المكتبة الأمنية

الأمن والإعلام في دولة الكيان

المجد- وكالات    

تطرق كتاب نشرته وزارة الجيش الصهيوني مؤخرًا بعنوان "الأمن والإعلام في الكيان" للمؤلف الإسرائيلي بنحاس يحزكيلي للعلاقة القائمة بين المؤسسة الأمنية ووسائل الإعلام في " الكيان".

وبين الباحث في مركز الزيتونة عدنان أبو عامر في سياق عرضه للكتاب أنه يتناول هذه العلاقة في ضوء الإشكاليات التي وقعت مؤخرًا بين الجانبين، ومدى تحمل مسؤولية كليهما عن أمن الكيان الصهيوني، في ظلّ ثورة المعلومات، وتراجع صلاحيات "مقص الرقيب".

ولفت إلى ارتفاع حدة التهديدات والتحديات الأمنية المحيطة بـ"الكيان"، واللوم الذي توجهه دوائر صنع القرار فيها إلى قطاعات واسعة من الحقل الإعلامي، ممن لا "يتبنون" الرواية الرسمية، خاصة في الأحداث التاريخية الكبرى.

واكتسب الكتاب فضلاً عما ورد فيه من معلومات ومعطيات ربما تنشر لأول مرة أهميته من مؤلفه د. بنحاس يحزكيلي، كونه جنرال شرطة الكيان متقاعد، وعمل مديرًا عاماً لكلية الأمن القومي التابعة للجيش الإسرائيلي، بعد أن ترأس شعبة الأبحاث فيها، وسبق له أن أصدر عددًا من المؤلفات والكتب، وعشرات المقالات المرتبطة بدور المؤسسة الأمنية وتأثيرها على الواقع السياسي والمدني في "الكيان".

وأكد الكتاب في فصوله أن العلاقة بين الأجهزة الأمنية والإعلام الصهيوني فيما يتعلق بالقضايا الأمنية الحساسة معقدة وحساسة جدًا؛ بسبب عدم قدرة التشريعات والقوانين على ضبط حدودها.

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية تعمد في كثير من الأحيان إلى عدم التدخل فيما ينشر عبر الثانية، إلا أنها تتدخل بقوة حينما تقتضي الضرورة ذلك، مؤكدًا أنها تلجأ للقضاء في كثير من القضايا، لمنع نشر معلومات "مشفرة وسرية" خشية تدهور الوضع الأمني.

ولفت إلى أن سبب التوجه للقضاء هو الاختلاف القائم في فهم القوانين، التي لا تضبط العلاقة بشكل تام، ففي حين أن امتلاك معلومات سرية مشفرة يعدّ أمراً غير قانوني، إلا أن المحكمة تدافع عن الإعلام الذي ينشر ملفات ووثائق سرية، شرط ألا تضر بأمن الدولة.

واستدرك مؤلف الكتاب أن الأجهزة الأمنية الصهونية تتدخل حين يكون هنالك معلومات سرية للغاية سُرِّبت، ولا يجب أن تنشر، وقد تصل إلى أيدي "العدو"، وبالرغم من أن ذلك قد يترك انطباعًا حقيقيًا للمتابعين للإعلام الصهيوني أنه حادَ عن الأسس التقليدية والمتعارف عليها في الأعراف الصحفية والإعلامية، وتجلى ذلك بصورة واضحة خلال العديد من الأحداث التي عاشتها "دولة الكيان".

التهويل والتستر

وبالرغم من أن الإمكانيات الهائلة المتاحة لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ومساحات المناورة الشاسعة الممنوحة لها، نظريًا على الأقل، إلا أنها تراجعت في أدائها لمهامها إلى درجة صحافة مجندة أحادية الجانب، ولم تكتفِ بتزويد متلقيها بمستجدات الأمور والأحداث المتلاحقة، بل لجأت للتهويل تارة، والتستر تارة أخرى.

وبدلاً من محاولة إيجاد رأي عام من خلال عرض تعددي لوجهات النظر، فقد أخذت على عاتقها -من خلال حفنة ضئيلة من رجال الإعلام المدعين لمعرفة واسعة في الشؤون الفلسطينية والعربية- تعبئة الرأي العام الإسرائيلي، عبر التهويل وعدم الدقة والتحامل والتحريض.

