تقارير أمنية

هكذا اغتال “الموساد” عالم الذرة الإيراني مسعود محمدي

بقلم: بوعز بيسموت

تعاني طهران في المدة الأخيرة وسواس التجسس: فنظام آيات الله يرى، مؤخراً، الجواسيس في كل مكان: في الجو والبحر والبر. كشف الجنرال فرزاد إسماعيل، هذا الأسبوع، لوكالة الأنباء الإيرانية "إيرانا" كيف أفشل سلاح الجو الإيراني محاولة طائرتي تجسس أجنبيتين دخول المجال الجوي الإيراني. واستغل أيضا يوم سلاح الجو ليبشر بأن إيران غير متعلقة بنظام الصواريخ الدفاعية الروسية المتطور اس300 لحماية منشآتها الإستراتيجية. وفي موازاة ذلك تقريبا أدين شاب إيراني باغتيال عالم ذرة إيراني، خدمة لـ "الموساد". فهل طهران في ضغط؟.

مهنة خطرة

عشية محاكمة مجيد جمالي فاشي قبل أسبوعين كشف لعدسات التصوير كيف جنده "الموساد" لتصفية عالم الذرة الإيراني الكبير البروفيسور مسعود محمدي في العام 2010. كان ذلك بالنسبة لإيران برهاناً على أن إسرائيل تفعل كل شيء للتشويش على مشروعها النووي. وقد نشرت إيران الكثير جدا من قصص التجسس في الـ 15 سنة الأخيرة يصعب شيئاً ما أن نعرف ما الصحيح وما غير الصحيح، لكن شيئا واحدا واضح وهو أن شخصا ما اغتال العالم النووي. ومن الواضح عند إيران من المستفيد من الجريمة، مثل اغتيال عالم الذرة مجيد شهرياري الذي اغتيل في تشرين الثاني 2010 بعملية مزدوجة جرح فيها زميله فريدون عباسي. فقد قرر شخص ما أن يجعل مهنة عالم الذرة في إيران مهنة خطرة جدا. في 12 كانون الثاني 2010 استعد البروفيسور مسعود محمدي ليوم عمل آخر في قسم الفيزياء النووية في جامعة طهران. همّ محمدي، الذي سكن حي كاتريا الجميل شمال العاصمة، دخول سيارته الخاصة، في حين ألصقت شحنة ناسفة بالدراجة النارية التي وقفت قربها وانفجرت وأدت إلى موته. استعملت الشحنة بتحكم عن بعد، في الوقت الذي اقترب فيه العالم من السيارة بالضبط. أبلغت سلطات إيران عن الاغتيال بتوسع، وأثبتت ردود كبار مسؤولي السلطة مبلغ كون محمدي رفيع المستوى في المشروع النووي – وهو مصدر الفخر الأكبر للجمهورية الإسلامية. الأحد الماضي حكمت إيران بالموت على المسؤول- في زعمها -عن اغتيال محمدي، مجيد جمالي فاشي، ابن السادسة والعشرين، وهو مواطن إيراني زعم انه عمل في خدمة "الموساد". وأبلغت وكالة "رويترز" أن "إسرائيل رفضت الرد".

عبر المدعي العام في طهران، عباس جعفري أبادي، عن ثقة في نفس اليوم بأن المسؤول عن الاغتيال سيوقف ويعاقب. وأبلغت وسائل الإعلام الإيرانية في المقابل أن جهات "معارضة للثورة متماثلة مع المستكبرين" مسؤولة عن العملية. وفي هذا الأسبوع بعد اغتيال العالم بنحو من سنة ونصف، كشفت إيران عن المسؤول عن العملية في زعمها.

اعترف مجيد جمالي فاشي في التحقيق معه بأنه عمل في خدمة "الموساد" الإسرائيلي، وقبل القيام بمهمة اغتيال العالم الكبير. وقد انضم فاشي إلى قائمة طويلة من إيرانيين عملوا- بزعم طهران- في صفوف "الموساد". بل إنهم في إيران يتفكهون ويقولون إن كل عاطل عن العمل يستطيع أن يجد لنفسه وظيفة بسهولة. أين؟ في "الموساد".

