في العمق

“ستينية إسرائيل” وتحولات سياساتها الخارجية

من التعاون إلى علاقات اندماجية مع بولندا وألمانيا


“ستينية إسرائيل” وتحولات سياساتها الخارجية


 


أحمد صلاح البهنسي


باحث ومترجم عبري، متخصص في الشئون الإسرائيلية


 


تأتي الاحتفالات الإسرائيلية بمرور ستة عقود على قيام الدولة، والتي من المقرر أن تبدأ يوم 14 من شهر مايو، في ظل ظروف ومتغيرات تحيط بهذه الدولة قصيرة العمر في حسابات التاريخ، فمنذ مطلع العام الحالي وهناك الكثير من الجدل على الساحة الداخلية الإسرائيلية حول ماهية هذه الاحتفالات من حيث كونها احتفالات “رسمية” أو “شعبية”، وكينونتها ومغزاها الروحي والثقافي، وذلك لاعتبارها بالأساس تعبيرًا عن سيادة دولة إسرائيل وشرعية وجودها، تلك الشرعية التي اهتزت سواء بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية أو الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.


ومن ناحية أخرى، تأتي هذه الاحتفالات في ظل تزايد التهديدات الخارجية التي تتعرض لها إسرائيل وخاصة التهديد النووي الإيراني، وفي ظل مؤشرات تؤكد أن العام القادم 2009 سيكون عام “الحسم” الإسرائيلي فيما يتعلق بعدد من التهديدات الأمنية التي تواجهها.


 


مؤشرات التحول


شهدت السياسات الخارجية الإسرائيلية، بالتزامن مع الاحتفال بستينية الدولة، مجموعة من التحولات السياسية غير المسبوقة التي أثرت بدورها على توجهات وأنشطة الدبلوماسية الإسرائيلية، ففي الوقت الذي تهتم فيه إسرائيل -خلال احتفالاتها السنوية بذكرى قيام الدولة- بإثارة التاريخ العدائي الذي يربطها بتلك الدول والشعوب التي كانت سببًا أساسيًا فيما تسميه إسرائيل بـ”مأساة الشعب اليهودي” وخاصة ما تعرضوا إليه في أوروبا خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي على أيدي “النازي”، نجد أن تل أبيب شرعت في تدشين علاقات إستراتيجية غير مسبوقة مع عدد من بين تلك الدول؛ والتي يمكن رصدها على النحو التالي:


 


العلاقات مع ألمانيا: فمع مطلع شهر فبراير 2008 توالت الإشارات والفعاليات التي دللت بشدة على تتابع الإرهاصات الأولى لدخول العلاقات (الألمانية – الإسرائيلية) مرحلة “التعاون غير المسبوق”، وذلك بإعلان “يورام بن زائيف” (السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا) عن اقتراح المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” تطوير العلاقات (الألمانية – الإسرائيلية) إلى مستوى لم تصل إليه من قبل، وذلك بمناسبة مرور 60 عامًا على إقامة دولة إسرائيل، أعقب ذلك قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي “إيهود أولمرت” بزيارة رسمية لألمانيا يوم 10/2/2008 استغرقت ثلاثة أيام؛ تم الترتيب خلالها لمجموعة من اللقاءات التشاورية السنوية بين زعماء البلدين، والاتفاق على عدد من الجلسات المشتركة بين أطقم وزارية من الجانبين الإسرائيلي والألماني أكثر من مرة خلال العام الواحد، الأمر الذي يصل بدرجة العلاقات بين برلين وتل أبيب إلى مستوى تلك التي تربط بين عواصم البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.


 


وفي سياق ما سبق، قامت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” بزيارة إلى إسرائيل هي الأولى من نوعها خلال شهر مارس 2008، واستمرت لمدة ثلاثة أيام، أعربت “ميركل” خلالها عن تضامنها الكامل مع إسرائيل في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها، وذلك على الرغم من الجدل الواسع الذي أثارته هذه الزيارة غير المسبوقة في الأوساط السياسية والفكرية الإسرائيلية؛ فإسرائيل يربطها بألمانيا حتى الآن تراث من العداء والكراهية، الذي كان من الصعب للغاية توقع أن يتم تجاوزه.


 


وبشكل عام، يمكن القول إن تطور العلاقات (الألمانية – الإسرائيلية) إلى هذا الحد، يأتي في إطار إدراك كل من تل أبيب وبرلين بأن هناك حدودًا معينة للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط، لا تنجم فقط عن العلاقة الخاصة مع إسرائيل، بل أيضًا عن الدور السطحي النسبي الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط بالمقارنة مع دور الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يدفع الطرفين الألماني والإسرائيلي لمحاولة الارتقاء بهذه العلاقات لتفعيلها وتطويعها في اتجاه خدمة المصالح المشتركة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.


 


العلاقات مع بولندا: لا تختلف بولندا كثيرا عن ألمانيا، بالنسبة لإسرائيل من حيث التراث العدائي الذي يربطها بها، والذي يقف على رأس مسبباته ما يعرف بـ”تمرد جيتو وارسو” وهو تمرد منظمة يهودية بولندية مسلحة في الـ28 من يوليو عام 1942، ويعد من أكثر الأحداث التاريخية ذات التأثير السلبي على العلاقات بين كل من وارسو وتل أبيب؛ إذ أنه يُذكر بأحداث “الهولوكوست” النازية.


 


إلا أنه على الرغم من ذلك، شهد شهر أبريل 2008 مجموعة من الزيارات الرسمية بين مسئولين بولنديين وإسرائيليين على مستوى القمة، فقد قام “دونالد تاسك” رئيس الوزراء البولندي بزيارة إسرائيل.. تلك الزيارة التي وصفها بأنها “زيارة جديدة وتؤذن ببداية مرحلة جديدة أكثر ثراءً في العلاقات بين البلدين، وتؤشر إلى رغبة مشتركة في تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك، احتفالا بالذكرى الستين لقيام إسرائيل، وذلك على الرغم من أن التاريخ شكل غالبًا لعنة بالنسبة إلى البولنديين واليهود”، في حين قام الرئيس الإسرائيلي “شمعون بيريس” بزيارة للعاصمة وارسو خلال نفس الشهر، أعرب خلالها عن أمله في تجاوز الماضي وتدشين علاقات قوية مع بولندا.


 


وفيما يتعلق بالظروف والدوافع المحيطة بهذا التحسن الطارئ على العلاقات (البولندية – الإسرائيلية)، فيأتي على رأسها تنامي التعاون العسكري بين وارسو وتل أبيب في الآونة الأخيرة، فمنذ العام 1994 وقعت إسرائيل وبولندا على اتفاق تعاون أمني وعسكري، تبعه العام 2003 عقد وارسو صفقة عسكرية مع إسرائيل تقدر بحوالي 260 مليون دولار، اشترت بموجبها صواريخ مضادة للدبابات يصل مداها ما بين 200- 300 متر؛ لتدعيم قدرات الجيش البولندي، كما أعربت بولندا أكثر من مرة عن رغبتها الشديدة في الاستعانة بخبرات سلاح الجو الإسرائيلي لتدريب الطيارين البولنديين.


 


كما يأتي موضوع تعويض اليهود عن ممتلكاتهم التي فقدوها في بولندا، كأحد أهم الدوافع الإسرائيلية تحديدا لتدعم العلاقة مع بولندا، وذلك في إطار السعي الإسرائيلي المستمر للحصول على أكبر مكاسب مادية ممكنة من وراء ما تعتبره الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، وذلك على غرار ما تحصل عليه من تعويضات مالية ألمانية حتى الآن.


 


ولا شك أن هذا التحسن في العلاقات مع بولندا وألمانيا يؤشر على عزم إسرائيل تحسين علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة مع تلك الدول التي يربطها بها تاريخ من العداء، بشكل يؤشر على وجود تحول في السياسيات الخارجية الإسرائيلية بشكل عام وتجاه أوروبا بشكل خاص.


