عين على العدو

هنية وشيخ الأقصى : إنَّا باقون ما بقي الزعتر والزيتون !

 


في ذكرى النكبة الفلسطينية التي تلفُّ شعباً هُجِّر ظُلماً و جُوراً من أرضه و وطنه , واقتلع من بيوته وبياراته , و في يومٍ أعلنه أهل الشتات الفلسطيني ليقيموا فيه مؤتمراً يؤكد تمسُّكَهم بحقهم في العودة إلى ديارهم و أراضيهم ؛ ألقى الشيخ رائد صلاح كلمة مؤثرة , استنهضت العواطف المكتنزة في نفوس المهجَّرين و دغدغت مشاعر المُبعدين , بعباراتٍ مؤثرة تدمع منها العيون و تُجرح بها القلوب من قسوة الماضي الذي تستحضره أمامنا ..


 


افتتح المؤتمر واستهلَّ كلماته , بالخطاب المتلفز لرئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية ؛ الذي ما إن سمعه الحضور حتى تسابقت أيديهم بالتصفيق و أفواههم بالتكبير .


و تلخَّصت كلمة الرئيس في عناوين أساسية , حافظ عليها في كل خطاباته ؛ وركَّز على حق العودة , و طمأن الجميع بأنه لن يُسمح لأي جهة كانت أو أي رئيس أو قائد أو منظمة ؛ أن تبيع هذا الحق أو تتنازل عنه .


 


وأشار هنية في كلمته إلى قضية الحصار الخانق على شعب غزة موضحاً بأن هذا الحصار الذي بُني على باطل ، لدوافعٍ سياسية ؛ يرجع في أسبابه إلى رفض الحكومة الفلسطينية التخلِّي عن الحقوق التي اجتمع فلسطينيو أوروبا ليُذكِّروا العالم بها , ثم قال : ” بعد مرور سنتين على هذا الحصار؛ سقطت هذه الرهانات، ولم نتنازل عن ثوابت شعبنا، نعم اشتدت المعاناة جراء هذا الحصار ونالت كل الشرائح، ولكنها لم تمس النفوس الكبيرة لهذا الشعب”.


 


تشابهت عبارات الكبار اليوم 3-5-2008 , فقد قال الشيخ رائد صلاح في نهاية كلمته , جملةً تاريخية ردّدها رئيس الوزراء الفلسطيني سابقاً في 2-8-2007 في عُرس جماعي , في بيت لاهيا شمال القطاع , حضره الشيخ هنية و عرض فيه كلمة تغيظ الصهاينة , ومن ظنَّ أنه بإغلاق المعابر عن غزة سيحرمها من الأعراس والأفراح , أو سيجعلها تزيغ عن ثوابتها , أو تتنحى عن مواقعها لتُسلِّم قلاعها ؛ قائلاً : ” إنا باقون ما بقي الزعتر و الزيتون ” ..


 


هي ذاتها الكلمات المعدودة التي صرخ بها الشيخ صلاح في مؤتمر فلسطينيي أوروبا ؛ بقاءً في القدس الشريف وبقاء في غزة العِزَّة , و زعتر و زيتون شُبِّه به هذا الثبات !


فرائحة الوطن و خيراته لا يعرفها ولا يتغنى بها إلا الذي يرتبط مع فلسطين برابط روحي تعجز الكلمات عن وصفه و يَعجب منه من لا يشعر به أو يشُق عليه تخيله أو تفسيره ؛ وفي هذا خير دليل على أنَّ كبارنا جاؤوا من ذات المعاناة التي تطعَّمنا بها , ولم تسرق منهم السنين تلك المعاني الفلسطينية العريقة والروابط الوثيقة بالأرض والهوية , وأنَّ تأكيدهم على حق العودة وحفظ الحقوق ؛ نابع من محبة للوطن وإخلاص للقضية وتمسك بعهد الله وميثاقه و حفظاً للأمانة التي حُمِّلوها من شعبهم والواثقين بهم من أبناء الأمة الإسلامية والعربية ..


 


ولأن يد الله مع الجماعة ولأن فلسطين للجميع ولأن وحدة الشعب الفلسطيني تكون في توحُّده على الحقوق والثوابت ؛ نادى الشيخ رائد صلاح الفرقاء الفلسطينيين و دعاهم للتحاور قائلاً : ” نتمنى عليكم أن تجددوا حواراً فلسطينياً مستقلاً، حواراً حراً، حواراً صافياً، من أجل وحدة البيت الفلسطيني، من أجل وحدة المسيرة الفلسطينية، من أجل الوقوف مع قلعة غزة المحاصرة، حتى كنس الاحتلال الإسرائيلي، حتى قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، حتى نجتمع عمّا قريب في ساحات القدس الشريف وفي ساحات المسجد الأقصى المبارك”


 


وما أن أنهى الشيخ كلماته حتى شرع رئيس الوزراء في كتابة رسالة إلى المؤتمر المنعقد في كوبنهاجن , قُرأت على الحضور و جاء فيها , ترحيب حركة المقاومة الإسلامية بالحوار الفلسطيني الذي دعا إليه الشيخ رائد صلاح وبلا شروط مسبقة ..