أبلغت قناة التلفاز الإيرانية "فارس تي في" في بداية الأسبوع أن مجيد جمالي فاشي اعترف بكونه عميلا إسرائيليا قتل العالم النووي الإيراني، لكن ليس قبل أن يتلقى تدريبا مكثفا في إسرائيل. إن الشاب الإيراني، ابن السادسة والعشرين الذي جند لـ "الموساد" مختص بـ "الكيك بوكسنغ". وبحسب التقارير خرج فاشي إلى تركيا في تشرين الأول 2007 بقصد أن يجد ملجأ سياسيا في واحدة من دول أوروبا، وفي تركيا التقى جالين إيرانيين كان عند واحد منهم عرض مثير.

"كان أحد الأشخاص الذين عرفتهم أثناء زيارتي لتركيا شخصا كبير السن. فعرض عليّ أن انضم إليه إلى القنصلية الإسرائيلية بقصد أن أجد هناك عملا ذا راتب مرتفع. وبحسب قوله "كانت الأجرة التي أتوقع أن أحصل عليها هناك يمكن أن تغطي بهدوء جميع نفقاتي"، اقتبس من كلام فاشي في تقرير في التلفاز الإيراني. وتحدث فاشي للمحققين معه كيف جند لـ "الموساد" وحصل على تدريب في إسرائيل لتنفيذ اغتيال محمدي.

"استيقظت مبكرا وكما أرشدت بالضبط جئت إلى مستودع انتظرتني فيه المعدات. كان يجب عليّ أن أعد الشحنة الناسفة. ركبت الدراجة النارية ووصلت نقطة اللقاء، حيث كان يفترض أن اتصل بمستخدمي. وصلت قرب بيت عالم الذرة وكان فارغا. أوقفت الدراجة النارية قرب البيت. وقيل لي آنذاك إن مهمتي نفذت، وإن عليّ أن أغادر المكان".

تحدث فاشي للمحققين معه أنه لم يعمل لأسباب عقائدية بل اقتصادية. "كان وضعي الاقتصادي صعبا وكانت لديّ القدرات لتنفيذ ما طلب إلي"، قال. واعترف بأنه حصل على 120 ألف دولار أجراً على القيام بالمهمة، وقال: "يوجد ناس ولدوا لمهام كهذه".

تدريبات في هرتسليا

تحمس الإيرانيون لقصص العميل الذي كشف عن كيفية عمل "الموساد": "استغرقت زمنا طويلا حتى اجتزت جميع الامتحانات. أرادوا أن يفحصوا كيف أصمد في أوضاع ضغط، وكيف أنجح في تجنيد ذوي اتصال. استغرق الأمر سنة بالضبط من اليوم الذي نشأت فيه الصلة بيني وبين الموساد حتى التقيت عميل موساد وجهاً إلى وجه. فقد امتحنوني مدة سنة كاملة ولم يوجد أي لقاء". وآنذاك جاءت اللقاءات في أماكن مختلفة في العالم إلى أن هبط في إسرائيل.

"عرضوا عليّ جواز سفر إسرائيليا كان لمواطن إسرائيلي ولد في تل أبيب وحمل صورتي، لكنه حمل اسم شخص آخر – رام سوليماني".

تلقى العميل الإسرائيلي تدريبات مختلفة في منشأة في هرتسيليا، بل إنه خرج لعدة مهام امتحانية عرفها مرشدوه بأنها مهمة جدا. "تحدث إليّ مرشدي في خصوصية. وامتدح عملي وقال لي إن العملية المعدة لي ذات أهمية كبيرة وانه يتوقع لها ثمنا باهظا. بل قال لي إن عددا كبيرا من الناس جندوا للهدف نفسه وإنهم يعتمدون عليّ. وقال إنني إذا فشلت فسيكلف ذلك حياة مشاركين كثيرين في العملية".

بعد اغتيال محمدي خرج فاشي في عدة رحلات إلى الخارج. وحافظ على الصلة بـ "الموساد" من إيران، أثناء ذلك عبر حاسوب متنقل. "كان الحاسوب المتنقل الذي حصلت عليه مختلفا. ووعدت بان سلطات إيران لن تنجح في العثور عليّ وأنها غير قادرة على حل لغز كلمة واحدة ترسل إليّ. كان للحاسوب برنامجا ويندوز، عُرف الأول بأنه "أحمر" والثاني "أبيض". وقد أرسلت الرسائل عبر البرنامج الأحمر". تحدثت سلطات إيران، هذا الأسبوع، عن أن العميل الإسرائيلي واحد من مجموعة كبيرة عملت في الدولة. وما زالت تبحث عن أولئك المسؤولين عن شراء الدراجة النارية والمستودع والشحنة الناسفة، ويزعم فاشي أنه لم ير قط شركاءه. ومهما يكن الأمر فقد حكمت عليه المحكمة بالموت.

بحسب القانون الإيراني يملك المتهم 20 يوما لتقديم الاستئناف. ويصعب أن يحظى بعفو من نظام آيات الله لأنه اعترف بالقتل و"بالتعاون مع إسرائيل وأجهزتها الاستخبارية"، وهذا أمر خطير جداً في إيران. وجريمته في إيران شديدة إلى درجة أنها تعرف بأنها "محاربة لله". وقد سارعوا في إيران إلى اتهام واشنطن لا إسرائيل وحدها. وسارع الأميركيون إلى إنكار كل صلة بالعملية، أما وسائل الإعلام في العالم فأبلغت أن إسرائيل ترفض الرد.

قنابل ودودة وذكية

لا شك بأن أمر اغتيال العالم النووي الإيراني كان مسا شديدا بمشروع إيران النووي. أبلغ كثيرا ونشر في وسائل الإعلام الدولية عن الحرب السرية التي يقوم بها الغرب في مواجهة العقوبات على إيران في مجلس الأمن على المشروع النووي الذي تعرفه إيران بأنه مدني ويعرفه الغرب بأنه عسكري.

من الواضح للإيرانيين أن الغرب، وعلى رأسه إسرائيل، يجند عملاء في إيران من الحرس الثوري أيضا الذي أوكل إليه الإشراف على المشروع النووي بقصد إفساد المعدات والتشويش على العلماء والمنشآت نفسها. وكانت ذروة ذلك إعلان رئيس إيران، محمود احمدي نجاد، الذي قال في تشرين الثاني 2010 إن دودة ستوك سنت شوّشت على المشروع النووي حينما مست بعدد من آلات الطرد المركزي في المنشآت النووية.

وأبلغت صحيفة "نيويورك تايمز" آنذاك أن إسرائيل أقامت في ديمونا آلات طرد مركزي كالتي عند إيران، وجربت الفيروس الذي أصاب برنامج إيران النووي، عليها. وزعم الإيرانيون آنذاك أن "الموساد" "غرس" الدودة بوساطة عميل فعل ذلك ماديا. وبالمناسبة نجح ذلك الفيروس مثل اغتيال العالم بتأخير البرنامج النووي. ويُعد هذا شيئا مهما في محاربة القنبلة الإيرانية.

وكانت أيضا بطبيعة الأمر العملية المزدوجة التي وجهت إلى عالمي الذرة في تشرين الثاني 2010 والتي لم يشرك فيها فاشي. وقد ألصقت آنذاك شحنات ناسفة بسيارتي العالمين من جامعة طهران، نجيب شهرياري وافردون عباسي. وآنذاك أيضا اتهمت إيران إسرائيل سريعا جدا.

قتل شهرياري، وكان عضوا في معهد الطاقة النووية في جامعة بهشاتي في طهران. وتحدث رئيس اللجنة الإيرانية للطاقة النووية، علي اكبر صالحي، أن شهرياري كان تلميذه مدة سنين "وأحسن التعاون مع لجنة الطاقة النووية".

