عين على العدو

ماذا تعرف عن الهاشومير؟

المجد – خاص

القارئ لتاريخ الدولة الصهيونية سيجد أن أحد أهم عوامل تأسيسها هو الفكر الإرهابي ومبادئ العنف والقوة التي إتخذتها العصابات اليهودية المسلحة في بداية القرن العشرين لطرد العرب من أراضيهم وإقامة المستوطنات اليهودية عليها. وفي هذا المقال نستعرض تاريخ أحد أهم هذه الجماعات المتطرفة والتي كان لها دور كبير في ترسيخ قواعد المستوطنات اليهودية في أراضي فلسطين وهي عصابة الهاشومير.

يبدأ تاريخ جماعة الهاشومير في عام 1907 عندما قام إسرائيل شوحط وإسحق بن زفي والكسندر زيد بتأسيس جماعة باريجورا بغرض حراسة المستوطنات الإسرائيلية. وفي عام 1909 تفرعت عصابة الهاشومير من جماعة باريجورا وهاشومير هي كلمة عبرية تعني الحارس وبدأت كمحاولة أولى لتكوين جماعة عصابة تهدف إلى حماية المستوطنات اليهودية في الجليل ثم  تطورت أهدافها إلى الإستغناء عن القوات الأجنبية في حماية المستوطنات اليهودية في جميع أنحاء فلسطين.

تكونت العصابة في بدايتها من عدد قليل من الشباب من أعضاء حزب عمال صهيون وبعض أعضاء جماعات الحراسة الأخرى وقاموا بتخطي عقبة نقص رأس المال بجمع التبرعات والإقتراض لشراء وجلب الأسلحة الخفيفة مثل البنادق والمسدسات.

وإتخذ حراس الهاشومير طراز من الملابس الشعبية لتمييزهم وكان هذا الطراز يجمع بين ملابس الدروز والشراكسة والبدو، وفي البداية كان الهاشومير يقومون بالحراسة سيراً على الأقدام ثم قاموا بإستخدام الخيول أثناء فترات الحراسة والتي زادت كثيراً من نشاطات العصابة.

وكان حراس الهاشومير يقومون بإستخدام البنادق التي يستخدمها السكان الفلسطينيون، مثلا بنادق الجفت وهي بنادق أحادية ومزدوجة الماسورة. كما إستخدموا بنادق موزر والبنادق العثمانلي والبنادق اليوناني، وكان لديهم سياسة تقضي بعدم التسلح بأسلحة غير موجودة لدى العرب خشية تسربها إليهم بطريقة أو بأخرى. 

كانت إتجاهات العصابة في بدايتها غير عنيفة، حيث وضع مندل بورتجالي أحد مؤسسي العصابة قواعد تدعو الهاشومير إلى تجنب تكوين أعداء بينما هم قلة، وذلك بتجنب قتل الجيران العرب في النزاعات معهم حول الأراضي والإكتفاء بتخويفهم وإطلاق النار في الهواء  وعدم اللجوء للقتل ما أمكن.

وبإنضمام بعض المهاجرين القادمين من روسيا بدأت العصابة في تغيير أفكارها بسبب تزايد قوتها وكذلك الأفكار التي جلبها الروس والتي تدعو إلى عدم الإكتفاء بالنشاط السلبي لحماية المستوطنات وضرورة التحول إلى النشاط الإيجابي ومهاجمة العرب في عقر دارهم وإقامة مستوطنات جديدة عن طريق القوة وممارسة البلطجة ضد الفلسطينيين، وبالفعل نجحت العصابة في فرض وجود المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المنهوبة ولكنها أثارت عداء العرب بسبب نهب الأراضي عن طريق الغارات والهجمات المتكررة وقطع الطرق مما أدى إلى حدوث الكثير من المناوشات بين الهاشومير المهاجمين من جانب وبين العرب المدافعين عن أراضيهم من جانب آخر وسبب هذا الكثير من القلق للمستوطنين القدامى الذين تخوفوا من ردود فعل العرب التي قد يكون بعضها في شكل هجمات إنتقامية.

 

أصبحت الهاشومير نواة لقيام مجتمع يهودي عسكري حيث أكدت إقتراحات العصابة التي وُضعت في 1912 إلى ضرورة تطوير القوة الدفاعية لليهود في فلسطين وضرورة وجودة قوات عسكرية محترفة ومدربة للدفاع عن المستوطنات اليهودية في فلسطين. وآمنت عصابة الهاشومير بضرورة وجود قوة عسكرية يهودية داخل جميع المستوطنات وبدأت العصابة في وضع الخطط وتأسيس الأجهزة السرية لتحقيق أهدافها.

 

ونتيجة للزيادة المتنامية في قوة الهاشومير نجحت العصابة في إنشاء مستوطنات جديدة في الأراضي الفلسطينية مثل مستوطنات تل أدشيم، تل حاي و كفار جلعادي. ولكن خلال الحرب العالمية الأولى ألقت القوات التركية القبض على الكثير منهم خاصة ذوي الأصول الروسية وقامت بنفيهم إلى الأناضول بوصفهم أعداء لكونهم يحملون الجنسية الروسية، وتوقفت الهاشومير عن إنشاء المستوطنات وإكتفت بشن الهجمات على العرب.

 

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت عصابة الهاشومير قد بدأت في الضعف بسبب مطاردة الأتراك لأعضائها بالإضافة إلى هروب الكثير من اليهود وعودتهم إلى بلادهم بسبب الحرب. وفي 1919 قام بعض الصهاينة المتعصبين من أعضاء الهاشومير بتشكيل إتحاد لحراس المستوطنات والذي إعترض بن جوريون على أهدافه وأعلنت بعدها الهاشومير إنفصالها عن الصهيونية الإشتراكية والتي كانت تعبر عنها أحزاب العامل الشاب وعمال صهيون وهو الحزب المؤسس لعصابة الهاشومير في الأساس عام 1909.

 

وفي عام 1920 إتخذت العصابة قراراً بحل نفسها وتشكيل جماعة عسكرية ذات قاعدة أوسع لمواكبة التحديات العسكرية الجديدة بعد الحرب وتلبية إحتياجات الإستيطان اليهودي في فلسطين وأطلق على هذه الجماعة إسم (الهاجاناه) وهي كلمة عبرية تعني الدفاع وأصبحت أول عصابة عسكرية سرية صهيونية.

 

رفض الكثير من أعضاء الهاشومير قرار حل العصابة فإنضم بعضهم إلى الفيلق اليهودي وإنضم البعض الآخر إلى شرطة الخيالة والتي قامت بدور بارز في الدفاع عن يهود القدس و تل حاي أثناء الثورة العربية أعوام 1920 و 1921 وفرض إستيطانهم بالقوة. وقام بعض أعضاء الهاشومير المتطرفين والرافضين لقرار حل العصابة بتأسيس جماعة عسكرية أطلقوا عليها (كتائب العمل) وظلت هذه الجماعة تقوم بإنشطتها المسلحة حتى إنتفاضة 1929 والتي لم تستطع الجماعة مسايرة أحداثها العنيفة فإنضمت إلى الهاجاناه.

 

وفي يونيو من العام 1920 تم حل عصابة الهاشومير رسمياً وإعلان توقفها تماماً عن العمل كعصابة منفردة. وعلى الرغم من ذلك إستمر بعض أعضاء العصابة في الإتصال والإجتماع، وقد كان لها دور هام في الدفاع عن المستوطنات اليهودية وفرض الإستيطان اليهودي على السكان الأصليين بالقوة كما ذكرنا تمهيداً لسرقة فلسطين بكاملها وهو ما حصل لاحقاً.

مقالات ذات صلة