عين على العدو

فلسطين: خدعة أمريكية عمرها 65 سنة

 


 


 “لقد أكدت للرئيس (محمود عباس) أن إقامة دولة فلسطينية هي أولوية عالية بالنسبة لي ولإدارتي. دولة قابلة للحياة. دولة لا تبدو كقطعة الجبنة السويسرية”.


 


بهذه الصراحة القاطعة تكلم الرئيس الأمريكي بوش الأسبوع الماضي، فقابل الرئيس عباس كلماته بخشوع ظاهر. ماذا بقي إذاً؟ أن يصدق بوش، وأن يصدق عباس، فتنتهي في لحظة مشكلة شرق أوسطية عمرها مائة عام.


 


لكن هذا بالطبع لن يحدث. ليس فقط لأن “إسرائيل” حولت الضفة إلى جبنة سويسرية مثقوبة بألف مستوطنة، بل أساساً لأن تاريخ الدبلوماسية الأمريكية يؤكد وجود خدعة كبرى لا تزال واشنطن تمارسها ب “نجاح كبير” منذ نيف و65 عاماً. وبالطبع، ليس ثمة ضرورة للتساؤل عمن هو الطرف المخدوع هنا.


 


نحن الآن في العام 1943. مشكلة فلسطين بدأت تظهر بوضوح على شاشات رادار واشنطن بفعل عاملين: تزايد الحراك الصهيوني الضاغط، وردود الفعل العربية الغاضبة عليه. الفرصة أمام واشنطن لصياغة أكثر إيجابية جاءت في ربيع 1943 حين بعث الرئيس روزفلت في 26 مايو/ أيار برسالة إلى الملك عبدالعزيز بن سعود جاء فيها، إن رأي إدارته هو أنه “يجب عدم اتخاذ أي قرار يغير الوضع الأساسي لفلسطين من دون “التشاور الكامل” مع كل من العرب واليهود”.


هذه المرحلة بالغة الأهمية تاريخياً لفهم الدور الأمريكي، ليس فقط في إقامة دولة “إسرائيل”، بل أيضاً في دفع مشروع هذه الدولة إلى الحالة القصوى التي كانت تطالب بها الحركة الصهيونية. أوضح إشارة إلى هذا الدور هو التفسير الذي عرضه إيفان ويلسون (في كتابه الشهير “القرار حول فلسطين”) لصيغة “التشاور الكامل” التي تبنتها الإدارة الأمريكية في العام 1943. قال: “صيغة التشاور الكامل لم تعن، كما زعم، أنه يجب الحصول على موافقة العرب قبل أن يطرأ أي تغيير على “الوضع الأساسي. إن التزامنا لأطراف النزاع هو التشاور معهم، وفي العام 1946 أجرينا مشاورات مع العرب واليهود وبعدها قلنا إننا بذلك نفذنا التزاماتنا”!


 


ويوضح ويلسون كيفية تطبيق دبلوماسية “التشاور الكامل” بقوله، إنه كان يطلب من وزارة الخارجية أن تصدر بياناً توضيحياً، بعد كل تصريح رئاسي أمريكي مؤيد للمطالب الصهيونية، بحيث إن اللعبة أصبحت كالآتي: بيان رئاسي مؤيد للصهيونية  ردود فعل عربية معارضة  بيان عن الخارجية يوافق عليه الرئيس ويصاغ بتعابير عامة لإرضاء العرب. كان روزفلت يعلق على بيانات وزارة الخارجية حول ردود الفعل العربية بقوله: “إنها بالضبط رسالة وزارة خارجية. إنها لا تقول شيئاً”.


 


نحن الآن في العام 2008


واشنطن تواصل سياسية “التشاور الكامل”، لكن هذه المرة بالمقلوب: الرئيس الأمريكي يعد الفلسطينيين بدولة قابلة للحياة “خارج قالب الجبنة السويسرية”، ثم يجري “مشاورات” مع “الإسرائيليين” حول أنجع السبل لتمرير خطط الاستيطان.


في ،1943 أكل العرب طعم هذه الخدعة الكبرى. وهم ما زالوا حتى اليوم، وبرغم مرور 65 سنة على وضعها، عالقين في صنارتها. فهل هذا غباء منهم أم استغباء لهم؟


 


الاثنان معاً على الأرجح!

مقالات ذات صلة