 


مغزى التحول وأهدافه


من المعروف أنه لا يوجد ثوابت في العلاقات الدولية، فصديق اليوم عدو الغد والعكس صحيح، وذلك في ظل وجود متغيرات دائمًا ما تحكم إطار المصالح المشتركة التي تجمع بين طرفين، وبناء على ذلك فإن التحولات في السياسات الخارجية الإسرائيلية التي تتزامن مع احتفالها بعقدها الستين، تحمل مغزى واضحًا يتلخص في محاولة إسرائيل خدمة مصالحها السياسية الآنية والإستراتيجية المستقبلية حتى لو كلفها ذلك تخطي “عقبات تاريخية كؤود” كانت تقف في طريق تحقيق ذلك، وفي ذلك الإطار جاء تطوير علاقاتها مع كل من ألمانيا وبولندا في الآونة الأخيرة، كمنطلق لتحسين علاقتها بشكل عام مع الاتحاد الأوروبي، والذي تهدف إسرائيل من ورائه إلى تحقيق عدد من الأهداف، التي يمكن حصرها في:


محاولة كسب جبهة أخرى في مواجهة إسرائيل لإيران، وذلك من خلال تعضيد العلاقات مع دول ذات تأثير فاعل في السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي-مثل ألمانيا- والعمل على الاستفادة من ذلك للضغط على الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه طهران، وتكثيف الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على إيران لإرغامها على كبح برنامجها النووي؛ وخاصة أن إسرائيل ترى في ذلك فرصة جيدة بالنسبة لها لاستثمار مثل هذه العلاقات بشكل يأتي على حساب العلاقات التي تربط طهران بالاتحاد الأوروبي، على غرار ما نجحت في تحقيقه من خلال تقاربها مع الصين في الآونة الأخيرة، والذي برز بشكل واضح عقب زيارة الرئيس الصيني “جيانج زيمين” لتل أبيب عام 2000، والذي أدى بدوره إلى تخفيض التعاون الصيني- الإيراني في المجال العسكري.


العمل على “تطويع” الموقف الأوروبي عامة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ إذ أنه من المعروف أن هناك حالة من الجدل المستمر بين الدوائر السياسية الإسرائيلية ونظيرتها الأوروبية فيما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث “فتور” ملحوظ في العلاقات بين تل أبيب والاتحاد، ينتج عنه بشكل غير مباشر زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل في حال مبالغتها في ممارساتها الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني، إضافة إلى حرص إسرائيل على الحفاظ على المقاطعة الأوروبية لحركات المقاومة وعلى رأسها حركة “حماس” الفلسطينية و”حزب الله” اللبناني.


 


تعزيز وتنمية التعاون الاقتصادي والعسكري ما بين أوروبا وإسرائيل، فمن المعروف أن إسرائيل تربطها علاقات اقتصادية وثيقة بالاتحاد الأوروبي منذ العام 1994، الذي شهد إعلان مجلس الاتحاد الأوروبي اعترافه بحق إسرائيل في التمتع بمكانة خاصة في الاتحاد على أساس التبادلية والمصالح المشتركة وذلك بحكم المستوى العالي للتطور الاقتصادي في إسرائيل، كما شهد العام 1995 توقيع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على “اتفاقية الشراكة”، التي جاءت لتحل مكان اتفاقية التعاون المبرمة بين إسرائيل والمجموعة الأوروبية سنة 1975. أما من الناحية العسكرية فهناك مجالات اهتمام مشتركة في كل ما يتصل بتطوير وإقامة شبكات العلاقات الحيوية للتعاون الأمني مع دول أوروبا؛ فثمة عدة مجالات عمل ذات صلة بإنشاء أُطر التعاون الإسرائيلي – الأوروبي، سواء مع كل دولة أوروبية على حدة، أو في إطار شبكة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة.

مقالات ذات صلة