والعالم الثاني الذي جرح وثُبط هو الدكتور افردون عباسي، الذي يعمل بحسب التقارير في وزارة الدفاع الإيرانية، وهو عضو في الحرس الثوري المسؤول عن المشروع النووي، بل انه يعد في إيران واحدا من الخبراء القلة الذين يعرفون كيف تفصل الإيزوتوبات.

نفذت عمليات الاغتيال على نحو متشابه تقريبا: فقد اقترب ركاب الدراجة النارية من سيارات العلماء والصقوا الشحنة بها. "تكشف هذه العملية عن الوجه الحقيقي للصهيونية الإرهابية ومن يحمونها"، هكذا رد مكتب احمدي نجاد.

تاريخ من التجسس

إدانة فاشي آسرة. توجد مشكلة واحدة فقط؛ مبلغ كونه صادقا لان الإيرانيين يحبون الإبلاغ عن الكشف عن جواسيس على نحو راتب.

نعود إلى إيران. في العام 1998 اعتقل تاجر الأحذية، دانيال تفيلين، بتهمة استعمال شبكة تجسس من يهود في الدولة، وبعد سنة كشف عن الشبكة كلها حينما اعتقلت السلطات 13 يهوديا آخر. استعمل الغرب ضغطا لإطلاق عشرة منهم بعد أن أطلق ثلاثة بلا محاكمة. وقد اعتقد العالم كله أن الحديث يدور عن تهم باطلة. كان واحد منهم معلما والثاني حارسا في مقبرة. وحكم على العشرة الباقين بفترات سجن تراوحت بين أربع سنين إلى ثلاث عشرة سنة، وقد أطلق سراحهم جميعا في هذه الأثناء.

في العام 2004 اتهمت إيران يهودا إيرانيين بالتجسس مرة أخرى. وزعم متحدث بلسان وزارة الخارجية الإيرانية آنذاك، حميد رضا آصفي، أن "الاستخبارات الإيرانية اعتقلت مجموعة من ثمانية صهاينة أعضاء في شبكة تجسس لصالح إسرائيل".

لكن الوضع اليوم مختلف، فهم في إيران على ثقة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تستعملان وتجندان عملاء على أرضها لإفساد المشروع النووي. وقضية العالم شهارن أماري غامضة جدا: فالحديث يدور عن عالم رفيع المستوى اختفى في العام 2009 بعد أن حج إلى مكة. وقد زعم الإيرانيون آنذاك أن السعوديين اعتقلوه وسلموه إلى الولايات المتحدة، وزعمت وسائل الإعلام البريطانية انه هرب إلى الغرب مع معلومات مهمة عن المشروع النووي.

بيد أن العالم عاد إلى إيران فجأة في تموز 2010 وزعم أن وكالة الاستخبارات الأميركية اختطفته، بل عرض عليه خمسون مليون دولار مقابل معلومات عن المشروع النووي.

لا يحب يهود إيران التقارير عن تجسس إسرائيلي لأنها تجتذب فورا ريبا موجودة من قبل. ويهود إيران على العموم معرضون لأوهام مختلفة عجيبة.

يقوم يهود إيران بكل ما يستطيعون لإظهار الولاء للنظام. فعلى سبيل المثال في مدينة أصفهان الساحرة، في ميدان فلسطين، قبالة المسجد المسمى "الأقصى" تماما يوجد كنيس يصلي فيه اليهود كل سبت. وفي كل عيد للجمهورية يهتمون بنصب لافتة تذكر بولائهم.

وفي هذه الأثناء تستعد الجمعية العامة للأمم المتحدة لاجتماعها، هذا الشهر. وسيثار التهديد النووي الإيراني للنقاش مرة أخرى. وقد يكونون في معهد الفيزياء النووية في طهران يزنون إثارة موضوع تهديد من نوع آخر يغشاهم، بل ربما يزنون زيادة أجرة مخاطرة على الرواتب.

عن "إسرائيل اليوم"

مقالات ذات صلة