وهذا الموقف الأصيل من رئيس الوزراء , لم يكن جديداً على حركة حماس ؛ التي بادرت مراراً وتكراراً لقبول الحوار و السعي إليه , كما بدا واضحاً في إعلان صنعاء المُجمَّد وغير المعترف به من جانب فتح التي نقضته كما كل المواثيق الفلسطينية الفلسطينية !


 


قد يبدو في الأفق البعيد بصيص من الأمل الباهت ؛ في عودة عباس إلى الحوار الفلسطيني , بعد أن صفعته أمريكا وأظهرت له قيمته التي وضع نفسه فيها حين ظل يطوف في مفاوضاتٍ خائبة قال بيريس عن فريقها الفلسطيني ؛ بأنهم ” يهود ” وبأنه يُحس وهو يُفاوضهم كأنما يتحدَّث إلى نفسه !!


 


رفض بوش – رغم كل التنازلات التي قدَّمها عباس – أن يضم في رسالته التي سيليقها في ذكرى قيام دولة الباطل ؛ تأييده لقيام دولة فلسطينية في غزة والضفة و القدس الشرقية , مع وقف الاستيطان ؛ لأن في ذلك تعارضاً مع رسالة الضمانات التي قدّمها شارون ولأن ذلك كفيل بإسقاط حكومة أولمرت !


 


و إثر تلك الصفعة على وجه عباس الكالح ؛ أعلن عزمه على عدم الترشح مرة أخرى لرئاسة السلطة – هذا طبعا لا ينفي أنَّه جاء للسلطة بالمال الأمريكي الذي وُزِّع على الأجهزة الأمنية لتنتخب “مهندس أوسلو” , بعد أن أصبح فارس أوسلو “عقبة ” في طريق السلام , قبل أن يُقتل بيد أبنائه !


 


لن يتوقف عباس عن هرولته إلى الجانب الصهيوني , إلا أنَّ هذه الإهانة الأمريكية قد توقظ ضميره – إن وجد ! – لتُرجعه إلى الشعب الفلسطيني , لِبدء صفحة جديدة بحوارٍ صادق وجاد , يخرج فيه الطرف الفتحوي من المستنقع الصهيوأمريكي !


 


وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى أنَّ المؤتمر السادس للعودة و لفلسطينيي أوروبا كان ناجحاً في هذا العام و قد حقق جزءاً كبيراً مما يطمح إلى تحقيقه , فقد لبَّى دعوة المؤتمر وشارك فيه عدد كبير ومبارك من الشخصيات المرموقة والتي لها مكانتها وقدرها في الحاضر الفلسطيني , بالإضافة إلى العدد الكبير من المهجَّرين الذين احتشدوا في كوبنهاجن برغم العلاقات السيئة السائدة بين العرب و الدنمارك على خلفية تطاولها على سيد الخلق والمرسلين , هذا مع التذكير بأن صدى المؤتمر قد بلغ المدى بوساطة وسائل الإعلام المهنية التي نقلت المؤتمر ونقلت فيه توحُّد الخارج الفلسطيني ولُحمته مع الداخل , وخير نجاح للمؤتمر سيكون عندما تُحقق فيه رسالة الشيخ رائد صلاح مغزاها وتجتمع الأطراف الفلسطينية على طاولة الحفاظ على الثوابت ..


 


وهذا يؤكد ما قاله الشيخ إسماعيل هنية في نهاية كلمته المُتلفزة : ” المستقبل هو لنا ، الاحتلال إلى زوال، فالاحتلال باطل والباطل إلى زوال، ولن يتمكن أحد في هذا العالم مهما تمكن من القوة والسطوة من أن يزهق الحق الذي نتمسك به والذي قامت عليه السماوات والأرض ” .


 


فالأيام القادمة برغم الصعوبات الجسام التي ستتخللها إلا أنَّ نصرنا وتمكيننا سيكون فيها , ولا بد لليل الباطل أن ينجلي عن غزَّة و عن الضفة و عن القدس وأكنافها والعراق السليب والصومال المنسي و السودان وأفغانستان و كل شعب مظلوم و وطنٌ مضطهد , لأن هذا هو الحق و ” إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ” ..

مقالات ذات صلة