عين على العدو

الاحتلال بين خيار الحرب والتهدئة

 


 


تنشغل وسائل الإعلام هذه الأيام في الحديث عن التهدئة ، بل إن حديث الشارع الفلسطيني يدور حول هذا الموضوع ، ولا غرو في ذلك وقد طال الحصار الظالم على كل مناحي الحياة ، وهذا الذي حمل حماس أن تتعاطى مع الجهود المصرية فيما يخص التهدئة بمرونة أكثر ، وهي بذلك تكون قد ألقت بالكرة في الملعب الإسرائيلي .


وبالرغم من أن حماس لم تستجد التهدئة وتلهث في طلبها ، حيث إنها علقت قبولها بتوافق الفصائل الفلسطينية ، إلا أن في التهدئة مصلحة للشعب الفلسطيني وحركة حماس ، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التهدئة المطروحة مشروطة بفتح معبر رفح ، وهذا في حد ذاته إذا تحقق يكون أكبر خرق للحصار وانتصار للمقاومة وصمودها .


وهناك أيضاً الطرف المصري من المستفيدين من التهدئة ، إن كان ذلك على المستوى الاقتصادي وذلك من خلال حركة القادمين والخارجين من العبر ، أو على المستوى الأمني حيث إن توتر الأوضاع في قطاع غزة يهدد الأمن المصري ولاسيما على صعيد الجبهة الداخلية .


أما على المستوى الإسرائيلي فهو أيضاً مستفيد من التهدئة وذلك إذا تذكرنا ما أحدثته صواريخ المقاومة من حالة من الإرباك والاستنزاف للجبهة الداخلية ، ولاسيما البلدات المجاورة لقطاع غزة والتي هي تحت مرمى الصواريخ ، هذا كله حمل بعض الساسة والمفكرين الصهاينة للمطالبة بالتفاوض مع حماس .


 


ولكن هناك حقيقة لابد أن نذكر بها وهي أنه بالرغم من مصلحة جميع الأطراف بالتهدئة إلا أن الجميع يشك إذا أبرمت أن تصمد طويلاً .


وهذا يجعلنا نسأل عن خيارات دولة الاحتلال هل هي التهدئة أم الحرب ؟  


بالرغم من أنه وحتى الآن لم يصدر موقف رسمي عن قادة العدو من التهدئة ، لكن المرء يستطيع أن يقرأ من خلال تصريحات قادة العدو وممارسات جيش الاحتلال وسلوكياته على الأرض أن العدو يصير نحو الحرب وتصعيد العدوان نحو على غزة وتشديد الحصار على أهلها وذلك من خلال عدة مؤشرات:


المؤشر الأول : إنه وبمجرد الإعلان عن موافقة حماس عل التهدئة جاء الرد الصهيوني بمزيد من العدوان على الشعب الفلسطيني بدأ بمجزرة بيت حانون البشعة والتي أدت إلى ارتقاء أم وأطفالها الأربعة شهداء جراء إصابتهم وبصورة مباشرة بقذيفة صهيونية حاقدة استهدفت منزلهم الآمنة وحولتهم إلى أشلاء ، فضلاً عن عمليات القصف المتواصلة من الطائرات الصهيونية على أهداف وتجمعات مدنية كان آخرها في مدينة رفح ،أدت إلى ارتقاء اثنين من قادة المقاومة الفلسطينية وإصابة عدد من المدنيين بجراح مختلفة ، إضافة إلى عمليات التوغل المستمرة في أراضي المواطنين والتي تمتد من شمال القطاع إلى جنوبه حيث تجريف الأراضي الزراعية واقتحام البيوت الآمنة واعتقال كل من فيها ، وعمليات المداهمة والاعتقال المتواصلة وبشكل يومي في مدن وقرى الضفة المحتلة .


المؤشر الثاني : تصريحات قادة العدو التي تذهب نحو الحرب ، فقد طالب آفي ديختر وزير الأمن الداخلي الصهيوني من أعضاء المجلس الوزاري المصغَّر للشئون الأمنية والسياسية رفضَ المبادرة المصرية للتهدئة مع حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وباقي فصائل المقاومة، منتقدًا بشدة التعاطيَ الصهيوني مع “التهدئة”.


وفي الوقت نفسه دعا “آفي ديختر”، رئيس حكومة الاحتلال “أولمرت” إلى عقد جلسة للحكومة أو المجلس الوزاري المصغر للمصادقة على خطة أعدها جيش الاحتلال لوقف إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة . ونقلت إذاعة الاحتلال الإسرائيلية عن “ديختر” قوله خلال جلسة مجلس الوزراء قوله إن “المجلس الوزاري أصدر تعليمات للجيش قبل أسبوعين بالعمل على وقف الإطلاق وليس تخفيفه”. وطالب “ديختر” بإعطاء الضوء الأخضر للجيش من أجل العمل على ما أسماه “وقف إطلاق النار من قطاع غزة وليس تخفيفها”.


 وأشار ديختر إلى إحصاءات تدل على تصاعد سقوط الصواريخ الفلسطينية على البلدات والمواقع العسكرية الصهيونية المحاذية لقطاع غزة، موضحًا أنه سقط منذ بداية العام الحالي (900) صاروخ, بينما سقط طوال العام الماضي (1100) صاروخ، داعيًا إلى تكثيف الجهود لمحاربة حركة “حماس” وتوسيع حجم أعمال استهداف مسئولي الفصائل الفلسطينية.


 


وفي السياق نفسه أعلن رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست تساحي هانغبي، أن الاحتلال الإسرائيلي “على وشك البدء بعمليات برية واسعة في قطاع غزة”.


وقال هانجبي في حديث لإذاعة جيش الاحتلال: ” كلما أسرعنا في تنفيذ العملية المقررة، فإن ذلك سيكون في مصلحة الاحتلال” . وأوضح هانجبي أن رئيس حكومة الاحتلال إيهود أولمرت، ووزير الحرب ايهود باراك “متفقان على تنفيذ تلك العملية التي تستهدف تدمير البنى التحتية لحركة (حماس) في قطاع غزة”، مشيراً إلى أن “قرار البدء في العملية يخضع لإجراءات عملية وكلما كان أسرع كان أفضل”.


 


 المؤشر الثالث : أن قادة العدو يعتقدون أن تهدئة ترفع الحصار عن غزة فيها نصر لحماس


فقد نقلت صحيفة “هآرتس” العبرية على موقعها الإلكتروني عن آفي ديختر وزير الأمن الداخلي  قوله: ” إن أية موافقة صهيونية على المبادرة المصرية للتهدئة سوف تعطي شرعيةً لحركة حماس في قطاع غزة “. ومن جهة أخرى أعرب غالبية الوزراء الإسرائيليين خلال اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)،  والذي عقد الخميس الماضي عن معارضتهم لموافقة (إسرائيل) على التهدئة، مبررين رفضهم هذا بأن التهدئة ستسمح للفصائل بالتسلح وإعادة تنظيم نفسها والاستمرار بعد ذلك في إطلاق الصواريخ باتجاه جنوب الدولة العبرية وتنفيذ هجمات.


 


المؤشر الرابع : اعتقاد قادة العدو بأن أية تهدئة لن تطول حيث سرعان ما تقوم قوى المقاومة لخرقها وذلك بعد تأخذ فرصة تلقط فيه نفسها وترتيب صفوفها .


لهذا كله فإن الخيار الأقوى لدى قادة العدو هو خيار الحرب على غزة وحماس ، ولعل ما يؤكد ذلك ما حذرت منه صحيفة “واشنطن بوست” من أن هناك إشارة صهيونية كبيرة ربما قام بتوصيلها عدد من كبار المسئولين الذين زاروا واشنطن سراً الشهر الماضي وهي أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي  في الطريق إلى صراع كبير مع حركة حماس في قطاع غزة.


 


وقالت الصحيفة إن هذه المعركة كانت على وشك البدء قبل شهر بدعوى أن حماس بدأت للمرة الأولى إطلاق صواريخ على مدينة عسقلان بالإضافة إلى وابل من الصواريخ التي كانت تستهدف مدينة سديروت لعدة سنوات. وأضافت الصحيفة “لكن المسئولين يتصورون أن أولمرت وباراك ليس لديهما اهتمام يذكر بالتوصل لاتفاق مع حماس. فهما يعترفان أن وقفاً للهجمات من كل من الجانبين ربما يجعل محادثات السلام الجارية أكثر يسراً – وأن صراعاً شاملاً من شبه المؤكد أنه سيقضي على عملية أنابوليس”.


 


وقالت الصحيفة أن عدداً متزايداً من المسئولين “الإسرائيليين” يرون أن المواجهة في غزة مع حماس هو أمر أكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية من المحادثات مع “المعتدل” محمود عباس. والرؤية في إسرائيل أنه لا بديل لصدام عسكري مع حماس في غزة وربما قبل نهاية ولاية بوش .


 


وبناءً على ذلك فمن المتوقع أن يتعامل العدو مع المبادرة المصرية بشئ من المناورة والمراوغة كسباً للوقت والاستفادة من حديث التهدئة لتوفير أجواء آمنة للاحتفال بالذكرى الستين لقيام دولة الاحتلال . بل ليس من المستبعد إعطاء موافقة صريحة على التهدئة ، ولكن من أجل خدمة الغرض ذاته .


فهل ستسمح المقاومة للاحتلال أن يكسب الوقت، ويراوغ ويناور ؟ !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى