المكتبة الأمنية

عرض كتاب: معارك “إسرائيل” السرية لاستعادة أسراها

مقدمة:

 يتناول الكتاب العلاقة القائمة بين المؤسسة الأمنية ووسائل الإعلام في «إسرائيل»، في ضوء الإشكاليات التي وقعت مؤخراً بين الجانبين، ومدى تحمل مسؤولية كليهما عن أمن الدولة، في ظلّ ثورة المعلومات، وتراجع صلاحيات «مقص الرقيب»، لا سيما مع ارتفاع حدة التهديدات والتحديات الأمنية المحيطة بـ»إسرائيل»، واللوم الذي توجهه دوائر صنع القرار فيها إلى قطاعات واسعة من الحقل الإعلامي، ممن لا «يتبنون» الرواية الرسمية، خاصة في الأحداث التاريخية الكبرى.

 ويؤكد الكتاب في فصوله أن العلاقة بين الأجهزة الأمنية والإعلام الإسرائيلي، فيما يتعلق بالقضايا الأمنية الحساسة، معقدة وحساسة جداً؛ بسبب عدم قدرة التشريعات والقوانين على ضبط حدودها. مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية تعمد في كثير من الأحيان إلى عدم التدخل فيما ينشر عبر الثانية، إلا أنها تتدخل بقوة حينما تقتضي الضرورة ذلك، مؤكداً أنها تلجأ للقضاء في كثير من القضايا، لمنع نشر معلومات «مشفرة وسرية» خشية تدهور الوضع الأمني، مع أن سبب التوجه للقضاء هو الاختلاف القائم في فهم القوانين، التي لا تضبط العلاقة بشكل تام، ففي حين أن امتلاك معلومات سرية مشفرة يعدّ أمراً غير قانوني، إلا أن المحكمة تدافع عن الإعلام الذي ينشر ملفات ووثائق سرية، شرط ألا تضر بأمن الدولة.

 ويستدرك المؤلف بالقول: الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تتدخل حين يكون هنالك معلومات سرية للغاية سُرِّبت، ولا يجب أن تنشر، وقد تصل إلى أيدي العدو، وبالرغم من أن ذلك قد يترك انطباعاً حقيقياً للمتابعين للإعلام الإسرائيلي أنه حادَ عن الأسس التقليدية والمتعارف عليها في الأعراف الصحفية والإعلامية، وتجلى ذلك بصورة واضحة خلال العديد من الأحداث التي عاشتها «إسرائيل».

  مرشد الاختطاف

 في غمرة تناوله لآلاف الوثائق التي وقعت يده عليها لتناول قضايا اختطاف الجنود والمستوطنين، يستعرض المؤلف وثيقة تقع في 18 صفحة، وزعتها حركة حماس على المستويات الميدانية في كتائب القسام تحت عنوان «مرشد للمختَطِف»، وتضمنت شرحاً مفصلاً عن عملية الخطف، وتبدو أنها أُعدّت لخلاياها العاملة في الضفة الغربية، حيث يوصي معدو الوثيقة بأن يكون من سيقوم بعملية الخطف مجيداً للغة العبرية، والتحدث بها بطلاقة، وتجنب الحديث باللغة العربية بأي حال، والبحث عن جندي ضعيف البنية لسهولة خطفه، وتفضيل تنفيذ العملية في حالة جوية ماطرة، إلى جانب استخدام مسدسات مزودة بكاتم للصوت، واستبدال السيارة التي تمّ بها الخطف بسيارة أخرى في حالة الضرورة.

 ويقدم الكتاب استعراض أهم عمليات خطف الجنود والمستوطنين الإسرائيليين وأسرهم؛ لا سيما داخل الأراضي الفلسطينية، التي تركّزت معظمها داخل مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب تقديم استعراض تاريخي لصفقات التبادل منذ سنة 1948، وحتى كتابة هذه السطور، ما يجعل من هاجس الاختطاف والأسر لمجتمع المخابرات الإسرائيلية وقيادة الجيش حاضراً في معظم الأحيان.