ورأى الكتاب أن المراسلين العسكريين والمحللين للشؤون العربية والناطقين بلسان الجيش والحكومة، باتوا نجوم وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال مختلف السنين والمراحل التاريخية، بعد أن أتقنوا عرض وجهة النظر الرسمية لما يحدث، وفي بعض الأحيان لا تستطيع أن تميز إن كان المراسل ناطقًا بلسان الجيش، أو أن الناطق العسكري هو المراسل، بعد أن غاب التوازن المعقول والمقبول بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، في المقابلات ونقل المواقف.

وبرز ذلك ليس فقط في قلة عدد الفلسطينيين الذين قوبلوا في التقارير الصحفية والإعلامية، بل في التوجه العدائي والاستفزازي والاستعلائي للصحفيين، وتبني مواقف الحكومة، وعدم الميل لانتقادها، على غير عادتها في تغطية جملة سياسات الحكومة ونهجها في القضايا الداخلية: الشؤون الاقتصادية والسياسية والتعليمية، وانتقادها وتحليلها لكل صغيرة وكبيرة في هذه المجالات، بحيث نادراً ما وجد لدى هذه الوسائل ميلاً نقدياً وتحليلياً واضحاً.

وبينت بعض فقرات الكتاب أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لعبت دورًا تعبويًا يميل إلى التصرف كامتداد للمؤسسة السياسية، وبالتالي الاصطفاف بجانب المؤسسة العسكرية والأمنية، ومن ذلك أن الجندي الإسرائيلي هو المُهاجَم والمُعتدَى عليه دائمًا، والقصف وإطلاق النار على الفلسطينيين دفاع عن النفس، وردّ على اعتداءات.

وأصبح الضحايا الفلسطينيون في الإعلام الإسرائيلي مجرد أرقام، لا أسماء لهم ولا أهل ولا أمهات، والخسائر المادية والأضرار ليس لها أية قيمة، والبيوت التي تقصف هي ثكنات للمنظمات الفلسطينية، وليس لها أصحاب، ولا تسكنها عائلات وأطفال.

ومما يدلل على ذلك، ما أورده الكتاب من "مصطلحات ومفردات" تستخدمها وسائل الإعلام الإسرائيلية، وهي ذاتها الصادرة عن المحافل العسكرية، وبعضها تتعمد توصيل معلومات خاطئة لتلبية احتياجات معينة للجيش، وفي هذه الحالة أي عندما تلتقي المؤسستان، العسكرية والإعلامية، معاً ضدّ هدف محدد، فلا يحدث أي خلاف بينهما، وهو الحاصل في إسرائيل منذ اندلاع الانتفاضة الثانية.

مخطط دعائي

وقال أبو عامر "لعل مراجعة نقدية لعلاقة الأمن والإعلام في إسرائيل، كما تظهر في الكتاب، تشير إلى أن الإعلام الإسرائيلي بات من الميادين المرتكزة على الترغيب والإثارة، وغسيل الدماغ، والتلاعب بالعواطف، ولهذا يستفيد من خبرات المتخصصين وأساتذة الجامعات، ولم يعد مجرد أفكار أو مقولات، بل يقوم على مخطط دعائي يشمل الأهداف والأدوات والمراحل، والمنطق الفكري والأسانيد والحجج المتماسكة".

وتعدّ الرقابة العسكرية حلقة مهمة في سلسلة حلقات ضبط العلاقة بين الأمن والإعلام في "إسرائيل"، ومهمتها إملاء المواقف المحددة في الموضوعات الأمنية، وبالرغم من التطور الكبير الذي شهده الإعلام الإسرائيلي في النقاشات اليومية والشؤون السياسية، إلا أن الجانب الأمني ما زال متحكمًا في انطلاقته.

وزيادة في تشديد الرقابة، أشار مؤلف الكتاب إلى قرار الحكومة بضمّ إدارة سلطة البثّ لمسؤوليات رئيسها، وتشديد سلطة الرقيب العسكري، وتدخله في حالات عديدة لمنع نشر تقارير صحفية عن قضايا عدة بحجة أنها تمسّ بـ"الأمن العسكري"، وهو ما كان مجال نقد من الإعلام، حتى أن الرقيب وُصِفَ في بعض الأحيان بأنه يتعامل مع الإعلام كـ"عدو في الجبهة العسكرية".

كما قرر الجيش الإسرائيلي تقليص التغطية الإعلامية لعملياته العسكرية، بعد سماع انتقادات وجهت إليه، لأن صور الجنود ليست مرغوبة لمن هم "وراء البحار"، وبالتالي تمّ تغيير السياسة الإعلامية، بحيث تتحول إلى تواجد مكثف للجنود مقابل تغطية إعلامية محدودة.

بل إن وسائل الإعلام واجهت مطالبات عديدة بعدم بثّ بعض الأخبار والأحداث، بحجة أنها مواد دعائية معادية، ومن ذلك، خطابات زعماء المنظمات الفلسطينية، لأن هدفها بثّ الخوف واليأس وسط الجمهور الإسرائيلي، وكانت حجة الحكومة أن أولئك الزعامات هم "أعداء لنا"، ولا يمكن أن نقدم لهم منصة للخطابة!.

كما أن بثّ أشرطة الفيديو لمنفذي العمليات الفدائية لا يخدم الحقيقة الإعلامية، بل يخدم التأويلات المقصودة " للعدو"، وبالتالي لا يجب على الإعلام الإسرائيلي التعاون معه في هذا المجال، كما أن المُشاهِد غير معني بأن يصل "المخرب الانتحاري" في المساء إلى صالون بيته، بعد أن زاره ظهراً في المجمع التجاري!.

الرقابة الأمنية

وكجزء أساسي في العملية الرقابية، استخدم الإعلام الإسرائيلي عددًا من المصطلحات الانتقائية في الدلالة والتعبير، بكل ما يتعلق بالأحداث التي تخص "إسرائيل" واليهود والجيش والعلاقات الإسرائيلية مع الخارج، ولم يقتصر اختيارها على مصطلحات معينة لتستعمل مرة واحدة فقط، بل من الملاحظ أن كثرتها أصبحت ثابتة، وذات استعمالات متكررة في حالات مختلفة.

وسرد الكتاب مجموعة من المصطلحات، أصبحت فيما بعد جزءًا من القاموس اليومي للإعلام الإسرائيلي، ومنها: يهودا والسامرة بدل الضفة الغربية، المخربون والإرهابيون بدل المسلحين، الفلسطينيون بدلاً من الشعب الفلسطيني، العمليات الوقائية بدلاً من عمليات التوغل والاقتحام، أعمال هندسية ذات طابع أمني بدلاً من تجريف الأراضي الزراعية، خطوات أمنية بدلاً من عمليات انتقام وعقاب، عمليات إحباط موضعية بدلاً من تصفية فلسطينيين.

في السياق ذاته، يلعب الإعلاميون الصهاينة دورًا خطيرًا ومهمًا في المعركة الإعلامية التي تخوضها "دولة الكيان"، وبالرغم من محاولات الكثير منهم لإقناع الرأي العام، لا سيما الفلسطيني منه، بحيادية تقاريرهم، وبأنهم لا يمثلون الذراع الدعائي للحكومة الصهيونية بمختلف أجهزتها، إلا أن تغطية بعض الأحداث المهمة، محليًا وإقليميًا أكدت الحقيقة التي يحاولون إنكارها، من خلال اعتمادهم على الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية كمصدر لمعلوماتهم.

وتناول الكتاب عددًا من نماذج التغطية الإعلامية لعدد من الأحداث الساخنة التي عاشتها "دولة الكيان"، لتخلف وراءها العديد من الملفات، وتجعلها ما تزال مفتوحة على مصاريعها، بحيث أن الجمهور الصهيوني بات يرى في الإعلام جزءًا من المؤسسة الحاكمة ومن الأجواء الرسمية من جهة، ويرى فيها حصن الإجماع ورمزه الفاقع من جهة أخرى.

ووصل الكتاب إلى خلاصة مفادها أن الإعلام الصهيوني بات في المجال الأمني، عدا عن تغطيته لأحداث المواجهات الدائرة مع الفلسطينيين والعرب، يتولى مهمة القاضي والحكم، بحيث يحدد المنتصر والمهزوم، ولا يصف ما يحدث في ساحة المعركة فقط، بل يحدد ملامح الصورة التي سترسخ في وعي الجمهور وصانعي القرارات.

مقالات ذات صلة