عين على العدو

وهم يحتفلون بالنكبة العربية في فلسطين

 


 


بعد أيام قليلة من الآن، وتحديداً في منتصف هذا الشهر يحتفل العدو الصهيوني بمرور ستين عاماً على اغتصابه للوطن الفلسطيني والأرض الفلسطينية، وما زيارة بوش القادمة للمنطقة إلا في هذا الإطار. وفي الوقت الذي يحتفلون هم «بنكبتنا العربية في فلسطين«، التي لم يكتف أعداء الأمة الاستعماريون، بما سببوه من نكبة ثم نكبات وحروب وعدم استقرار في المنطقة العربية بعد حلم (نابليون) بالوطن القومي لليهود، وبعد وعد (بلفور المشئوم)، إنما ماطلوا بعد ذلك، حتى بعد أن أقرّ العرب المهزومون داخلياً بالوجود الصهيوني في أرض عربية، ماطلوا في إعطاء الفلسطينيين، وعلى الرغم من (أوسلو ومدريد) أيضاً، في إعطائهم أي شيء،


 


حتى «دويلة« هشة لا تتجاوز رقعتها 8% من الأرض الفلسطينية الأم، وعلى الرغم من كل التنازلات العربية، والتهافت الرسمي العربي للعديد من دول المواجهة وغيرها من الدول العربية على التطبيع أو السلام المنفرد. وفي الوقت الذي يتم فيه قتل غزة بالحصار الجنوني، الذي للأسف تشارك فيه أغلب الدول العربية، فإن الديمقراطية الفلسطينية أيضاً تم حصارها، ليتم بعدها معاقبة شعب بأكمله في غزة والضفة الغربية، ماعدا الجوقة الفلسطينية (المتأمركة والمتصهينة) التي أرادت بناء أطماعها الذاتية والسلطوية على حساب قضية الشعب، وهي تتشدق بـ (الدفاع السلمي) عنه وعن مصيره أمام الميكروفونات وفي المؤتمرات الدولية الخائبة. هكذا يأتي بوش إلى إسرائيل، ليدشن ستين عاماً من الاغتصاب والاحتلال وتشريد الفلسطينيين، وليؤكد الدعم الأمريكي المستمر، الذي لا حدود له، فيما المجرم الصهيوني يستمر في وحشيته وهمجيته وعنصريته ضد الشعب الفلسطيني، الذي لم يكن له أي ذنب تجاه اليهود، سوى أن الغرب الاستعماري فكر في بلادهم (كوطن قومي) لأولئك اليهود الصهاينة، ونفذوا ما فكروا ووعدوا به، لتصبح القضية الفلسطينية القضية الوحيدة والفريدة في العالم كله، بعد قضية السكان الأصليين في أمريكا (الهنود الحمر) الذين تمت إبادتهم، لتتشكل الولايات المتحدة على عظامهم وأجسادهم ودمائهم المبادة، وحيث الفعل الأمريكي هو ذاته الفعل اليهودي الصهيوني مع فارق أن الفلسطينيين لن يكونوا قط هنوداً حمراً. فماذا فعل العرب وماذا يفعلون تجاه ذكرى هذه النكبة، التي أخفقوا تماماً في استعادة ما ضاع من حق بسببها؟ بغض النظر عن كل ما سبق من التصرفات الرسمية العربية المريبة فإنهم استقبلوا خلال الشهر الماضي وزيرة الخارجية الإسرائيلية بالحفاوة والترحيب في العاصمة القطرية (الدوحة) وسيستقبلون مجرم الحرب (بوش) بعد انتهائه من الاحتفال مع الصهاينة في إسرائيل بذكرى تأسيس دولتهم (دولة الاغتصاب والاحتلال)، وسيكون ذلك في أهم وأكبر عاصمتين عربيتين. بل هم يفعلون أكثر من ذلك. انهم يقدمون الدعم المعنوي، وبعضهم العسكري، لاستحكام الحصار على (غزة)، والغريب أن مِن بين مَن يفعل ذلك وجوه السلطة الفلسطينية نفسها، وكلهم