 ويكشف الكتاب النقاب عن قيام الجيش الإسرائيلي بتجنيد ثلاث فرق، مكونة من تسع كتائب، تضم أكثر من 1,800 جندي، للتدرب على سيناريوهات لمواجهة عمليات أسر تقوم بها حركات المقاومة الفلسطينية، بعد التهديدات التي دأبت الأخيرة على إعلانها، وهو ما دفع بهيئة أركان الجيش لإعلان حالة من الاستنفار، وجدت تعبيرها في توظيف هذا العدد غير المسبوق من الجنود للاستعداد لمواجهة عمليات الأسر المحتملة. والأكثر من ذلك أن الجيش استخدم عدداً ممن يوصفون بأنهم من «ألمع قادته» للإشراف على إعداد هذه التدريبات، والإعداد لسيناريوهات محتملة لعمليات اختطاف يقوم بها الفلسطينيون، وأوكلت مهمة الإشراف على تنفيذها لجنرالات بارزين.

 كما كثف الجيش من عمليات الحراسة في المناطق التي يتواجد فيها كبار قادته، وألزمت هيئة الأركان ضباطها باتخاذ إجراءات احترازية لتجنب عمليات الأسر، كعدم لبس البزات العسكرية التي تظهر عليها رتبهم، ومناطق سكناهم، حتى لا يتمّ التعرف عليهم، وبالتالي اختطافهم.

 احتياطات أمنية

 انطلاقاً من الخلفية الأمنية الاستخبارية للمؤلف، يقرّ الكتاب بأن المقاومين الفلسطينيين أتقنوا عمليات التمويه في كثير من عمليات الأسر، كما عمدوا لاعتماد وسائل متنوعة في أسر الجنود والمستوطنين، ومنها قتل الجنود والاحتفاظ بجثثهم، لعدة سنوات متواصلة، وبقي مصير بعضهم مجهولاً للأجهزة الأمنية الإسرائيلية. وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي قامت بها لحلّ ألغاز هذه القضايا، فقد باءت كل محاولاتها بالفشل، ولم تفلح كل المحاولات التي قام بها الجيش والشاباك في الكشف عن مكان وجود الأسرى، ما اعتبر تحولاً نوعياً من النواحي العسكرية والأمنية والميدانية في عمل المقاومة، سواء من حيث الطريقة التي اتبعتها في تنفيذ عمليات الأسر، أو من حيث النتائج الخطيرة التي أسفرت عنها.

 ويصل المؤلف إلى تقييم لصفقات التبادل مع القوى الفلسطينية والعربية، مشيراً إلى أنها، وبالرغم من أنها تغلق ملفات معاناة عائلات جنود إسرائيليين بعد أعوام من الانتظار «المؤلم»، إلا أنها من جهة أخرى تكشف حجم الثمن الباهظ الذي تدفعه «إسرائيل»، مما قد يعرض أهدافها الاستراتيجية للخطر. ذلك أن صفقات من هذا القبيل من شأنها أن تظهر «إسرائيل» كما لو كانت مستعدة للقبول بالتنازل عن كل حقوقها، والخضوع لكل المطالب التي تعلنها تلك المنظمات، بل وستعمل على تقوية مواقع تلك المنظمات في المجال السياسي داخل العالم العربي والإسلامي، وتنامي شعبيتها وجماهيريتها. في المقابل، فإن هذه الصفقات تمسّ بقوة «إسرائيل» الردعية، وتعمل على تشجيع المنظمات للقيام بعمليات اختطاف أخرى، وتخاطر بحياة جنودها الذين يمكن أن يقعوا في أسرها، وبالتالي فإن تضحية «إسرائيل» بالكثير من أجل استعادة جنودها ومواطنيها، فهذه قيمة إنسانية كبيرة، لكنها قد تترجم سياسياً على أنها خضوع لمطالب المسلحين، الذين قد يرفعوا الثمن المطلوب لتبادل الأسرى.

 أخيراً، فإن الكتاب يقدم استعراضاً تاريخياً تفصيلياً بنشأة قضايا الأسرى والمفقودين الإسرائيليين، بمن فيهم الجنود المفقودين في معركة السلطان يعقوب، وأسرى جنوب لبنان، ورون أراد، وجلعاد شاليط، فضلاً عن تقديمه «تشريحاً» وافياً لصفقة التبادل الشهيرة مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة أواسط الثمانينيات، مقدماً أهم الدروس التي استفادتها المخابرات الإسرائيلية من نظيراتها الأمريكية والروسية في قضايا الاختطاف والرهائن، بما في ذلك النجاحات والإخفاقات على حدٍّ سواء.

 الكتاب والمؤلف:

 حظي الكتاب الحالي بإشادات غير مسبوقة من قبل جملة من صناع القرار الإسرائيلي، ودور النشر الغربية، لما قدمه من أسرار تنشر لأول مرة، وطريقة في العرض عزّ نظيرها في الكتب الاستخبارية، ومن ذلك ما ذكره رئيس الأركان السابق غابي أشكنازي، الذي وصفه بأنه يقدم عرضاً مؤثراً لطبيعة المخاطر الكامنة في هذه القضية، فيما علقت عليه دورية تقرير القدس The Jerusalem Report بالقول: إنه كتاب مليء بالتفاصيل، وسيستخدم في السنوات القادمة كمصدر معلوماتي أساسي في العديد من قضايا المنطقة.

 وأكد الكاتب سيمور هيرش، الحائز على جوائز عالمية عديدة، بأن مؤلف الكتاب امتلك طريقة مدهشة ومصادر أولية داخل مجتمع المخابرات الإسرائيلية، وهناك الكثير ما يمكن تعلمه من هذا الكتاب. فيما قالت وكالة الأنباء الإيرانية إن المؤلف يكشف أسراراً مثيرة فاجأت العديد من وكالات الاستخبارات الإقليمية والدولية، لا سيما وأنه يتناول العلاقات المتوترة بين إيران و»إسرائيل»، واتهام الأخيرة للأولى بإخفاء معلومات عن الطيار المفقود رون أراد.

 من جهة أخرى، فإن المؤلف د. رونين بروغمان، 39 عاماً، صحفي مشهور، ورجل تلفزيوني، درس القانون في جامعة حيفا، وعمل محامياً لبعض الوقت، ثم حصل على الماجستير في العلاقات الدولية، ثم الدكتوراه في التاريخ من جامعة كامبردج في بريطانيا، حيث كانت رسالته للحصول على الشهادة في «تاريخ العلاقات الأمنية والاستخبارية بين «إسرائيل» وإفريقيا». ولقد تنقل بروغمان في كتاباته الصحفية بين صحيفة العالم اليوم ثم هآرتس، والآن يكتب بصورة دورية في «يديعوت أحرونوت»، ومعروف عنه تخصصه في التحقيقات الأمنية والمقالات الاستخبارية، وقضايا الحروب في الشرق الأوسط، ما دفع جامعة كامبردج لترشيحه لعضوية مشروع «الدراسات الأمنية»، حيث يحاضر في عدد من الجامعات الإسرائيلية والبريطانية في هذه الموضوعات.

 واكتسب المؤلف بروغمان شهرته من كشفه لعدد من الأسرار الخاصة، لا سيما صفقات تجارة الأسلحة لإيران، والحسابات البنكية لياسر عرفات، والعميل المصري المزدوج خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، أشرف مروان، وحصل على جوائز محلية وعالمية بهذا الخصوص. ومن كتب المؤلف الشهيرة: عملية أوسلو والسلطة الفلسطينية، وحرب الغفران وزمن الحقيقة، والحرب الاستخبارية لـ»إسرائيل» ضدّ إيران وحزب الله.

مركز الزيتونة

مقالات ذات صلة