقتصاد عربي واستراتيجية عربية وثقافة عربية وأدب عربي وفن عربي وشخصية عربية، رغم ذلك، يمكننا التحدث عن الهزيمة العربية، والنكبة العربية، لأن ألسنة لهيبها امتدت إلى كل دولة عربية، آسيوية أو إفريقية، صغيرة أو كبيرة، جمهورية أو ملكية، وامتدت إلى كل بيت وكل جمجمة، اعترف الناس أم لم يعترفوا، حاول البعض رسم صورة وردية أم لم يحاولوا، تبقى الحقيقة متجسدة في كل نشرة أخبار، في عيون الناس، في الخوف والذعر من الآخر، في ارتباك المستقبل، في الحدود، في مؤتمرات القمة، وفي كل سطر يكتبه المفكرون العرب وكل كلمة في كل كتاب، وفي كل حرف من خطاب.


 


فلسطين لم تضع في العام ،1948 فلسطين ضاعت قبل ذلك بكثير، حين تسلمت زعامات عربية خاضعة للنفوذ الأجنبي سدة الحكم، حين نشأت دول بأمر خارجي إرضاء للزعامة الفلانية والقبيلة الفلانية، حين تزعمت الإقطاعية العربية والفلسطينية مقادير الأمور، حين غضت الطرف عن ممارسات المستعمر البريطاني في فلسطين، حين انشغلت كل دولة بمشاكل (المخترة والباشاوية والبيكوية والملكية)، بمعنى آخر، حين ارتضى العرب على أنفسهم أن يعيشوا في سجون ظلام العادات والتقاليد الباهتة، والجهل العقيم، حين سجنوا المرأة في سجن التخلف وارتضوا أن يعطلوا كل المجتمع وليس نصفه. أما في العام ،1948 فقد ضاعت فلسطين بشكل حقيقي، حين لم تكن نوايا الجيوش المهاجمة (جيش الإنقاذ) تحرير فلسطين، وحين قاد الجيش في إحدى جبهاته جنرال إنجليزي (تخيلوا معي إنجليزي على رأس جيش عربي لتحرير فلسطين)، وحين أبطل هذا الجيش مفعول المجاهدين الذين كانوا يناوشون العصابات الصهيونية، وحين ارتضى العرب أن يستضيفوا اللاجئين لستين سنة.


 


فلسطين لم تضع كلها في العام ،1948 بقيت الضفة الغربية تحت السيطرة الأردنية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية حتى عام ،1967 حين وقعت النكسة، وخسر العرب هذه المرة كل فلسطين، إضافة إلى سيناء والجولان، وباتت مدافع الصهاينة تصل دمشق وبيروت وعمان والمدن المصرية. وبذلك تكون فلسطين قد ضاعت للمرة الثالثة. أما المرة الرابعة التي ضاعت فيها فلسطين فكانت في العام 1973 حين نشبت حرب رمضان، وأسموها (حرب العبور) واستعاد فيها الجيش المصري أرضا، وخسر جوهر الأرض، نتيجة اتفاقية كامب ديفيد، التي وضعت شروطا قاسية على الجانب المصري، وبذلك تم تحييد مصر من الصراع العربي الصهيوني، وتكون فلسطين قد ضاعت للمرة الرابعة. أما الضياع الخامس فحين نشبت حرب أهلية في لبنان وكانت منظمة التحرير جزءا منها، رغم أن البعض يعتبر تلك الحرب استمرارا لقوى النضال والدفاع عن المكتسبات الوطنية!! والضياع السادس كان حين حاصرت قوات الاحتلال الصهيوني بيروت في العام 1982 واجتاحت جنوب لبنان، وأجبرت منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة (معاقلها) نحو شتات جديد، وحدثت بعدها مجازر صبرا وشاتيلا وحصار المخيمات الفلسطينية، أما الضياع السابع فكان حين قام نظام صدام حسين بالدخول في حرب مع إيران، موجها البوصلة العربية والدم العربي في الوجهة الخاطئة. والضياع الثامن وهو ضياع كبير، شكل مفصلا في القضية الفلسطينية رغم البعد المكاني، حين قام نظام صدام حسين باحتلال الكويت، والضياع التاسع حين عادت منظمة التحرير إلى قطاع غزة والضفة الغربية (دخول الفاتحين). والضياع العاشر حين احتلت قوات التحالف بزعامة أمريكا الأرض العراقية بأكملها. والضياع الحادي عشر حين (انتفضت) حماس على فتح في قطاع عزة، والضياع الثاني عشر يتم الآن تحت الطاولة بين الحكومة الفلسطينية والكيان الصهيوني. والضياع الثالث عشر يتم منذ فترة حين بدأت رموز الكيان العبري باختراق المحرمات في الدول العربية وحضور المؤتمرات وعقد الصفقات، والتعامل مع “إسرائيل” كدولة جوار، والضياع الرابع عشر يتمثل في الأعلام الصهيونية المرفرفة في بعض العواصم العربية.


 


أما الهزائم غير المرئية فهي في غياب الدور العربي عن الساحة العالمية، وخضوع النظام العربي للعقل التقني الأجنبي، واستسلام المنظومة العربية للأفكار القادمة من الغرب كالعولمة، خاصة بتوقيعها الاتفاقيات العالمية التي تضر بمصالحها، كما تتجلى الهزائم في الشخصية العربية التي تحولت لتكون شخصية غير معروفة الهوية، لا هي عربية ولا غربية ولا شرقية. والهزيمة الكبرى في استيراد مفاهيم ديننا وتفسيرات قرآننا من الآخرين.


هل نحتاج إلى معجزة للقضاء على كل هذه الهزائم؟ ليس المقصود نشر الإحباط، بقدر وضع النقاط على الحروف، فالهزيمة مرة، ومرارتها وصلت الى الروح، فما العمل؟

مقالات ذات صلة