معاً يؤسسون لنكبات إضافية في فلسطين، بل هم أيضا يحاصرون المقاومة العربية الإسلامية في لبنان، على الرغم من أنها وحدها أثبتت القدرة والفاعلية في تسجيل الهزيمة للعدو الصهيوني خلال حرب 2006م، وأول مرة بعد إحباط نتائج حرب 1973م. وإلى جانب ذلك فهم يحاصرون (سوريا) وهي الدولة العربية الوحيدة التي تبدي ممانعة حقيقية، في تمرير المشروع الأمريكي على المنطقة، وتدعم المقاومة العربية وخاصة في لبنان. وعلى الرغم من فشل (المبادرة العربية) للسلام، وإعلان عمرو موسى أكثر من مرة فشلها بل موتها، فإن جوقة العرب الراكبين في الركب الأمريكي والصهيوني (سلطات ونخبا) ليس فقط تتجاهل وتتناسى ذكرى النكبة، وأخذ الدروس خلال الستين عاماً الماضية، بعد أن وضع هؤلاء كل بيضهم في السلة الأمريكية المثقوبة، فإنهم أيضا يتهافتون على (التطبيع السري) لمن لم يطبع علناً، ولا يجدون أي حرج أو أي خزي عربي في الاحتفاء بالقادة الصهاينة، حين يتوافدون سواء على الدول ذات الاتفاقيات السلمية المنفردة مع إسرائيل، أو ذات التطبيع المعلن معها، فيما آخرون يقفون في طابور الخبز الأمريكي المسموم، مشتاقين إلى امتصاص السمّ الذي فيه أكثر فأكثر، بعد أن تخلوا تماماً عن أي صيغة للأمن العربي القومي، أو أي صيغة لاستدراك ما تم فعله فيهم خلال العقود الماضية، وعواقب سياستهم الاستسلامية الدارجة. وحده الشعب الفلسطيني المنكوب، تتضاعف اليوم معاني ورمزية نكبته، التي لم يعد (العدو فيها) المغتصب الصهيوني وحده، أو الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين وخاصة منذ ما بعد حرب 1967، أو القادة الأوروبيين، وانما أصبح بعض القادة العرب حلفاء للعدو ضدهم، مما يجعل من النكبة الفلسطينية نكبات متعددة، تتلون مع الزمن العربي الذي وصل إلى الحضيض بكل ألوان ما بداخل ذلك الحضيض من وسخ وغثاء. طوبى للشعب الفلسطيني، الذي تسانده الشعوب العربية وحدها على الرغم من أنها معتقلة في سياسات حكوماتها المتهافتة، وطوبى للمقاومة العربية والممانعة العربية، أينما كانتا، فوحدهما بإمكانهما قلب الطاولة يوماً على رؤوس الجميع، المغتصبين والمحتلين والمطبعين، على الرغم مما يبدو اليوم في الفضاء العربي من سحب داكنة وفضاءات معتمة، فليرقص من يرقص، وليحتفل من يحتفل، ولكن الاحتفال لن يبقى حكراً عليهم إلى الأبد، لأن نبض هذه الأمة لن يموت أبداً، مادام فيها ثقافة وفعل المقاومة، ولأن الاستعمارات والاحتلالات العنصرية مهما دامت، فلن تدوم أيضاً إلى الأبد، مادام هناك شعب فلسطيني حيّ، لايزال يقاوم، تحت أقسى الظروف منذ ستين عاماً، وعلى الرغم من كل محاولات القتل والإبادة والتشريد والتجويع والحصار، والتاريخ البشري يثبت ذلك، فلكل امبراطورية صولة وجولة، ولكل مستعمر ربما صولات وجولات، وحتماً ما بعد القمة (الاستعمارية) ليس سوى القاع والحضيض واستعادة الشعوب حقوقها وتسجيل انتصارها، حتى في ظل القتامات المطلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى